Skip to main content

Full text of "مجلة دراسات تاريخية - علمية فصلية محكمة - ط. لجنة كتابة تاريخ العرب بجامعة دمشق - سورية"

See other formats


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۸-1۷ _ کانون الثاني _ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩۹‏ عيد مرعي 
مل راسا رج ا ل و ت 


التجارة بين ماري ويمحاضص 
في القرن الشامن عشر قبل الميلاد 


تعد محفوظات ماري الملكية المصدر الرئيس لتاريخ سورية وبلاد الرافدين في 
القرن الثامن عشر قبل الميلاد. فهي تعطينا صورة عن العلاقات السياسية والاقتصادية 
المتينة التي كانت تربط مدن وممالك بلاد الرافدين وسورية مع بعضهاء مثل ماري 
وبابل وآشور ويمحاض وقطنا وحاصور وجبيل وغيرها. وتكتسب هذه المعلومات 
أهمية كبيرة جداً بسبب غياب مصادر معاصرة لهاء سواء من بلاد الرافدين أو من 
الات ارده لفطب ا كات قامصمة كحاض مقا لا يكن ان 
تجري فيها أية حفريات أثرية بسبب العمران البشري المسستمر والمقواصل مند 
العصور القديمة وحتى الوقت الراهن. 

نعرف من خلال هذه المحفوظات» أن سورية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد 
كانت مؤلفة من العديد من الممالك القديمةء وأشهرها مملكة يمحاض التي كانت تقوم 
في الجزء الشمالي منهاء ممتدة من سواحل البحر المتوسط في الغرب حتى الفرات في 
الشرق» ومن جبال طوروس في الشمال حتى حماة وحمص في الجنوب. واشتهر من 
ملوكها ياريم ليم الأولء الذي يرد ذكره في إحدى رسائل محفوظات ماري كأحد أقوى 
ملوك بلاد الرافدين وسورية: 

"لا يوجد ملك قوي لوحده. عشرة ملوك (أو) خمسة عثتر ملك يتبعون حمورابسي 
ملك بابل» ومثلهم ريم سين ملك لارساء ومثلهم إبال بيل ملك إشنوناء ومثلهم موت 
بيل ملك قطناء (و) عشرون ملك يتبعون ياريم ليم ملك يمحاص"'. ) 


التجارة بين ماري ويمحاض في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ' 


ووجد زمري ليم آخر ملوك ماري ملجاً لدیه بعد أن سقطت ماري بيد شمشي أدد 
الأولء العاهل الآشوري القوي» ودخل معه فيما بعد في علاقة مصاهرةء وذلك 
بالزواج من ابنته شيبتوء فمتن بذلك العلاقات بين مملكته ومملكة يمحاض. 

وتظهر هذه العلاقات قوية أيضا في المجال التجاريء حيث تتحدث نصوص 
متعددة من محفوظات ماري الملكية عن المنتجات المختلفة التي كانت ترسل من حلب 
إلى ماري أو العكس. 


فالخمر (بالأكادية كرانوم) كان يرسل من يمحاض إلى ماري. فحسب أحد 
النصوص» أرسل ياريم ليم الأول ملك يمحاض»ء ضمن ما أرسلء مائة جرة خمر إلى 
ماري. وفي نص ممهور بخاتم زمري ليم» سجلت إرسالية مؤلفة من خمس جرار 
خمر من حمورابي إلى ملك يمحاض (ابن ياريم ليم الأول) إلى المستودع في 


ET 


ويشار في رسالتين من زمري ليم إلى زوجته شيبتو إلى الخمر الأحمر (كرانوم 
سموم) الذي أرسله حمورابي ملك يمحاض إلى ماري(). ويجري الحديث في رسالة 
من كبري داجان حاكم ترقا إلى سيده زمري ليم» عن سفن اناس من إيمار كانت تنقلى 
خمرا. فیذگر كبزي داجان أنه» حب توجيهات سيده؛ وبمساعدة ساقي أتمروم ملك 
أنداريق (من المعتقد أنها في شمال بلاد الرافدين)ء اختار من حمولة خمر السفن التي 
من إيمار تسعين جرة خمر وأرسلها مع إحدى السفن إلى أنداريق. أما بقيية جرار 
الخمر فقد أرجعت» ربما إلى إيمار. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا أرجعت هذه الجرارء ولم يسمح لها بمتابعسة 
سيرها مع الفرات» وما نوع هذه العمليةء هل كانت عملية تجارية بوساطة ملك ماري؟ 

على أية حال» من المؤكد أن هذا الخمر جاء من شمال سوريةء إما من كركميش» 
أو من يمحادش. علماً أن الخمر من شمال سورية كان يصل ماري غالباً عن طريق 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-71۷ ۔ كاأنون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩۹‏ عيد مرعي 


الفرات. فالخمر من كركميش وما جاورها كان يشحن مباشرة مع الفرات. أُما 
الإرساليات من يمحاض» فكانت تأتي عن طريت إيمارء ميناء الفرات المعروف.. 

وكانت توجد سفن متخصصة في نقل الخمر وتدعسى إليبجّات كر انيم اوممءاع) 
(«1مهإه): سفن خمر (بالمفرد إليب كرانيم). وتتراوح حمولتها ما بين مائئة جسرة 
للسفن الصغيرة وفلاكمائة جر ة للسفن الكيرة. فاذا قر محتوى الجرة بعش رة قا ون 
(نحو عشرة ليترات)ء فتكون سعة السفينة الصغيرة نحو ألف ليترء والكبيرة نحو ثلاثة 
آلافی(). 

من الجدير بالذكر أن المستهلك الرئيس للخمر في ماري كان القصر الملكي. 
بالإضافة إلى ما قم توجد عدة نصوص آخرئ تتحدت عن سفن كانت تتقل الخمتر 
مع الفرات باتجاه الجنوب. وعلى الرغم من أن بلد المصدر والبلد المرسل إليه غير 
مذكورين» فيمكن الاعتقاد أن هذا الخمر جاء من شمال سورية»ء إما من كركميش أو 
إيمارء ونقل نحو الجنوب الشرقيء إما إلى ماري أو إلى بلاد بابل. 

وهناك نص يذكر أن ٠٤٤١‏ جرة خمرء جبيت كمكس في محطة للجمارك عند 
ترقا. يبدو أن هذه الكمية أخذت كضريبة عن سفن كانت تحمل خمراً وقادمة من شمال 
سورية أيضاً. 

بالنسبة لأسعار الخمر في ماري فالقا ه٠‏ الواحد (نحو ليتر واحد) كان يكلف نحو 
٠٠٠/١‏ شيقيل فضة. وهذا السعر هو أعلى بعشر مرات من سعر الشعير وأقل تقريبا 
بمرتين من سعر زیت الزيتون(. 

ويذكر أحد النصوص أن سعر جرة خمر يساوي نصف شيقيل فضة). 
العسل: (بالأكادية ديشبوم) 

يظهر العسل من سورية في نصوص ماري مرات متعددة. فياريم ليم الأول ملك 
يمحاض أرسل مرة ضمن ما أرسل عشر جرار عسل إلى ماري '. من الجدير 
بالذكر أن العسل كان يستخدم غذاء للملوك وفي الؤصفات الطبية. 


۷ 


التجارة بين ماري ويمحاض في القرن الثامن عشر قبل الميلاد 


زيت الزيتون: (بالأكادية شمن سرديم) 

كانت سورية منتجة كبيرة لزيت الزيتون» ويصدر منها إلى مصر وبلاد الرافدين. 
وتذكر نصوص ماري إرساليات متعددة منه إلى ماري. ففي إرسالية من ياريم ليم 
الأول تذكر ضمن ما تذكر ۸ جرة زيت زيتون"'. وتذكر في نص من عهد زمري 
ليم كمية من زيت الزيتون كإرسالية إلى القصر '. من المؤكد أن هذا الزيت جاء إما 
من كركميش أو من يمحاض. وقد جلب إلى ماري من قل شخص یدعی ٣٠ں‏ )اu)ء‏ 
يبدو أنه جاء من شمال سوريةء وكان على ما يبدو قائ قافلة أو تاجر. غير أن إجمالي 
الكمية التي جلبها معه غير معروفة. ومعروف فقط أنه أعطى أحد موظفي القصر 
نحو ٠١‏ هيكتو ليتر (نحو ٠٠١‏ ليترا)". 

يبرهن هذا النص أن زيت الزيتون كان يُصدر بكميات كبيرة من سورية إلى 
ازى 

ويوجد نص آخر يشير إلى زيت من مملكة يمحاض» إذ يذكر ۲۷۷ جرة زيت 
(karpat šSamnim)‏ تبودلت مع ۱ a۲علا‏ و۷ کور و۷ قازیت (نحو ۳۳۳۷ ليترا)ء 
التي جلبها نورسين من ألا ختنوم9'. 

إن هذه المبادلة كما هو واضح مبادلة زيت زيتون مع زيت سمسم. وزيت الزيتون 
منشؤه منطقة حلب. لأن المرسل تورسين كان ممثل زمري ليم ملك ماري في بلاط 
حلب. والمكان الذي أتي منه الزيت (لاختوم) يتبع مملكة يمحاض. كان زيت الزيتون 
يستخدم في ماري للتغذية وللمسح ولأغراض طبية. 
الأخشاب: (بالأكادية إصوم) 


كانت منطقة الجبال الساحلية ولا تزال غنية بالأنواع المختلفة من الأشجارء التي 
كانت مرغوبة في مصر وبلاد الرافدين لأغراض البناء المختلفة. فقد مكنت كميات 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۸-71۷ _ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ عيد مرعي 


الأمطار الهاطلة سنوياً بكميات كبيرة في هذه المنطقة من نمو أشجار الأرز والسرو 
والصنوبر والبلوط والبقس والعرعر وغيرهاء بحيث أن جبال هذه المنطقة سُميت نسبة 
إلى غناها بهذا النوع أو ذاك من تلك الأشجار. فجبال الأمانوس عرفت "بجبال الأرز" 
أو "غابة الأرز"» وجبل لبنان عرف "بجبل السرو"» وعرف جبل حرمون "بجبل الأرز" 
أيضا. 


وعلى الرغم من عدم وجود إشارات مباشرة إلى تصدير الأخشاب من يمحساض 
إلى ماري» فإن قرب هذه الجبال من يمحاض مع وجود إشارات غير مباشرة في 
تفر فن هاري ةف ل س ار ف خت كات لاحات ستل مجن الل 
المذكورة عبر منطقة يمحاض حتى شواطئ الفرات» ثم تنقل من هناك مع تيار النهر 
إلى ماري وإلى بلاد بابل. 


ويتحدث يخدون ليم ملك ماري في وثيقة تأسيس معبد شماش» إله الشمس في 
ماري» عن حملة له وصل فيها إلى شواطئ البحر المتوسط وقطع أشجار الأرز 
والسرو والبقس والصندل في جبالها العالية: "منذ الأيام الغابرة عندما بنى الإله ماري» 
ما من ملك مقيم في ماري وصل البحر وفتح جبال الأرز والبقس» الجبال العالية 
وقطع أخشابها. يخدون ‏ ليم بن يجبد ‏ ليم الملك القوي» الثور البري (بين) الملوك 
ذهب ببراعة وقوة إلى شاطى البحرء ل (إله) المحيط ضحى ضحاياه الملكية الكبيرة 
وجنوده في وسط المحيط استحموا. في جبال الأرز والبقس» والجبال العالية دخل هوء 
البقس والأرز والسرو والصندلء هذه الأشجار هو قطعها""'. 


وقبله قام جوديا أمير لاجاش ۲٠٤-۲٠٤١(‏ ق.م) بالحصول على الأخشاب من 
جبال الأمانوس"'. يستنتج من كل ما تقدم وجود تجارة مزدهرة للأخشاب من 
يمحاض إلى ماري. 


التجارة بين ماري ويمحاض في القرن الثامن عشر قبل الميلاد 


القصدير : (بالأكادية ناكو (anakum e‏ 

احتاج المرء القصدير في الشرق القديم لإنتاج البرونز»› وذلك يخلطه مع النحاس. 
الوثائق المختلفة. فالنصوص الآشورية القديمة من المستوطنة الآشورية كاروم كانيش 
في الأناضول تبين أن القصدير لعب دورا هاما في التجارة بين بلاد آشور والأناضول 
في القرن التاسع عشر قبل الميلاد. فقد كان ينقل بكميات كبيرة من آشور إلى كاروم 
كانيش بوساطة قوافل من الحمير تعبر الجبال والوديان والسهول لتصل إلى وجهتها. 

أما عن الموطن الأصلي للقصدير فهناك آراء مختلفةء غير أن أرجحها القائل إن 
منطقة شمال غربي إيران هي الموطن الأصلي له“'. 

تشهد نصوص أرشيف ماري على قيام تجارة منظمة للقصدير بين ماري والمدن 
السورية المختلفةء في النصف الأول من القرن الثامن عشر قبل الميلاد. كانت مساري 
تحصل على القصدير بانتظام من الشرق عن طريق بري يمر عبر آشور'. وكانت 
تسد حاجتها من ذلك ثم تعيد تصدير الباقي باتجاه الغرب” '. وتشهد على هذا 
التصدير العديد من النصوص من عهد زمري ليم. 

بالنسبة للتصدير إلى يمحاض يذكر أحد النصوص' مايلي: 

السطر :1١‏ خمس مينات إلى أبي أدو uللA-زطا۸.‏ 

السطر :۱٤‏ خمس مینات إلى يبخور ادو uلل۸-hurمlap‏ . 

السطر :٠١‏ رجلين من يمحاض. 


هذان الرجلان من يمحاض كانا إما تاجرين أو عاملين بالمعادن من حلب . 


مجلة درأسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ . كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ عيد مرعي 


ویذکر نص ثان(": 

السطران ١‏ و؟: خمسون مينة قصدير إلى ياريم ليم. 

ويشير نص ثالث إلى كمية من القصدير ١(‏ تالنت و ٥ ٠/٣‏ مينةء أي نحو 
١ه‏ كغ) يجب أن ترسل إلى يمحاض وقطنا. 

ویذکر نص رابع(: 
الأسطر ۳ ٠١ :٤‏ مينة و شيقيل قصدير إلى ياريم ليم. 
السطر ٣ : ٩‏ سبائك قصدير إلى ياريم ليم. 
ونقراً في نص خامس مايلي'": 
السطر ۷: ٠۹‏ مينة و٠‏ شيقيل قصدير إلى ياريم ليم. 
السطر ١١‏ : قصدير إلى ياريم ا 


من الجدير بالذكر أن ياريم المذكور في هذه النصوص هو ياريم ليم الأول ملك 
يمحاض» الذي كان بحاجة إلى القصدير أكثر من غيره لسد حاجات قصره وجيشه. 


وهناك نص Ek‏ يتحدث عن عدة إرساليات من القصدير من ماري إلى 
يمحاض» إلى الملك وإلى زوجته وأولاده وإلى أشخاص آخرين من حلب: 


الأسطر ١ E‏ تالنت قصدير من حمورابي البابلي إلى حلب. 
الأسطر ٩ :۱۲ ۱١‏ تالنت و۲۷ مينة و۸ شيقيل قصدير إلى ياريم ليم. 


السطر ۳ ۱,٩‏ تالنت و۷ شیقیل قصدیر إلى السيدة جاشيرا (زوجة ياريم ليم 
الأول). 


السطر ٠ :١٤‏ مينة قصدير إلى حمورابي (ابن ياريم ليم). 


3 


التجارة بين ماري ويمحاض في القرن الثامن عشر قبل الميلاد 


السطر ١١ ۳/۲ :٠۰‏ مينة قصدير إلى سمسي أدو اله - أوصه؟. 

السطر ١١ ۳/۲ :٠١‏ مينة قصدير إلى طاب بلاطي .Tab- balati‏ 

السطر :١١‏ ۸ مينة قصدير إلى سين أبو شو في حلب (طaاة6).‏ 

من الواضح أن الأسماء الأولى هي أسماء أشخاص من العائلة المالكة. 

أما الأسماء الثلاثة الأخيرة فهي أسماء أشخاص ربما كان لها ارتباط ما مع العائلة 
المالكةء أو ريما أسماء موظفين أو تجار. 

ويذكر نفس النص إرسال كمية من القصدير إلى مدينة تدعى دور سومو إبوخ: 

الأسطر ۳۸-۳۷: ۲ تالنت قصدير ... في .Dur - sumuepuh‏ 

هذه المدينة كانت تقع بلا شك في منطقة يمحاض وسميت بهذا الاسم (مدينة سومو 


إبوخ) نسبة إلى سومو إبوخ أول حاكم معروف حتى الآن من يمحاض» ويرد ذكره 


في نصوص ار 


ویذکر نص سابع مايلي": 

الأسطر ٠١ "1-٥‏ مينة قصدير إلى ياريم ليم. 

السطر ۷ ٠١‏ مينة قصدير إلى جاشيرا (زوجته). 

بتبين لنا من النصوص المذكورة سابقاء أن القصدير كان يصدر بانتظام من ماري 
إلى يمحاض. 


ولم يتوقف استيراد المدن السوريةء وبينها حلب» للقصدير بعد تدمير ماري على 
يد حمورابي البابلي عام ٠۷١۹‏ ق.م. فهناك رسالة بابلية"' قديمة من عهده» تبرهن 
أن القصدير كان يُرسل من بابل إلى إيمار وحلب عن طريق الفرات» نقراً في الرسالة 
مايلي : 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹۹‏ عيد مرعي 


إلى سيدي: هكذا (يقول) شماش رابي: كما يعرف سيدي نوجد في خدمة مدينة 
باصو منذ أن وضعت طوبة مدينة باصو من قبل حمورابي. (مايخص) السفن 
الصاعدة والنازلة مع التيارء فإننا تدع بعد تفتيش (السفن)» التاجر الذي يحمل لوح 
الملك (معه) يمرء (ولكن) التاجر الذي لا يحمل (معه) لوح الملكء نعيده إلى بابل. 
(ولكن) الآن منذ أن أسس بيت أنا توم وريش شماش في بابل يدع المرء كل (التجار) 
من إيمار وحلب يمرون عبري» ولكن لا أستطيع أن أفتش السفينة لديهم. الآن من أجل 
العشرة كور شعير التي أعادها سيدي إلي ‏ لأجل هذا الشعير ‏ جئت إلى سيبارء 
ران مان ادى بق ا كنف إل مال اشا ر ماق و احجان اللين 
(كانوا) معه» لا أعرفهم رسوا بسفيتهم عندي» نزلت إلى السفينة وأعلمت العشرة تالنت 
قصدير (التي) كانت معهم (في السفينة) (سلطات المدينة)ء وفضلا عن ذلك أیضاً كيس 
جلدي مع أحجار (كريمة). كي لا يُلقى علي أي لوم كتبت إليك بذلك كي تسمع'. هذا 
ما كتبه إلي. بهذا أرسل رسالتي إلى سيدي. أرجو أن يأخذ سيدي قرارأ بذلك ويبعسث 

يتضح من هذه الرسالة أن تجارأ من إيمار وحلب أسسوا وكالة تجارية لهم في 
بابل لتأمين مصالحهم التجارية ومن بينها استيراد القصدير. 

وقد لعب نهر الفرات دورأً هاما في عملية التبادل التجاري والمواصلات بين 
ماري ويمحاض بشكل خاص. فالبضائع والمنتجات كانت تنقل عبره في سفن 
متخصصة بذلك. فنصوص ماري تذكر سفناً متخصصة في نقل الخمر كما ذكرنا 
سابقاء وأخرى متخصصة في نقل الحبوب وثالثة متخصصة في نقل القارء ورابعة 
متخصصة في نقل أحجار الجواريش. 


وكان لإيمار (مسكنة حالياً) التابعة لمملكة يمحاض دور هام في التجارة 
والمواصلات بين ماري وبلاد بابل بشكل عام من جهةء ويمحاض وشمال سورية 


۳ 


التجارة بين ماري ويمحاض في القرن الثامن عشر قبل الميلاد 


بشكل عام من جهة أخرىء» وذلك كمحطة تجارية وميناء هام يقصده التجار وتؤمه 
السفن الذاهبة إلى ماري وبلاد بابل. 

ويظهر تجار من إيمار في نصوص ماري"". 

وكانت إيمار أيضا عقدة مواصلات برية هامة حيث يمر عبرها الطريق البري 
القادم من بلاد بابل وماري كركميش ووادي البليخء والطريق الذاهب جنوب غرب إلى 
قطنا" . 

من الجدير بالذكر أن إيمار كانت مدينة هامة في الألف الثالث قبل الميلادء إذ 
یرد ذکرها مرار! في نصوص إبلا. 

ارا حدر الإشارة إلى أن التجارة بين ماري و يهاضي كانت جار ةة 
فالملوك هم الذين يرسلون أو يتلقون البضائع والمنتجات المختلفةء كما يظهر من 
النصوص. أما العمليات التجارية فيقوم بها التجار المتخصصون» ولكن بتكليف من 
EE‏ 


1٤ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-٦۷‏ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ 1۹۹٩۹‏ عيد مرعي 


الهوامش 


* ألقي هذا البحث في الندوة العالمية عن حلب وطريق الحرير التي نظمتها المديرية 
العامة للاثار والمتاحف في سورية؛ حلب .۱۹۹٤‏ 
Dossin, G., Les Archives épistolaires du palais de Mari, in:‏ -1 
Syria 19 (1938), P. 117.‏ 
ARM VI 238: 14.‏ -2 
ARM IX 33:1.‏ -3 
ARM X 131, 132.‏ -4 
ARM VII! 126.‏ -5 


6- Mair, A., Der Handel zwishcen Syrian und Babylonien im 
18. Jh. V. Chr. Würzburg 1985, S. 81. . 


7- ARM XIH 65, 69, 74, 83, 85, 99. 

8- Finet, A., Le Vin û Mari, in: AFO 25 (1974-77), P. 131. 
9- ARM Xx1210: 5-9. 

10-ARM VII 238: 15. 

11-ARM VII 238: 16. 

12-ARM IX 6. 


13-ARMT IX {34, Sasson, J. M., AShetch of north syrian 
economic relations in the middle Bronze Age, in: JESHO 9 
(1966), P. 172. 


14-ARM IX 9. 

15-Mari, A., Op. Cit., s. 69 ff. 

-١١‏ مرعي» عيد» يخدون - ليم ملك ماري» وثيقة تأسيس معبد إله الشمس 
(شماش) في ماري» مجلة دراسات تاريخية» ۰۲۸-۲۷ ۱۹۸۷ء ص۳١٠‏ . 


1° 


التجارة بين ماري ويمحاض في القرن الثامن عشر قبل الميلاد 


17-Falkenstein, A., Die Inschriften Gudeas von Lagaš, 
Einleitung, Rom 1966, s. 46 ff. 


18-Mari, A., Op. Cit., s. 96. 


19-Leemans, W.F., Old Babylonian letters and economic 
history, in: JESHO 11 (1968), P. 207. 


20-Bottéro, ARMT VII {115, 117. 

21-ARM VII 86. 

22-Bottéro, Op. Cit., {177. 

23-ARM VII 87. 

24-ARM VI 88: 1-6. 

25-ARM VII 233. 

26-ARM VII 236. 

27-Dossin, G., La route de L’Étain en Mésopotamie au temps 
de Zimrilim, in: RA 64 (1970), P. 77 ff., Text A. 1270. 

۸- يرد أقدم ذكر لسومو إبوخ في وثيقة تأسيس معبد شماش إله الشمس في ماريء 

انظر مقالنا: يخدون ‏ ليم ملك ماري» ص٤١٠.‏ 


29-Dossin, G6G., Une Opposition familiale, in: Voix de 
L’Opposition en Mésopotamie, Bruxelles 1973, P. 179, Text 
A.3412. 


30-Frandena, R., Briefe aus dem Britisch Museum, Leiden 
1966, Brief Nr. 84. 


31-Mari, A, Op. Cit., s. 131 ff. 
32-İbid., s. 42. 

33-İbid., s. 153. 

34-İbid., s. 36, ff. 


1٦ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ عيد مرعي 
o‏ ورات ارپا ۔ اعاداا ا ل و ا ا = 
قائمة المراجع المختصرة: 


1- ARM = Archives Royales de Mari. 

2- JESHO-= Journal of Economic and Social History of the Orient. 
3- RA = Revue d Assyriologie et d’ Archéologie Orientale. 

4- AFO= Archive für orientforschung. 


۴٣ 8‏ مجلة دراسات تاريخية 


4 


الف البكابي-الروماني ٠‏ 


فصل من تاريخ فلسطين في الغحر الملنسن۷ی 


الدكتور محمد الزين 


جامحة د مشق . قسم الخاريخ 


مجلة دراسات تأريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون أول ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ محمد الزين 
EOD ED Ahan han‏ 


الحلف المكابي. الرؤماني 


فصل من تاريخ فلسطين ني العصر الفلنستي 


مخطط البحت: 
« مقدمة 
SE aka ST‏ 
ثانياً: يهوذا المكابي وسعيه للتحالف مع روما 
د ثالثاً: معاهدة التحالف وحقيقتها التاريخية 
أ - نص المعاهدة 
ب - المعاهدة من الناحية القانونية 
ج المعاهدة والنقد التاريخي 
ت فل وة لاهو مانا 
رابعاً: توثيق التحالف في المصادر التاريخية 
« خامساً: تاريخ المعاهدة 
» خاتمة 
ملحق بمصادر البحث ووثيقة التحالف 
الحواشي 


« أهم المصادر والمراجع والمختصرات 


۲١ 


الحلف المكابي - الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


مقد مة. 


يهدف هذا البحث إلى إلقاء الأضواء على فترة مهمة من تاريخ سورية في 
العصور الكلاسيكيةء حينما نجح المكابيون في إقامة كيان يهودي على جزء من أرض 
فلسطين عرف باسم الدولة المكابية أو الحشمونية"ء وذلك باستغلال عوامل 
الضعف والانقسام والصراعات التي مزقت البيت المالك السلوقي بعد موت 
أنطيوخوس الرابع أبيفانيس وأوهنت المملكة السلوقية من جهةء وبالاستفادة من جهة 
أخری من الدعم السياسي والمعنوي لقوة عظمى تمثلت آنذاك في الامبراطورية 
الرومانيةء التي بدأت ومنذ أوائل القرن الثاني قبل الميلاد تهيمن على مقدرات عالم 
البحر المتوسط وتبسط سيطرتها شيئًا فشيئاًء ولكن في غاية العزم والتصميم على 
ممالكه ودوله الواحدة تلو الأخرى. 

ويدور البحث في المقام الأول حول موضوع طال النقاش خوله في الأبحاث 
التاريخيةء ألا وهو تلك المعاهدةء التي عقدها يهوذا المكابي مع مجلس الشيوخ 
الروماني»ء بمختلف جوانبها التاريخية والسياسية والقانونية والتي أسست لتحالف بعيد 
المدى قام بين الطرفين بهدف إضعاف المملكة السلوقية والتعجيل بانحلالها وسقوطها. 

وقد ورد نص هذه المعاهدة في سفر المكابيين الأول الذي دون في العصر 
الهلنستي كما أن المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس» الذي عاش في عهد السيطرة 
الرومائيةت نقله لنا بصيغة معدلة في كتابه الموسوم (التاريخ اليهودي القديم)ء وجاءت 
كلتا الروايتين باللغة الإغريقيةء وهي اللغة الدولية التي سادت المنطقة في العصور 
الكلاسيكية: الهلنستية والرومائية. 

ولکن قبل البدء بدراسة المعاهدة والخوض في مسألة صحة الوثيقة التي وصلتنا 
عنها ومدى حقيقتها التاريخية: لا بد من التعرف أولاً على طبيعة السياسة الرومانية 
تجاه السلوقبين في تلك المرحلةء لأنها تشكل الخلفية التاريخية التي جعلت إقامة 


۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ 1۹۹٩‏ محمد الزين 
س 


التحالفا مكنا من الجانب الزوماني: كما بغي الت رف ايسا غلى,الطروف 
والأسباب التي دفعت يهوذا المكابي وأتباعه إلى السعي لكسب صداقة روما والتحللف 
معهاء على أمل أن تقدم لهم الدعم والحماية من أعدائهم السلوقيين. 


أوة: سياسة روما تجاه السلوقيين: 


م أن هرت روما على الساحة الساسية في القشرق الفل تي وهي تخ اول 
لخضاع لطر ةا شن الاما ولال اي روان ف ك الف ري 
رأسها سياسة "فرق تسد" (هإءم "1 اه #ه۷iاك)‏ بين الدول الهلنستية لمنعها من تشكيل 
جبهة موحدة قوية ضدها. كما لجأت أيضاً إلى تشجيع الصراعات والتناقضات فيما 
بينها وإلى دعم مختلف حركات التمرد والانفصال في تلك الممالك» بهدف إضعافها 
وجعلها لقمة سائغة أمام الأطماع الرومائية. وقد اتبعت هذه السياسة حيال السلوقيين 
وخاصة منذ انتصارها على أنطيوخوس الثالث (الكبير) وفرضها (صلح أفامية) عام 
۸٨ق.م»‏ الذي كبل المملكة السلوقية بقيود التبعية لروما وجعلها تحت رحمتها مهن 
الناحية السياسية والعسكرية. 


ولكن الامبراطورية السلوقية شهدت في عهد أنطيوخوس الرابع أبيفائيس 
Antiochos 1V Epiphanes‏ (۱۷°-ق.م)نهضة قوية في شتى المجالات تجلمت 
في حروبه الظافرة مع البطالمةء وفي الاحتفالات الكبيرة التي أقامها في دفنة 
ممphمDaء‏ ضاحية أنطاكية الشهيرةء عام ١١١ق.م‏ بمناسبة انتصاراته على البطالمة 
في الحرب السورية السادسةء والتي أظهرت قوة المملكة واستعادتها بعضا من 
أمجادها وعظمتها السابقة. وهذا ما دفع الرومان إلى انتهاج ا ا 
السلوقيين» بحيث أن روما لم تجد (أو بالأحرى لم تختلق) سببا للتدخل علانية في 
شؤونهم الداخليةء مع أن الوفود ولجان التحقيق الرومائية كانت ترسل إلى أنطاكية 
لأوهى الأسباب. 


۳ 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهملنستي" 


ولذلك فقد تلقى مجلس الشيوخ الروماني نبأ موت أنطيوخوس الرابع» الذي قضى 
في ربیع عام ٠١۳‏ ق.م أثناء حملته ضد الفرثيين» 'بسرور وارتياح كبيرين": كما 
يذكر المؤرخ أبيانوس'ء إذ كان ينظر إليه -على ما يبدو - بوصفه "ملكا يصعب قيلده 
على الرغم من تبعيته". كما أن ابنه (أنطيوخوس الخامس) الذي خلفه على العمرش 
السلوقي كان لا يزال فتى في الثامنة من عمره» وبالتالي يسهل قياده ا عن أنه لسم 
يكن الوريث المعترف له بالتاج بلا منازع. فها هو الأمير دمتريوس ›»50e ns‏ 
الذي كان يعيش رهينة في روما بموجب معاهدة أفاميةء يتقدم إلى مجلس الشيوخ 
مطالباً بعرش أبيه سلوقس الرابع (۸۷٠-١۷١ق.م)‏ والذي كان عمه أنطيوخوس 
الرابع قد استولى عليه. ولكن السناتوس رفض مطلبه العادل كمايقول المؤرخ 
بوليبيوس» الذي کان هو أيضا يعيش آنذاك رهينة في روماء لأنه» أي السناتوس "كان 
يرتاب في عزيمة دمتريوس ويخشى طموحه › ولقناعته أن خليفة أنطيوخوس الراإبع 
ووريته الذي لا حول له ولا قوة بسبب حداثة سنهء سيكون أداة طيعة لخدمة المصالح 
او 


وهكذا فقد أرسل مجلس الشيوخ وفدا برئاسة ك. أوكتافيوس (ءuںز۷ها0 )١.‏ من 
أجل 'ترتيب" الأوضاع في المملكة السلوقية وفق الرغبات اارومانية. وفور وصوله 
إلى سورية في مطلع عام ١١٠ق.م»‏ شرع أوكتافيوس بتنفيذ المهمة التي جاء من 
أجلها بمنتهى القسوة والشدة. فقام بقتل الفيلة الحربيةء أعظم أسلحة الجيش السلوقي› 
وبإحراق السفن الحربية في مدينة اللاذقيةء كما طاالب بتسريح قسم كبير من الجيش 
بحجة أن سياسة السلوقيين العسكرية خرقت بنود معاهدة أفامية. ومن الغريب أن 
الرومان ومجلس شيوخهم لم يوجهوا مثل هذا الاتهام إلى الملك أنطيوخوس الراببع 
صاحب تلك السياسةء عندما شارك وفدهم في احتفالات دفنه الآنفة الذكر وحضر 
العرض العسكري الكبير الذي أظهر قوة الجيش السلوقي بكل جلاء. ولكن من 
الواضح أنهم أرادوا استغلال الأوضاع الحرجة التي تمر بها المملكة آنذاك 


۲٤ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون اول ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ محمد الزين 
ae eee‏ 


لاخضاعها بصورة أكبر وأشد إذلالاً للنفوذ الروماني. لقد كان هذا في الواققع هو 
السبب الحقيقي ور اء مهمة او كتافيوسن وإجراءآته ضند السلوقيين". 

وتذكر الروايات التاريخية أكثر من سفارة أرسلت إلى سورية لتفقد أحوالها. وقد 
حاولت إحداها التوسط بين اليهود والسلوقيين في أثناء مباحثات السلام التي جرت بين 
لوسياس» الوصي على العرش ويهوذا المكابي. وقد حفظ لنا سفر المكابيين الثاني نص 
الرسالة الموجهة إلى اليهود من قبل الوفد الروماني والتي تقول': "من كونيتوس 
مميوس وطيطس مانليوس» رسولي الرومان إلى شعب اليهود سلام: 


ما سمح لكم به لوسياس» مستشار الملك» ومنحكم إياه أيضا وما استحسن أن يرفع 
إلى الملك» أنظروا فيه وبادروا إلى إرسال واحد منكم لنعرضه على الملك بما يوافقكم» 
لأننا ذاهبون إلى أنطاكية فعجلوا في إرسال من ترسلون» لنكون على علم بما تبتغون 
والسلام. في السنة المئة والثامنة والأربعين في الخامس عشر من شهر كسنتكس" 
فإذا صحت هذه الروايةء وهو ما يذهب إليه معظم الباحثين» فإنها تشكل دليلاً على 
أول تدخل روماني في الصراع اليهودي السلوقيء وبالتالي فإنها تعد إثباتا آخر على 
تدخل الرومان المتزايد في الشؤون الداخلية للمملكة السلوقية وكيف أنهم أرادوا 
استغلال تلك المناسبة لإظهار نفوذهم وحضورهم السياسي» وليكون لهم تأثير حاسم 
على مجرى التطورات اللاحقةء وليس من قبيل الدفاع عن اليهود ومصالحهم» كما 
يدعون. 

ومما يدل على صحة هذه الرسالة أيضاًء هو أن الرومان بوصفهم حماة البطالمةء 
كانوا على علم بالأوضاع في فلسطين وكيف آنها كانت مجال صراع بينهم وبين 
السلوقيينء ويسعون للتأثير على المسيرة السياسية في هذه المنطقة لصالحهم. لقد سبق 
وتدخلت روما قبل ذلك في الصراع السلوقي البطلمي أثناء الحرب السورية السادسة 
في حادثة الاسكندرية المشهورةء عندما أرغم المندوب الروماني بوبيليوس لايناس 


الحلف المكابي ‏ الروماني "قصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


Ls‏ i»sازمم۴.٤‏ في عام ٠١۸‏ ق.م الملك أنطيوخوس الرابع على الانسحاب من 
البطلمية(). 


وهكذا أنقذت روما دولة البطالمة من السقوط ليس من منطلق الدفاع عن دولة 
حليفة لهاء وإنما للحيلولة دون وقوعها تحت السيطرة السلوقية وبالتالي لمنع قيام قوة 
كبيرة في الشرق يمكن أن تقف سداً أمام المطامع الرومانية). 

ويظهر الموقف المخادع لمجلس الشيوخ في إثر حادثة مقتل المندوب الروماني 
أوكتافيوس» الذي أثار سلوكه المتعجرف في مدينة اللاذقية مشاعر الغضب 
والاستنكار. فقام أحد أبنائها ويدعى لبتنيس كء”إامم.] باغتياله في ملعب المدينة وسط 
تهليل الجماهيرء ولم يجرؤ الوصي لوسياس على إلقاء القبض على القاتل بسبب النقمة 
الشعبية العارمة على سياسة الإذلال الرومانيةء ولكنه بادر إلى دفن أوكتافيوس في 
احتفال لاتق وأرسل وفدا إلى روما ليعلن براءتة مما حدث. غيران مجلس الشيوخ لم 
يكلف نفسه عناء الرد على تلك الرسالةء تاركاً الأمور معلقة. فقد كانت تلك الحالة- 
كما يقول المؤرخ بوليبيوس- 'مناسبة تماما للمجاس» لأنها تتيح له التدخل واتخاذ 
الإجراء المناسب في أي وقت يشاء"'. 

وفي خلال ذلك كان دمتريوس قد نجح بمساعدة بعض الأصدقاء وعلى رأسهم 
المؤرخ بوليبيوس في الفرار من روما وفي تسلم زمام الأمور في أنطاكية والجلموس 
على عرش أبیه في خريف عام ٠١١‏ ق.م. وفي سبيل الحصول على تأييد الرومان 
واعترافهم بسيادته» أمر بإلقاء القبض على القاتل لبتنيس ومحرضه أيسوقراط 
وسوقهما إلى روما للقصاص منهما وتسوية المسألة. فما كان من مجلس الشيوخ إلا 
ان تسلم بسرور کبیر هدية الملك المؤلفة من تاج ذهبي ثمين ولكنه رفض استلام قاتل 
أوكتافيوس ومحرضه وأعادهما إلى دمتريوس ثانية مع رسالة مبهمة تقول:"إن 


۲٦ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون اول ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ محمد الزين 


دمتريوس سيحظى بصداقة الشعب الروماني» إذا ما تصرف بصورة ترضي مجلس 
الشيو غ"''. 

وهكذا يبدو الوجه الحقيقي للسناتوس من جديد» والذي كان يسعى وبكل الوسائل 
المعلنة والخفية إلى تحقيق مطامعه في السيطرة والهيمنة ويعمل بكل عزم وتصميسم 
على إثارة الفوضى في "المملكة التعيسة المنكوبة" وذلك من خلال تقديمه الدعم 
المعنوي والسياسي للثائرين والمتمردين عليها من أي نوع بعقد الاتفاقيات والمعاهدات 
معهم» من دون أن يأبه بحرمة المعاهدات المعقودة أو الحقوق الشرعية"'. 


كان يهوذا المكابي أحد أولئك الثائرين على الحكم السلوقي وعلى سياسة الهلينة 
التي بدأها أنطيوخوس الرابع في عام ٠١۷/١۸‏ ق.م على نطاق واسع»ء بتشجيع من 
الطبقات العليا اليهودية وعلى رأسها كبير الكهنة منيلارس (405اء١M)»‏ والتي كلنت 
تدعو إلى الأخذ بمظاهر الحياة الهلينية. وعلى النقيض من ذلك فإن الفئات اليهودية 
الشعبية والريفية المحافظةء التي كانت تنقم على الطبقة العليا المتهلنية استغلالها 
وتعاونها مع السلطات الحاكمةء تمسكت بدياتها وتقاليدها المتوارثة وقاومت محلولات 
السلطات السلوقية فرض العبادات والعادات الوثنية الهلينية بالقوة. وقد تزعمها كاهن 
طاعن في السن من بلدة مودئين (القريبة من اللد) يدعى متاتيا من بني حشمناي. 

ثم تولى ابنه من بعده المدعو يهوذا عام ٠١١‏ ق.م زعامة تلك الحركةء وخضاض 
حرب عصابات أصاب فيها بعض النجاح بسبب غياب الملك أنطيوخوس اثرابع ممع 
معظم جيوشه في شرقي المملكة لمحاربة الفرثين. 

وتمکن يهوذا وأتباعه من دخول أورشليم في كانون الأول عام ٠١١‏ ق.م ما عدا 
قلعتها التي اعتصمت بها الحامية السلوقية واليهود المتهلينون ‏ فأزال مظاهر العبلاة 
الوثنية وأعاد شعائر الديائة اليهودية بعد ثلاث سنوات من بدء حملة الاضطهاد. 


۷ 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


ولكن في ربيع العام التالي توفي أنطيوخوس الرابع وخلفه ابنه الصغير أنطيوخوس 
الخامس تحت وصاية وزيره لوسياس. وأرسل السلوقيون قوة كبيرة استولت على 
مناطق كثيرة وأرغمت الثائرين على الالتجاء إلى أورشليم وحاصرتهم هناك حصارا 
شديداً وكاد ينتهي أمرهم لو لم يحتدم الصراع على السلطة ووصاية العمرش وهذا 
مادفع لوسياس ومليكه الطفل إلى أن يعرضا السلام على المحاصرين والسماح لليهود 
بممارسة طقوسهم المتوارثةء والتي كان منعها السبب المباشر في اندلاع الثورة على 
الحكم السلوقي. وهكذا بدا وكأن الثورة على الاضطهاد الديني قد حققت أهدافها. وتم 
تعيين الكيموس من أسرة كهنوتية عريقة في منصب الكاهن الأكبر والذي دعا يهوذا 
وأتباعه للسلام ونبذ القتال. 

ولكن الإنقاذ جاء مجددأء عندما نشب صراع على العرش السلوقي بين أنطيوخوس 
الخامس وابن عمه دمتريوس» الذي خرج منه منتصرا. 

وعندما أرسل الملك الجديد قائده نيكانور Nika‏ على رأس قوة كبيرة للقضاء 
على الثائرين لقي هذا مصرعه وهزم جيشه»ء وأحرز يهوذا في ۱۳ آذار عام ١١١ق.م‏ 
انتصارا كبيرا رسخ زعامته بين بني قومه. واتجهت أفكاره ومشاريعه في المقام 
الأول إلى النواحي العسكرية والسياسية. لقد كان يدرك صعوبة وحرج موقفه على 
الصعيد العسكري وأنه لا قبل له بمجابهة الجيوش السلوقية إذا ماحزمت أمرها 
وقررت التصدي له بكل قوتها. كما وأنه بدأت تراوده فكرة التخلص من الحكم 
السلوقي وإنشاء دولة يهودية مستقلة. وبدا يتطلع إلى حلفاء يشدون من أزره ويكونون 
ل عونا من أحل تحفى طك الأهدات 0 

وكان من الواضح بالنسبة له أن البطالمةء جيرانه الأقربين» كانوا آنذاك عاجزين 
_ عن نصرته على السلوقيين» هذا عدا عن أنهم كانوا يسعون إلى استعادة سيادتهم على 


فلسطين وجذوب سورية من جديد. 


۲۸ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون اول ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ محمد الزين 
س SS amene aoe‏ 


ر ا و هة ن هة الف اة في لالض على عام اتر 
المتوسط, ألا وهي الرومانء الذين كان هو وأنصاره يكنون لهم أعظم التقديرء كما 
يظهر جلياً من الوصف المستفيض لأعمالهم وبطولاتهم الوارد في الاصحاح الشامن 
من سفر المكابيين الأول: 'وسمع يهوذا باسم الرومانيين نهم رجال ذوو بأس 
ويعطفون على كل من ينضم إليهم» وكل من جاءهم صادقوه. وقصت عليه حروبهم 
وماقاموا به من مآثر...من أرادوا مؤازرته وتمليكه ملكوه» ومن أرادوا خلعه 

وهكذا أرسل يهوذا وفداً إلى روما راجيا عقد صداقة فتحالف مع الرومانيين على 
أمل أن يساعدوه في التخلص من نير الحكم السلوقي: 

ن 
ToD ?@apal Tov éuyOov ar CUTOV‏ 

وقد ترأس ذلك الوفد اثنان من أنصاره وهما: إيبوليموس بن يوحنا وياسون بن 
العازرء وكلاهما ينتميان إلى أسرتين كهنوتيتين عريقتين» على الرغم من أنهما 
بخن لفن اغ ن رها فهر مدي فلل اقا ال فن ا ا اة 
العليا اليهودية. ومن المؤكد أن ذينك السفيرين» اللذين كانا يجيدان اللغة الإغريقيةء قد 
أشادا بانتصارات زعيمهم على السلوقيين» كما أثنيا على جهود الوفد الرومانيء الذي 
سبقت الإشارة إليه“'ء ودوره في المباحثات مع وصي العرش السلوقي لوسياس» 
والتي أدت إلى إيقاف الاضطهاد والسماح بحرية ممارسة العبادة اليهودية وأخيرا 
خلصا إلى القول: 


"ننا مرسلان إليكم من قبل يهوذا المكابي وأخوته وجمهور اليهود لنعقد معكم عهد 
تحالف وسلام» ولتجعلونا في عداد حلفائكم وأصدقائكم." 


ovuuagi'av Ka'i Ee" ipn'’vnv 


۲۹ 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


وقد وجدا آذاناً صاغية لدى مجلس الشيوخ الرومانيء الذي رحب بهم وأظهر 
تعاطفه مع قضيتهم ومساعيهم. ولا غرابة في هذا الموقف أبداً. فقد كان الرومان على 
أتم الاستعداد دائماً لدعم أية محاولة انفصالية وخروج على السلطة المركزية لأنها 
ستوؤدي في نهاية الأمر بالمملكة السلوقية إلى مزيد من الثفكك والانحلالء وبالتالي إلى 
إحكام القبضة الرومانية عليها. كما أن المجلس رأى في مسعى الوفد اليهودي فرصت ه 
للانتقام من الملك دمتريوس» الذي خرج على الإرادة الرومانية وتقلد التاج السلوقي 
بدون موافقة روما ومبارکتها. هذا عدا عن أن دمتريوس کان قد تخلص من ابن عم4ه 
الملك الطفل أنطيوخوس الخامس» الذي سبق لمجلس الشيوخ أن منحه دعمه ورعايته 
لبتخذ منه وسيلة سهلة لتحقيق مآربهء "لأن ضعفه يمكن أن يعود بأكبر الفوائد" على 
الرومان. ويؤكد ذلك كتاب السناتوس إلى دمتريوس» الذي يرد في آخر وثيقة التحالف 
مباشرة وفيه يلوم الرومان الملك السلوقي لأنه وضع النير على رقاب "أصدقائهم 
وحلفائهم اليهود": 

...TO'UG QVAOUG T'HTV TOVU'G  OUHHO'XOUG ‘IOoVöVOUG 

كما یهددونه بالحرب بحرا وبرا في حال ورود شكوى يهودية جديدة ضده*'. 

يضاف إلى كل ذلك أن استجابة المجلس لرغبات يهوذا وأتباعه لن تكلف روما 
شيئ سوى إعطاء اليهود وعوداً جوفاءء لأنه لم يكن في نيته أن يمنحهم أكثر من 
مجرد کلمات لا غير . 

وخير شاهد يصور السياسة الرومانية في تلك المرحلة ماورد على لسان المؤرخ 
جوستين» الذي يدين بصراحة تلك السياسة التي تتكرم على حساب الآخرين»ء حيث 
يقول("): 


ألا يذكرنا هذا الأمر بوعد بلفور لاحقا: انكلترة التي لا تملك تتبرع لطرف ثان (الصهاينة) بأملاك 
طرف ثالث (الفسطينيين الغرب) أصحاب الأرض الشرعيين؟!!.... رئاسة التحرير 


e 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ _ کانون الثاني ۔ حریران ۔ ٠۱۹۹۹‏ محمد الزين 


'كانوا (أي اليهود) قد انفصلوا عن دمتريوس» وكانوا أول من نال حريته من جميع 
الشرقيينء بعد أن نالوا صداقة الرومانء وهكذا فقد كان من السهل على الرومان أن 
هدوا لاء من اماك ال 
ثالثاً: محاهدة التحالف وحقيقتها التاريخية: 
أ- نص المعاهدة: 

لقد حفظ سفر المكابيين الأول في إصحاحه الثامن نص المعاهدة التي عقدها يهوذا 
المكابي مع الرومان» والتي دونت على ألواح نحاسية وأرسلت إلى أورشليم لتكون 
تذكار سلام وتحالف بين الطرفين وهذذه كلماتها بعد المقدمة (الفقرات ۲۳ :)٠٠‏ 

"الفلاح للرومان ولشعب اليهود في البحر والبر إلى الأبدء وليكن السيف والعدو في 
منأی عنهم: 

اما قات خرب فی روما ولا او لدی آئ من :حلفائها على کل اماد ماتيا 
فإن شعب اليهود يحارب معهم بكل عزم حسب ماتقتضيه الظروف ولن يعطى 
المعتدون ولن يقدم لهم قمح ولا سلاح ولا فضة ولا سفن. هكذا حسن لدى الرومان» 
ويحافظون على التزاماتهم من دون أن يأخذوا شيئا. 

وبالمقابل فإن وقعت لشعب اليهود حرب أولاً: فإن الرومان يحاربون معهم بكلل 
عزمهم كما تقتضيه الظروف ولن يعطى المعتدون قمحا ولا سلاحاً ولا فضة ولا سفناً 
هكذا حسن لدى الرومانء ويحافظون على التزاماتهم بلا غش. 

على هذه الشروط عاهد الرومان شعب اليهود. وإذا أراد هؤلاء أو أولئك أن 
يضيفوا أو يسقطوا شيئا بعد هذا الكلام» فإنهم سيفعلون ذلك برضاهم وكل مازادوه أو 
اق ر او 

کما ورد نص هذه المعاهدة ولكن مع بعض الاختصار والتعديل في الشكل 
والصياغة لدى المؤرخ فلافينوس يوسيفوس» الذي يرويها بلغة إغريقية سليمة في 


9 


۳١ 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


"قرار مجلس الشيوخ حول التحالف والصداقة مع شعب اليهود: 

لا يسمح لأي تابع للرومان أن يشن حربا على شعب اليهود ولا أن يدعم أولئك 
الذين يقومون بذلك بالحبوب والسفن والمال. 

وإذا ماهوجم اليهود فعلى الرومان أن يقدموا لهم كل مساعدة ممكنة» كما أن علسى 
لود ابا ان برا لي كل ماع نة كنا أن على الود أببتا أن قرا 
المساعدة اذا ما هوجم الرومان. 

وإذا ما أراد شعب اليهود أن يضيف إلى هذه المعاهدة أو يلغي منها بعض البنود 
فلا يكون هذا إلا بموافقة الشعب الروماني وتكون الإضافات سارية المفعول كالمعاهدة 
السابقة"*'. 
ب- المعاهدة من الناحية القانونية: ٤‏ 

أثار موضوع التحالف بين يهوذا المكابي والرومان نقاشا واسسعا في الأبحاث 
والدراسات التاريخية انصب في المقام الأول على أمرين أساسيين وهما: 

-١‏ هل كان هناك تحالف يهودي روماني وهل تكلل بعقد معاهدة بين الطرفين أم 

ك 
-٣‏ هل وثيقة التحالف التي وصلتنا في سفر المكابيين الأول وثيقة صحيحة وأصلية 
أو أنها مدسوسة ومزورة؟ 

وقد اختلفت آراء المؤرخين بشأن هاتين المسألتين اخثلافا كبيرا. 

فبينما يرى معظم الباحثين أن وثيقة المعاهدة حقيقية وسليمة من الناحية التاريخية 
والدستورية» نفى البعض صحة المعاهدة إلى حد القول بأنه "لم يكن هناك أية وثيقة 
تدل على وجود علاقة صداقة بين اليهود والرومان طيلة العهد السلوقي"'(١۱٠).‏ 


۳۲ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ 1 محمد الزين 
ی ی اا 


ولكنٌ قبل استعراض الآراء المختلفة بهذا الشأن» ينبغفي أولا توضيح الطابع 
الحقوقي والقانوني للمعاهدة من الجانب الروماني والذي كان من أشد الانتقادات التي 
أثارت الشكوك حول التحالف والوثيقة التاريخية التي وصلتنا عنه» بدعوى أن مجلسس 
الشيوخ لم يكن يملك الحق القانوني بعقد معاهدات دولية. 

ويعود الفضل في توضيح هذه المسألة وحسمها إلى المؤرخ (القانوني) أوجين 
تویبلر (e۲ااu‏ ة٣‏ .8) الذي بحث موضوع المعاهدات الدولية التي عقدها الرومان من 
جمیع جوانبها وبين طبيعتها وأنواعها المختلفة. وأثبت بما لا يقبل الشك أن مجلس 
الشيوخ كان يملك الحق وصلاحية عقد التحالفات والمعاهدات ممع الدول والمدن 
و الشعوب المختلفةء مدلا على ذلك بمجموعة من وثائق الأحلاف الرومانية والتي تم 
تصديقها من قبل مجلس الشيوخ فقطء من دون أن تعرض على الجمعيات الشعبية 
الرومانية للموافقة عليها وتصديقهاا'". 

الد ف ا ا 
نموذجياً لتحالف جرى إقراره من قبل مجلس الشيوخ الروماني فقطء وذلك بصيغة 
"قر ار nسناٹوري" .(Senatus Consultum)‏ 


وقد وضح توبيلر طبيعة مثل هذه المعاهدات والأسباب الداعية إليها على النحو 
التالي: "قد يكون في مصلحة الدولة الرومانية أن تعقد معاهدة بهذه الصيغة القائونية 
غير الملزمة تماما في الحقيقة والتي تجعل التدخل في أوضاع دولة صديقه أمرا غير 
ضروري مثلما تجعله بالمقابل وبالقدر ذاته ممكناً. وفي هذه الحالة لم يكن مجلس 
الشيوخ يدفع بالمعاهدة إلى الشعب للموافقة عليها وإنما كان يتخذ بنفسه القرار 
النهائي"'". 


وهكذا تمكن توبيلر من خلال تحليله وثيقة التحالف اليهودي الروماني ووثائق 
أخرى مشابهة لها في تفنيد نظرية المؤرخ الکبیر ثیودور مومسن M0" 5e”(‏ .۳۸)» 


ا م٠‏ مجلة دراسات تاريخية 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


السائدة آنذاك في الأبحاث التاريخية والحقوقيةء والتي تقول أن مجلس الشيوخ قد حل 
المعاهدات» ولكن ذلك لم يكن قبل عهد سولا (۷۲۹-۸۲ ق.م)» عندمها بدأ مجلس 
الشيوخ يتدخل في حقوق المجالس الشعبية وأصبحت موافقته كافية بحد ذاتها"'. 
وتوصل تويبلر إلى النظرية الحقوقية السائدة اليوم والتي تؤكد أن مجلس الشيوخ 
والشعب الروماني كانا يعملان منذ البداية إلى جانب بعضهما وتربطهما علاقات 
مستقرة وواضحة فيما يتعلق باختلاف الصلاحيات. وهكذا فقد كان الشعب يصادق 
على المعاهدة بوصفها قانونا )1٥×(‏ على حين أن مجلس الشيوخ كان يصادق عليها 
بوصفها قرارا وإجراء إدارياً (»اادومه). وكان من الممكن في حالة القانون 
فقطء ولكن ليس في حالة القرارء أن يشفع بقسم يلزم الشعب الروماني بالمعاهدة 
المبرمة. 


ج- المعاهدة والنقد التاريخي: 


لقد أبدى خصوم"المعاهدة تحفظاً شديدا حيال صحة المعاهدة وحقيقتها التاريخية» 
وساقوا لتعليل شكوكهم العديد من الحجج ذات الطبيعة القانونية والسياسية والتاريخية» 
بل وحتى اللغوية. ولكن المعاهدة وجدت أنصاراً ومدافعين من كبار الباحثين 
والمؤرخين (وعلی رأسهم أوجین توبیلر ومیل شورر وإدورد ماير والياس بيكرمان) 
تمكنوا بدراستهم التاريخية وحججهم العلمية من إثبات صحة المعاهدة وإخراجها من 
دائرة الشكوك التي رسمت حولها. 

فهذا إميل شورر يقول مؤكدا بهذا الخصوص: "إن رواية سفر المكابيين الأول عن 
الصلات بين يهوذا والرومان تنسجم انسجاماً تاماً مع الموقف التاريخي إلى درجة أنه 
لا يوجد أي سبب للشك فيها"". 


٤ 


٭حلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون أول ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ محمد الزين 


بالمقابل فإن فيلريش ينكر وجود أية علاقات دبلوماسية بين اليهود والرومان في 
ذلك الوقت (أي في زمن يهوذا المكابي)ء معتمدا في رأيه هذا على ملاحظة وردت 
عند المؤرخ يوسيفوس (6 ,10 ,1۷× )A٠٤. [u4.‏ في أثاء حديثشه عن إجراءات 
يوليوس قيصر في فلسطين عام ٤١‏ ق.م» تتعلق بادعاء اليهود أماممه بأنهم كانوا 
يسيطرون على مدينة يافا منذ أن عقدوا مع الرومان معاهدة صداقة. 

ويستنتج من هذا الادعاء أن وثيقة المعاهدةء التي لا يشك في صحتهاء إنما كانت 
في زمن الملك أرسطبول الأول من الأسرة الحشمونية الذي کان یدعی أیضاً یهوذا") 
ولكن هل يمكن للمؤرخ أن يستخلص حقائق تاريخية مطلقة في مثل هذه الأهمية بمثلى 
هذا النوع من الأدلةء خاصة وأن الأمر يتعلق بادعاءات عامة غير دقيقة هدفها 
الحصول على مكاسب مادية. ثم أن الملك المذكور لم يحكم سوى سنة واحدة فققط 
٠١١ -٠١٠١(‏ ق.م) مما يجعل تحالفه مع الرومان أمرأً لا يمكن التفكير فيه. 

أما المؤرخ نيزه (6هN)‏ فيتخذ موقفاً وسطاً: إذ أنه ينفي صحة وثيقة التحصالف» 
لكنه لا ينكر قيام التحالف بحد ذاته. 

فالوثبقة ‏ في رأيه ‏ ليست صحيحة بأي حال من الأحوال» وإنما هي من صنع 
مؤلف سفر المكابيين الأولء كما أن الرواية بأكملها ليست جديرة بمصداقيية كبيرة 
ء ذلك لبلاغتها المصطنعة والمزوقة والمتكلفة ولكن الأمر على العكس من هذا 
تماما فقد دونت الوثيقة بنحو عشر جمل تعبر عن بنود المعاهدة وشروطها بصورة 
موضوعیه. 

ثم أنه غير جائز من الناحية المنهجية إسقاط حكم على وثيقة خضعت لترجمة 
مزدوجة إنطلاقا من لغتها والتعابير الواردة فيها. 

ويرى نيزة أن اليهود قد سعوا في روما إلى عقد معاهدةء ولكنهم في حقيقة الأممر 
لم يحصلوا إلا على قرار من مجلس الشيوخ يعترف بهم على أنهم مجبرد أصدقاء 


الحلف المكابي - الروماني "قصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


لروما ليس إلاء وذلك لأن مجلس الشيوخ لم يكن من حقه عقد التحالفات والمعاهدات 
ولكن هذا الافتراض» الذي يعتمد على نظرية موسن» يصبح غير ذي جدوى بمزيد 
من النقاش تجاه نظرية ونل الأنفة الذكر و المذخمة بالأدلة والشواهد القاريخية: 

وهناك حجة أخرى سيقت ضد صحة المعاهدة ومفادها أن اليهود كانوا من الناحية 
القانونية من رعايا الحلفاء السلوقيين» الذين كانت ترتبط مملكتهم بمعاهدة ثابتة معروفة 
مع الشعب الروماني» ألا وهي معاهدة أفامية التي عقدذت عام ۱۸۸ ق.م مغ 
أنطيوخوس الثالث الكبير . ولكن تحالف الرومان مع السلوقيين لم يكن ينتقل تلقائيا سنن 
ملك إلى آخر. وكما مر آنفاً فقد توجب على أنطيوخوس الخامس وكذلك دمتريوس 
الحصول على اعتراف روما ولم ينل الأخير هذا الاعتراف إلا في عام ١٠٠ق.م»‏ أي 
بعد عام على الأقل من عقد المعاهدة المكابية - الرومانيةء وتم ذلك أيضا بصيغة 
مبهمة تحتمل كل أوجه التأويل. أما قبل ذلك التاريخء فكانت روما مطلقة اليدين مسن 
الناحية القانونية البحتة. ولكن مجلس الشيوخ لم يتورع من جهة أخرى من أن يمد يده 
إلى أحد الثائرین على السلوقیین من أمثال یتمارخوس (۰۶ ۲۰۲1۲ ۵٣٠٣)ء‏ الذي كان واليا 

ميدية وبابل واستغل الصراع الذي قام آنذاك حول العرش السلوقي ليعلن نفسه 

ملكا على السترابيات العليا. ثم أرسل أخاه إلى روما محملاً بالهدايا الثمينةء التي تمكن 
بواسطتها من الحصول أو بالأحرى شراء اعتراف مجلس الشيوخ الروماني بحكمه. 

ولقد تابع هذا المجلس سياسة المكر والخديعة والتآمر على العرش السلوقي حتسى 
بعد اعترافه بالملك دمتريوس» إذ ما كاد يظهر أحد أدعياء العمرش وهو المدعو 
اسكندر بالاس» الذي أدعى أنه ابن أنطيوخوس الرابعء ويتقدم إلى الرومسان راجيا 
الدعم والمناصرة» حتى حصل من مجلس الشيوخ على كتاب توصية يسمح له بالعودة 
إلى سورية لاسترداد عرش أبيه المزعوم من الملك الحاكم المعترف به من قبل روما 
ألا وهو دمتريوس. 


۳٦ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-٦۷‏ ۔ کانون اول ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹٩۹‏ محمد الزين 
bika‏ 


فلماذا يُنتَظّر من مجلس الشيوخ أن يتصرف غير ذلك في حالة يهوذا المكابي وأن 
يضن عليه بدعمه ومباركته لأنه من رعايا السلوقيين» أبعد كل هذا يمكن الادعاء بأن 
السياسة الرومانية كانت تلتزم بالنواحي القانونية والعهود التي تقطعها على نفسها فسي 
تعاملها مع الحلفاء المستضعفين؟ كما أن هناك حجة أخرى يستعين بها خصوم 
المعاهدة والتي تقول أنها بقيت بلا عواقب سياسية أو عسكرية وأن الرومان تخلوا عن 
حلفائهم واعترفوا بدمتريوس بعد قيامه بإخماد الثورة المكابية. ويمكن الرد على هذا 
الاعتراض بسهولة: فعدا عن أن الرومان لم يفكروا أبداً ومنذ البداية في أن يساعدوا 
اليهود بصورة فعلية ويتدخلوا عسكريا لإنقاذهم» فقد كان باستطاعتهم أن يتذرعوا في 
أي وقت بشرط ورد في نص هذه المعاهدة والذي يقول أن تقديم المساعدة مستروك 
مره للظروف"': 


< > > < 
0G aV agGTtOUG O Kavp’ogG GROYPCO'T 


لقد أثبت دمتريوس-وكما كان يخشى الرومان- أنه ملك مقتدر وقوي العزيمة حقا: 
ا ترك وة اول که ر کون في لى تمر دة واناد رة اة 
على أقاليمها الشرقية. ثم عاد إلى أنطاكية وأرسل جيشه بقيادة بكخيدس على وجه 
السرعة في حملة خاطفة ضد يهوذا وأتباعه تمكنت من القضاء عليهم وقبل أن يفكر 
الرومان في اتخاذ أي إجراء لنصرة حليفهم "المزعوم'» هذا إذا ما كانوا يريدون ذلك 
ڪا وهو أمر بعيد الاحتمال. 

لقد تركت روما كل أولئك الذين احتموا بها لمصيرهم المحتوم» "حالما سارت 
الأمور بشكل مغاير لما كان قد أمر به مجلس الشيوغ*“. 


د- تحليل وثيقة المعاهدة وخصائصها: 
لقد قورنت المعاهدة المكابية- الرومانية مع معاهدة صداقة مشابهة عقدتها روما 
مع جزيرة استيبالايه الصغيرة الواقعة في بحر إيجة عام ٠٠١‏ ق.م» والتي وصلنا 


۲۷ 


الحلف المكابي - الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


نصها الأصلي كوبا على أحد النقوش وهي تعر ڊmlمa Foedus Astypalaion‏ 
وجاءت على صيغة قرار أصدره مجلس الشيوع". 

وأهم وجه الشبه بين المعاهدتين هي أنهما: 

.Senatus Consultum جاءتا بصيغة قرار لمجلس الشيوخ الروماني‎ ¬١ 

- تمثلان معاهدة متكافئة بالتز امات متبادلة uumعه ۴0e us‏ . 

وتبين من خلال المقارنة أن المعاهدة اليهودية- الرومانية ثمثل بمحتواها أيضاً 
امعاهدة متكافة وكالحة قانو ت" 


ويظهر في معاهدة استيبالايه اسما القنصلين في المقدمة التي تسبق قرار 
السناتوس. ومن المؤكد أن مثل هذه المقدمة كانت في حوزة مؤلف سفر المكابين 
الأول والفقرات )۲۲-٠۷(‏ تعود إليها بلا أدنى شك. 

وتذكر الفقرة )١١(‏ أن هناك قنصلا يقوؤد الدولة وأن مجلس الشيوخ يتألف من 
Y۰‏ ا وهكذا فإن المعاهدة لم يكن ينقصها المعلومات التي ترد عادة عن أسماء 
الحكام ومكان ويوم المباحثات. 


ویری تویبلر في هاتين المعاهدتين متالين جيدين لمعاهدة متكافئةء والتي تدعی في 
الحقوق الرومانية ”عه ۴٥٥۵ us‏ حيث يلتزم كلا الطرفين بالشروط والواجبات 
ذاتها. وفي معاهدتنا ترد أولا واجبات اليهود حيال الرومان ثم تتلوها التزامات 
الرومان تجاههم. 


< 
ومما هو جدير بالملاحظة أن عبارة ٥۵>‏ 806۶۷ 5 الاعتراضية 
نتكرر مرتين في وثيقة المعاهدة (في الفقرتين )۲۸-٣١‏ والتي ليست سوى ترجمة 
لكلمة ١إعسومعء‏ اللاتينية التي تأتي عادة في نهاية قرارات مجلس الشيوخ. وهذه 
الجملة هي حتماً بمثابة تصديق من السناتوس على الالتزامات المتبادلة فى المعاهدة. 


۲۸ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون أول ۔- حزیران ۔ 1۹۹۹٩‏ محمد الزين 


وكل هذا يؤكد أن التحالف مع يهوذا المكابي قد تم إقراره في مجلس الشيوخ فقط 
واتخذ شكل رسالة موجهة من السناتوس إلى اليهود(١٠).‏ 

وهذه الصيغة معلومة أصلية حسب تويبلر وهي تؤكد صحة وثيقة المعاهدة 
وطبيعتها الوثائقية على أحسن وجه. كما أن غياب أية إشارة إلى قسم المعاهدة يؤكد 
أيضاً طبيعة هذه المعاهدة الوثائقية بوصفها "قراراً سناتورياً لأن "إعطاء القسم لا 
يكون إلا على المعاهدة ذات الصبغة القانونية الكاملة"والملزمة للشعب الروماني» الذي 
يقسم على الحفاظ عليها('". 

وأخيرا ينبغي التأكيد على حقيقة هامة ألا وهي أن نص وثيقة المعاهدة قد عانى 
الكثير من خلال الترجمة المزدوجة التي مر بها: أولا من الإغريقية- لغغفة الوثيقة 
الأصلية- إلى اللغة العبرية (اللغة المفترضة لسفر المكابيين الأول). 

ثم من العبرية إلى الإغريقية مرة أخرى عند ترجمة هذا السفر إلى اللغفة 
الإغريقية. 

وها فان نض الوفقة فق قرا كر ا من وضو ةو دقة تاو اة وقد ا 
كان مدعاة -في السابق- إلى إنكار حقيقة المعاهدة وإلى التقليل من قيمتها الوثائقية 


لدى بعض الباحثين. 
رابعا: توثيق التحالف في المصادر التاريخية: 


لقد وصلنا مجموعة من الروايات والشواهد التاريخية التي توثق على أفضل وجه 
التحالف المكابي- الروماني وتؤكد حقيقته. 


-١‏ يتحدث الأصحاح الثاني عشر من سفر المكابيين الأول (الفقرات )٣-١‏ عن 
يوناتانء الذي خلف أخاه يهوذا في قيادة الحركة المكابية (١٠٠-١٤١ق.م)‏ 


۳۹ 


الحلف المكابي _ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


۴ 


وعلاقاته بروما وأسبرطة وكيف أنه أرسل رجالا إلى روما من أجل تجديد 
المعاهدة المعقودة سابقاً: 

"أننا مرسلون من قبل يوناتان عظيم الكهنة وشعب اليهود لنجدد ما بينكم وبينهم 
من المصادقة والتحالف» كما كان من قبل". 

وهكذا فإن هذه الفقرة تتحدث بصورة لا لبس فيها عن تجديد تحالف كان قائ ا 
قبل عهد يوناتان» أي أنه يعود بلاشك إلى يهوذا المكابي. 

كما جاء في الإصحاح الرابع عشر أن سمعان» الذي تولى زمام الأمور بعد 
وفاة أخیه یوناتان» ٠١٤ ١ ٤۳(‏ ق.م) بعث برسوله نومانيوس إلى الرومان 
ليقر التحالف بينه وبينهم فكتبوا إليه يجددون معه ما كانوا قد عقدوه مع يهوذا 
ويوناتان أخويه من المصادقة والتحالف. 

ثم نقراً في الإصحاح الخامس عشر عن عودة رسل سمعان من روما يحملون 
كتباً إلى الملوك والبلاد تتضمن تجديد التحالف على لسان القنصل لوقيوس: 
"لقد أتانا رسل اليهود أصدقائنا وأنصارنا يجدون قديم الصداقة والتحمسالف..." 
١(‏ مك |۱١‏ ۱۷). 

وهكذا فإن سفر المكابيين الأول» الذي ندين له بوثيقة التحالف ومقدماتها 
وظروفها التاريخيةء يذكر في ثلاثة إصحاحات أخرى تجديد المعاهدة المعقودة 
مع يهوذا المكابي مرتين: الأولى في عهد يوناتان والثانية في عهد سمعان. 
ومن المعروف أن تجديد المعاهدات كان من ميزات ذلك العصر. 

بالصدفة وبصورة عفوية إلى سفارة تقلدها إيبوليموس ابن يوحنا أرسلت إلى 


مجلة دراسات تأريخية - العددان ۷اا ا0ا دلو ي ر “= 


مجلة دراسات تاريخية - العددان 1۸-1۷ - كانون الثاني ۔ حزيران - ٠۹۹٩‏ محمد الزين 


الرومانيين ليس بدافع الصداقة فحسب»› وإنما من أجل عقد صداقة وتحالف مع 
الرومان (۲ مك :)١١ /٤‏ ۰ 


QUALDO'G X@U’ GUHHOX1AG po’ TOLG “POHOLOG 


وایبولیموس هذا هو أحد السفيرين اللذين أرسلهما يهوذا إلى روما من أجل 
۳- كما أن المؤرخ فلافيوس يوسيفوس يشير إلى هذه الصداقة والتحالف في 
الكتاب الأول من تاريخ الحرب اليهودية قائلاً إن يهوذا كان "أول من عقد 
معاهدة صداقة مع الرومان": 
rpoçg “popuav'oc TPOTOG "EROL OOTO  QIALAOV‏ 
كما يذكر أيضاً أن أخاه يوناتان دعم حكمه بصداقته مع الرومان.' 
-٤‏ ويشير المؤرخ جوستين (9 ,3 ,۷1××) إلى الصداقة والتحالف بين اليهود 
والرومان أثناء حديثه عن السياسة الرومانية: 
Judaei ... amicitia Romanorum petita‏ 
0~ الکرا ب الفضل للمؤرخ نيزة في اکتشافه مصدر TCE‏ 
أقوى الأدلة على التحالف المكابي - الروماني والذي يتمشل في حوليات 
القناصل الرومان التي استطاع بالاعتماد عليها أن يثبت أن وفداً يهودياً كان 
بالفعل في روما في عام ۱١۱‏ ق.م"". 
کما استطاع أن يثبت أن القنصل الذي أعطى الوفد اليهودي رسالة توصية إلى 
جزيرة قوص - الواقعة في بحر إيجة ‏ من أجل السماح لليهود العائدين بالمرور في 
أراضيهاء والتي یذکر ها يوسیفوس في سياق تاريخي آخر ,1۷× . A۸٤. [ud‏ ,.08[) 


٤١ 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي"” 


.G. Fannius C. f (ilius) Strabo 
وهکذاء فإنه بعد هذه الدراسة النقدية للوثيقة والشواهد والأدلة التي تدعمها وعرض‎ 
الآراء والنظريات المختلفة التي نشأت حولهاء يمكن القول أن المزايا الوثائقية للمعاهدة‎ 
وكذلك أيضاً طبيعتها الدستورية والقانونية تتضافر مع المعطيات التاريخية والأدبية.‎ 
لتبرهن بمجموعها بأننا أمام معاهدة تحالف صحيحة وثابتة تاريخياً وإن كانت قد‎ 
كما أن وثيقة المعاهدة أ صلية بلا شك أو أنها كانت كذلك على الأقل عندما وصلت‎ 
مؤلف سفر المكابيين الأول قبل أن يعاني نصها من عواقب الترجمة المزدوجةا”".‎ 
خامسا: تاريخ المعاهدة.‎ 
معاهدة التحالف المكابي  الروماني والذي ينحصر في بحر الأعوام الثلاثة الفاصلة‎ 
٠٠١ ق.م ومقتل يهوذا المكابي في علم‎ ٠١١ بين موت الملك أنطيوخوس الرابع عام‎ 
ق-م‎ 

إن من يتابع سير الأحداث وتسلسلها الزمني في سفر المكابيين الأولء يستطيع أن 
يستنتج بسهولة ويسر أن الحدث الحاسم الذي دفع يهوذا للاتصال بالرومان والسعي 
إلى طلب صداقتهم ومحالفتهم إنما كان انتصاره على القائد السلوقي نيكانور 
۳ال وجیشه في ۳ آذار عام ٠١١‏ ق.م» وخشيته من انتقام الملك دمتريوس 
الذي بدأ يلوح في الأفق. وبالتالي فإن انطلاق رسل يهوذا إلى روما لا بد وأنه جرى 
بعد ذلك الحدث؛ فإن لم يكن بعد الثالث عشر من آذار فإنه تم على الأرجح بعده بوقت 


قصير» لان دمتريوس بدأ باستعدادات حربية كبيرة من أجل توجيه ضربة حاسمة ضد 


A 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ خد الزين 


الثائرين وذلك بعد وصول أنباء هزيمة قائده إلى أنطاكية. وهذا ما أدخل الرعب في 
قلوب يهوذا وأتباعه ودفعهم للإسراع في إرسال الوفدء الذي أبحر إلى روما في أواخر 
ربيع عام ٠١١‏ ق.م على أبعد تقدير. لقد كان التفكير بالسفر عن طريق البر أمرا غير 
ممكن البتة في تلك الظروف لأنه سيمر بالأراضي السلوقيةء وبما أن الرحلة البحرية 
من فلسطين إلى روما وإيطالية تحتاج إلى عدة شهور في تلك الأيام» فإن السفراء لم 
يضلوا إلى روما قبل بداية فصل الخريف» وبالتالي فمن المؤكد أن معاهدة التحالف قد 
عقدت في خریف غام ۱١۱‏ ق.ے". 

وهذا ما تؤكده أيضا رسالة التوصية الآنفة الذكر التي أعطيت للوفد اليهودي العائد 
من روماء من قبل غايوس فانيوس قنصل عام ٠١١‏ ق.م» والتي يذكرها المؤرخ 
يوسيقوس وتجد سنداً لها في حوليات القناصل الرومان. 


خاتهه: 

وهكذا فإن هذه الدراسة توصلت إلى نتيجة مفادها أن حالة الضعف والتمزق التي 
تعاني منها الدولة السلوقية على الصعيد الداخلي خاصة بعد موت أنطيوخوس الرابع 
إبيفانيس _ بالأضافة إلى التهديدات والضغوط الخارجية المتعاظمة والمتمظة بالدولة 
الفرثية من جهة الشرق وبالبطالمةء الأعداء التقليديين» والرومان القوة الكبرى 
الصاعدة من جهة الغرب» بحيث أنها كانت واقعة بين فكي كماشة تضغط عليها 
وتستهلك طاقاتها وقدراتها العسكرية وتستغرق مواردها المالية والاقتصادية. كل هذه 
العوامل مهدت الأجواء وساعدت على ظهور حركات تمرد ونزعات انفصالية متعددة 
الأشكال والتوجهات والأهداف» وكان منها الحركة المكابيةء التي نشت في البداية 
كردة فعل للأوساط الريفية الشعبية المتدينة على إجراءات الهلينة الوثنية والتي كانت 
N N SEN UES L E E‏ 
مع الحكم السلوقي وأداته الطيعة في نشر سياسة الهلينة. 


۳ 


الحلف المكابي _ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


لقد حاول يهوذا المكابي الاستفاهة من الظروف السياسية التي كانت تمر بها 
المملكة السلوقيةء مثلما أيضا من سياسة الرومان الاستعمارية ومطامعهم في المنطقة. 

وهکذا قرر إرسال وفد إلى روما راجيا مجلس شيوخها المساعدة والصداقة. وتم 
عقد معاهدة أسست لتحالف سياسي بين اليهود والرومان» الذين رأوافي ثورة 
المكابيين وسيلة لإضعاف المملكة السلوقية والقضاء عليها في نهاية المطاف. هذا 
بالنسبة للظروف والأهداف السياسية التي أدت لقيام التحالف اليهودي _الروماني. 

أما فيما يتعلق بالشكل القانوني والدستوري لمعاهدة التحالف فإنه جاء بصورة قرار 
لمجلس الشيوخ الرومانيء الذي كان يتمتع بحق عقد المعاهدات والأحلاف مع سائر 
الدول والقوى الخارجية. 

ویبقی أخيرأ مسألة صحة الوثيقة وبالتالي نص المعاهدة التي حفظها سفر المكابيين 
الأول الموضوع أصلا بالعبرية(*) والتي خضعت لترجمة مزدوجة فعائنت بعمض 
الشيء في الشكل والصياغة من دون أن تفقد قيمتها الوثائقية. 
TT‏ ا الأساسية في وثيقة ثيقة المعاهدة التي کا 
۱ ق.م. 


٤ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون أول ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹٩‏ محمد الزين 
r‏ 


ماحق 
بمصادر البحث ووفيقة التحالف 


أً- مصادر البحث: 


يعد سفر المكابيين الأول والثاني من المصادر التاريخية المهمة التي تؤرخ 
لفلسطين في العصر الهلبنسي وقد وصلانا باللغة الإغريقيية في نطاق الترجمة 
السبعينية للعهد القديم (4٤١1عuaامءS).‏ 

وجاء اسم هذين السفرين (”8 ٥٠,‏ ۷ه'زه8:»))ه۷) مثل بقية الأسفار الأربعة 
المعروفة بهذا الاسم من لقب يهوذا المكابيء اللذين يرويان أعماله وتدابیره ضد 
السلوقيين. 

وينسب سفر المكابيين الأول إلى مؤلف يهودي مجهول الهوية دونه - كما يعتقد 
في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد. ويرى معظم الباحثين أنه كتب أصلا بالعبرية 
على الأرجح وذلك بالاعتماد على ما جاء في أحد شروح القديس هيرنيموس والذي 


والذي يقول: 
"لقد وجدت سفر المكابيين الأول بالعبريةء وأما السفر الثاني فبالإغريقيةء وهذا م. 
يمكن للمرء أن يتبينه من عباراته ذاتها: 


Macchabacorum primum librum hebraicum reperi, secundus graecus est, 
quod ex ipsa phrasi probari potest”. 


وفي كل الأحوال فإن الأصل العبري المفترض مفقود ولا يوجد سوى ترجمته 
الإغريقية وهي عريقة في القدم» لأن المؤرخ يوسيفوس» الذي عاش في القرن الأول 
الميلادي» اعتمد عليها في كتابة "تاريخ اليهود القديم" واقتبس فقرات مطولة منها. 


3 - 


الحلف المكابي - الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


ويعطي هذا السفرء الذي يستهل سرده بفتوحات الاسكندر الكبيرء نحو ٠١‏ سنة من 
لاخدا الاريك الى تد ن سود انطو وشن الراإبع العرش السلوقي 
(۷°ق.م) وموت سمعان الحشموني آخر أخوة يهوذا المكابي ٠۳١(‏ ق.م)» ا 
في ذلك على مصادر كتابية وروايات شفهية. وهو يحتوي على مجموعة من الوثائق 
(يصل عددها إلى ١١‏ وثيقة) تأتي على رأسها من حيث الأهمية وثيقة التحالف 
المكابي- الروماني. وقد أظهرت الدراسات التاريخيةء أنها في معظمها وثائق أصليةء 
أو أنها وصلت كاتب هذا السفر بصيغتها الأصليةء ولكنها عانت دون شك من عقابيل 
الترجمة المزدوجة من الإغريقية إلى العبرية وبالعكس. 

ا سفر المكابيين الثاني فليس تكملة للأول-كما قد يبدو للوهلة الأولى- وإنما هو 
تاريخ مستقل يغطي بصورة عامة أحداث الأربعة عشرة سنة الأولى من التاريخ 
المذكور آنفاء أي حتى عام ٠١١‏ ق.م مع بعض الإضافات المتعلقة بخلفية الصراع. 
وهو في الحقيقة مختصر لتاريخ مفقود مؤلف من خمسة كتب مدونة أصلا بالإغريقية 
وینسب إلى مؤرخ يدعى ياسون القوريني لا يعرف عنه شيء سوی اسمه» ولکن يبدو 
أنه عاش في فترة قريبة من زمن الأحداث التي يرويهاء ولعل ذلك كان أيضا في 
أواخر القرن الثاني قبل الميلاد. كذلك لا يعرف شيء عن الكاتب الذي اختصر تلريخ 
ياسون. 

ولا يخلو السفران - متل بقية أسفار العهد القديم- ممن المفارقات والمبالغات 
والأختلافات النابعة من رؤى كاتبيها وتوجهاتهما السياسية والدينية والقومية. ومع ذلك 
فقد جاء فيهما حقائق تاريخية كثيرة تجد تأكيدا لها في المصادر التاريخية الإغريقيية 


واللاتينية. 


وقد تبين من خلال تقصي المصادر التاريخية العربية أن ابن خلدون هو المؤرخ 
العربي الوحيد الذي روى أخبار المكابيين والدولتين الحشمونية والهيروديةء والتي 


٤ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون أول ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ محمد الزين 


يؤکد (ج ۲ ص (١١١‏ أنه لم يكتب فيها أحد من أئمة المؤرخين العرب» كما أنه لم 
يقف في كتب التاريخ مع كثرتها واتساعها على ما يلم بشيء من ذلك حتى وقع بيده 
وهو بمصر تأليف لبعض علماء بني اسرائيل يدعى يوسف بن كريون» الذي کان من 
عظماء اليهود وقوادهم عند زحف الروم إليهم. 


ويضم ذلك الكتاب أخبار بني حشمناي وبني هيرودس وقد لخصها ابن خلدون كما 
وجدها فيه (ص ۱۱۲ وما یلیها). 


ومن جملة ما يرويه كيف ثار اليهود على الملك أنطيوخوس بزعامة يهوذا بن 
متاتياء الذي انتصر مرات عديدة على القوات السلوقية التي أرسلت لقتاله حتى تمكسن 
من دخول أورشليم (بيت المقدس) وتطهير الهيكل. وقد ظهر الروم في تلك الأشاء 
'وكاتبوا يهوذا ملك بني اسرائيل بالقدس يستميلونهم عن طاعة أنطيخوس واليونانيين 
فأجابوهم إلى ذلك" (ص .)٠١‏ 


ثم يتحدث ابن خلدون بعد أن يسرد طائفة من الأخبار عن عهد هرقانوس (ص 
۲١‏ ) فيذكر بعض أعماله ومنها أنه بعث بوجوه اليهود وأعيانهم إلى الأشياخ 
والمدبرين برومه وذلك من أجل "أن يسأل تجديد العهد وأن يردوا ما أخذوا أنطيخوس 
ويونان من بلادهم التي صارت في مملكة الروم فأجابوا وكتبوا له العهد بذلك 
وخاطبوه بملك اليهود". 

وهکذا نری ابن خلدون يروي -نقلا عن ابن كريون- أن الرومان هم الذين كاتبوا 
يهوذاء الذي يصفه بملك اليهود ومن دون أن يذكر لقبهء وسعوا إلى تحريضهم على 
الانفصال ....الخ وهذا ينافي منطق الأمور والحقائق التاريخية المعروفة بأن يهوذا هو 
الذي بادر إلى مراسلة الرومان طالبا تحالفهم ونصرتهم. ثم أنه ليس في كلمات ابن 
خلدون أية إشارة إلى تحالف أو عهد بين الطرفين. 


<¥ 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


ولكن من ناحية آخری فإن ابن خلدون يذکر في حدیثه عن هرقانوس -۱۳٤(‏ 
٠٠٤‏ ق. م) سعيه لدى الرومان من أجل 'تجديد العهد" وفي هذا إشارة واضحة وتأكيد 
على وجود معاهدة سابقة بين الرومان واليهود سعى هرقانوس إلى تجديدها وتأكيدها. 

ومن خلال ما تقدم فإن كل الدلائل تشير إلى أن عقد هذه المعاهدة كان في أيام 
يهوذا وجرى في إطار مراسلة الرومان له تبعاً لما يرويه ابن خلدون نقلاً عن المؤرخ 
يوسف بن کریون. 
ب- وثيقة التحالف: 

لقد تطلب الوصول إلى النص الأصلي الإغريقي لهذه الوثيقة جهدا كبيراً وسعياً 
متو اصلاً -وذلك لعدم وجود الترجمة السبعينية للعمهد القديم (a٤١أعهuامه5)‏ فسي 
المكتبات العامة بدمشق- إلى أان أتيح لي أخيرأ خلال زيارة لمطرانية الروم 
الأرثوذكس بحلب الاطلاع على الكتاب المقدس بالإغريقية حيث تكرم سعادة المطران 
باحضار نسخته الشخصية -المطبوعة في اليونان- وسمح بتصوير وثيقة اتحالف 
الرومان واليهود" المرفقة من سفر المكابيين الأول. فله مني في هذا المقام أيضاً جزيل 
الشكر والامئقان. 


۸ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ 


Zuppayxla Popalov xal ’‘louSalov 


17 Kal tneAéğaro ‘loû5aç TOV EÛnOAEPov ulOV 
luûvvou TOO ‘AKKÛÇG xal ‘laoova uiûv ‘EAcoa- 
pou xal ûnêtoTelÃev ûÙToùç celç ‘Pûpnv OTÊOQI 
ÇıAiov. Kai iouppaoxiov 18 kal roû ãpaı TOV Ğu- 
yov. ûn’ aùTûv, Örı eÎSŠov Tv GaoiAelav TOV 
‘EAAAVUV .KATAOBOUAOUUEVOUG TOV :'lopafa Sou- 
Aeiq. 19 xal .êEnopeiOnoav Eelç, ‘PGunv, . Koi 
65êç,. roAAî opÖo5pa, xal eiofABooav €iç TO Gou- 
XeuTApıov kal ûrexpidnoav kai elnov 20 ‘lod- 
SŠaç ê kai Makkaêaioçg kal ol ûSeAqpol ‘alToü 
KOI TO nABoç Tûv ‘louSaiuv artoTEelAav AAG 
npÖcç ûpûç oTfoar ped’ ÛLûv Ouppoxlav kal €l- 
pAvfV Kûl ypopÃvar AMÖOG OUUUéXOUG Kal pIAOUG 
ÛûuOv. 21 xal fpegoEev © AOYOG ÊEVWNIOV OÛTAY. 
KQİ TOüTO TÖ ûvrTiyPOpOY TAG ÊENIOTOAIG, AG. 
ûvrêypapjav Enl ŠêArToıç xaAkaiç kal ûnêoTeı- 
nov tig 'lepouoaAfp Eivcı Op’ aÙrTQiç Eke 
UVNLMOOUVOV EIpAVIG KQİÎ OULLOXiQG. ° 
` 23 KaAûÇ YévoıTo  Pupetokg KQl Tp E®veı 
'ou5aiwv. Ev Tq OcAdocr, Kai enl TAG §nPGG EIG 
Têv oiĞvo;, kai poppaid xol èxapûc pokpuvÖein 
ûn' oÛTûv. 24 tùv 5è EvoT? HOAepog ‘POL 
npoTépQq Ff TûOıv TOIÎG OUMHOXOIG QUTûV EV 
nûOf Tf KUPICIQ QÛTGV, 25 OuppaxAoce! TO ŠOVOG 


Tv ‘louSaluv, ûÇ Ööv Ö KaıpOG Ûroy pûÇI QÛ= 
TOTG, KOPDiQ rAfpeı' 26 Kal TOIG fokepoüoıv od 
Sûoouoıv. Oi5t EnapKEOOUOIV OTOv, ÖOrAo, ûp- 
yûÛptov, rAÃoia, ûç E5okev "Pip Kal puAéEov 
TQ Tù puAĞGyuaTa aiTûv oùbêv AoGéovrec. 
27 KxaTû Tù cûùTrèù. 5ê êùv ëBveı ’louöalwv oupéf 
nPpOTEpOIG nOAepoG, ouppaoxAcouoIv ol ‘Pwualoi 
EK yuxÊçÇ, ûç ûv QÛTOIÇ 0 .KQIPOÇ ûnOoyPaP’ 
28 xal ToîÇ Ouppûxoüoıv où 5o®AoerTaı OITOG, 
OnAa, ûpyûpıov; nAola, ûç E5okev ‘Pûpn' «al 
QpuAGfovTal Tù puAGypuara TaüTra' kal oÛ yera 
5OAqu.—29 xaTù TOÛÇ AOYOUÇG TOUTOUÇG OÛTUC 
EoTnoav ‘Pupaloi,. Tp Sfpp« TOV .louSaluv. 
30 êùv 5ê perû TOoÛç AOYOUÇG TOUTOUC BGOUAcU- 
OWVTQI OÛTOI Kal OÛTo! rpoo®eîvor f Ope elv, 
noıfoovTaı &% QIPEOELG SOTO, KQIl.O GV MOOG“ 
Oûoiv A ApêAwoıv, &orar xUpıa. 31 xol nepl 
TOV KOKĞV, OV O ÖCC:MZiC ANMATPIOC CuvTE- 
XAeîraı €IÇ QÛTOÛG, EyzGiycpeEv OÛTG AEYOVTEC 
Ala. TI .EĞOPuUVOG TOV Cuyov oou.'ênl Toc pi» 
‘AOUG AHOV TOLG Ouppéxouçg 'louŠoiouc : tdv.olv 
ÊTI ÊVTÛXGQIV kard ooü, noıfdopev QÙTOIC TAV 
xpioıv kal noA\epfoopêv oc Sıù TAç SaAéaong 
xal 5ıû TçÇ Šnpûc. 


۹ م٤‏ مجلة دراسات تاريخية 


الحلف المكابي - الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي. 


الحواشي 


-١‏ جاءت هذه التسمية من لقب حمله زعيم الثورة التي قامت ضد الحكم السلوقي 
المدعو يهوذا المكابي: 


< 
”lou'Sag o KkaAov'uevog MakkafBoacToc 


(أمك الاصحاح ۳ العدد .)١‏ ولكن لم يرد تفسير لهذه اللقب في سفرَ المكلبيين 
ولا عند المؤرخ يوسيفوس ولذلك تعددت الآراء فيه والاجتهادات. وقد أورد 
المطران الدبس في كتابه تاريخ سورية (ص ۱۷۹) عددأً من هذه التفسيرات: . 
فالبعض يقول أن الاسم مكابي مشتق من (كبًا) العبرانية ومعناها أباد وأتلسف 
لأنهم كانوا يبيدون أعداء الرب. وقال آخرون أنه جاء من كلمة (مخابا) بمعنى 
ا ا ا فی شار با فن الا سهاد: 


على أن القول الأعم في رأيه الذي قال به الجمهور هو أنه مأخوذ من الأحرف 
الأربعة م. ك. ب. ي التي كان المكابيون يصنعونها على أعلامهم وتروسههم 
ومعناها: "من مثل الرب بين الآلهة" 


* قد يستعمل المطران الدبسي وغيره تعبير (الغة عبرية/عبرانية) والصحيح أن نقول 'توراتية' وهي 
مزيج من الكنعانية والآرامية. ولم تذكر أسفار التوراة مطلقاً تعبير "لغة عبرية" وأول إشارة بهذا 
المعنى نجده في سفر الجامعة ثم في (إنجيل لوقاء )۳۸/۲١‏ و(إنجيل يوحنا .)۲١/٠١‏ ثم قالوا عبرية 
لمن ظل من اليهود على دينه أما من تتصر فقالوا لاحقا عن لسانه "سرياني". أما أن نقول 
'عبرية / عبرانية" كما درج عليه بعضهم فهذا غير صحيح... ولدينا في التوراة "كبه" ومعناها قريب 
من (كبا/يكبو) العربية. رئاسة التحرير 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-٦۷‏ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ محمد الزين 
س“ 


~۲ 


ولكن لا يوجد أي سند تاريخي لمثل هذا التفسير الديني اللاهوتي. 

وفي الحقيقة فإن معظم الدراسات الحديثة تميل إلى تفسير هذا اللقب على أنه 
مأخوذ من كلمة (مقابات ا0طةةN‏ التي تعني مطرقة) وأطلق على يهوذا 
لكونه محارباً سريع الضربات كالمطرقة. ويشير أحد الباحثين إلى لقب كارل 
مارتل قائد الفرنجة في معركة بواتييه» إذ من المعروف أن لقبه مارتل يعني 
المطرقة. 

ومن الجدير بالذكر أن ابن العبري هو المؤرخ العربي الوحيد الذي يذكر هذا 
اللقب في إشارة مقتضبة إلى 'يهوذا المقبي'٠‏ الذي جمع بين الملك والكهنوت 
ونفى نواب أنطيوخوس من أرض يهوذا وطهر الهيكل (تاريخ مختصر الدول 
ص .)٦۱‏ 

أما التسمية حشمونية فهي لقب المكابيين لدى يوسيفوس وفي التلمود. ويسرده 
المؤرخ يوسيفوس في تاريخ اليهود القديم (263 ,11× .udهل )[٥5., A٠٤.‏ إلى 
أحد أجداد متاتيا- والديهوذا- المدعو بالإغريقية ها »هت۸ أي 
حشموناي» والذي يرتبط على الأرجح باسم قرية حشمون موطن تلك الأسرة 
في منطفة اللد. ومما يجدر ذکره أن ابن خلدون يسمي دولتهم: دولة بني 
ل حشمناي. 


3- Appian, Syr. 46. 
4- Polybios, Hist. XXXI, 12. 


انظر حول هذه السفارة ومهمتها في سورية وشخص رئيسها موسوعة بلولي- 
فيسوفا: 


أصل الفعل (تقب) ولفظه ومعناه قريب من العربية (نقب) ومنها (مقبث / مطرقة). 


°١ 


الحلف المكابي - الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


-۹ 


cf. RE XVH s.v. Octavius Nr. 17 Sp. 1810-14. 

مك الصحاح )١١(‏ الفقرات .)١۸ -٣٤(‏ 
هذا التاريخ هو حسب التقويم السلوقي بصيغته البابلية والتي تبدأً مع ربيع عام 
١‏ ق. م وعلى هذا فإن تاريخ هذه الرسالة كان في شهر نيسان من عام 

۳ قم 
انظر تفاصيل هذه الحادثة المشهورة عند E. Bevan, the House of‏ 
.Seleucus II P. 144‏ 


يقول المطران الدبس (تاريخ سورية ج۲ مج ص )٠۷١١‏ في وصف السياسة 
الرومانية تجاه السلوقيين: 

"لم يكن من السداد في سياسة الرومانيين أن يتركوا أنطيوكس يعظم ويبسط 
سطوته على سورية ومصر..." 

وكذلك المؤرخ ميكائيل روستوفتزف الذي يقول في تاريخ العالم الهلنستي 
الاجتماعي والاقتصادي ص (M. Rostovzeff) YTY‏ "كانت روما تحرص 
على منع قيام أية قوة في العالم الهلنستي أو النهوض من التمزق والضعف 
السياسي. كانت سياستها تسعى إلى ضرب الدولة الأقوى بين دول العالم 
الهلنستي... 

أما أنطيوخوس فقد أرغم في الوقت ذاته على الخروج من مصر بعمل 
دبلوماسي وهكذا منعته روما من توحيد المشرق العربي تحت سلطته. كما أن 
سورية تم إضعافها بالدعم الذي قدمته روما للحركات الانفصالية التي نشأت 
في الامبراطورية السلوقية وخاصة بين اليهود: 


o 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸4-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ محمد الزين 


Syria was weakened by the support given by Rome to the separatist 
tendencies which were developping within Selcucid Empire, especially 
among the Jews”. 


10- Polybios, Hist. XXXI, 19. 


ك 
E av To 1ıkv'ov rolî TT OUYAn'Tm KOTO Tv TTS‏ .11 


a'pXTc s' Govovav (Polyb. XXXII, 3, 13). 
E. Badian, Foreign Clientelae P. 107 f. انظر‎ -1۲ 


there was no question of legal rights, as ther was no one to sit in 
Judgement. 


M. Notl., Gexl., İsraels S. 332 ff. انظر بهذا الخصوص‎ -٣۳ 

-١ ٤‏ انظر بخصوصها ص ٤‏ من هذا البحث 

۳۱ E مك الاصحاح (۸) الفقرة‎ ١ -٥ 

جا ص 1۸4 من هذا البحث 9 ,3 ustin, XXX],‏ 

۷- نص المعاهدة مقتبس من ترجمة الكتاب المقدس مع بعض التعديل والتدقييق. 
أما النص الإغريقي قيمكن الرجوع إليه في الملحق المرفق. 


18- Josephos, Antiq. Iud. XII, 471. 
19- Winkler, Altorient. Forsch. III, | S. 134. 


-٠‏ كان ذلك في الجزء الأول من كتابه الموسوم "الامبراطورية الرومانية» 
المعاهدات الدولية وعلاقات التحالف'". 

E. Taubler, Imp. Rom. IS. 239-253. 

21- Taubler, İbid S. 115 

22- Th. Mommsen, Röomisches Staatsrecht, Bd IH S. 1171. 

23- E. Schürer, Gexh. D. Jüd. Volkes Bd IS. 220 


or 


الحلف المكابي ‏ الروماني "فصل من تأريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


24- H. Wıilirich, Urkundenfalxhung... S 44ff. 


25- B. Niese, Kritik d. beiden Makkabãer bücher, Hermes 35 (1900) 
S. 501. 


26- B. Niese, Festxhrift für Th. Nöldeke II (1906) S. 824. 
في وثيقة التحالف.‎ ۲١/۸ مك‎ ١ انظر‎ -۷ 


28- Ed. Meyer, Ursprung und Anfaüge des Christentums II (1921) 
S. 246. 


۹- انظر نص المعاهدة في مجموعة النقوش الإغريقية 2485 ." ,°16 وكذلك 
نا في : 
R.K. Sherk, Roman Documents from the East (1969) No 10.‏ 
H. Bêvenot, Die beiden Makkabãerbüdier (1931) S. 104.‏ -30 
Taubler, Op. Cit. S. 243‏ -31 
-_٣‏ انظر يوسيفوس: 38 Jos., Bell. ud. I,‏ 
B. Niese, Festxrift für Nöldeke S. 817 f.‏ -33 
Magistrats I (1952) P. 443‏ ,Broughtonانظر‏ -34 
E. Bickermann, Makkabaãerbücher RE XIV, 1 Sp. 787.‏ -35 
-١‏ وهذا ما نجده أيضاً في موسوعة كمبردج التاريخ القديم: 


CAH, VIH P. 359 n. 131: The fact that a treaty was concluded in 161 is 
beyond doubt. 


لکن بیكرمان (785 ٥1.‏ .م0) يؤرخ التحالف في عام ۱۹۳ أو ٠١۲‏ ق. م من دون 
أن يذكر الأسباب التي دعته إلى ذلك. 


o٤ 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۸-71۷ ۔ کاتون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ محمد الزين 


أهم أأمصادر والمرأجة واأمختطراات 


أ المصادر. 


-١‏ الكتاب المقدس: كتب التاريخ» دار المشرق-~ بیروت ۱۹۸١‏ (سيرمز لسفري 
المكابيين ب: ١‏ مك و ۲ مك ثم يتبع رقم الاصحاح ويليه رقم الفقرة أو 
العدد). 


2- Flavius Josephos, Jüdische Altertümer 2 Bãnde Übs. H. Clemenz 
1975. 


3- Flavius Josephos, Geschichte des jüdischen Krieges Übs. H. 
Clemenz 1977. 


ب المراجح العربية: 
-١‏ ابن خلدون: كتاب العبر ودیوان المبتداً والخبر...الخ ۲ بیروت ٠۹۷۱‏ 
- فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين الجزء الأول ترجمة جورج حداد 
وعبد الکریم رافق بیروت .۱۹٥۸‏ 
۳- المطران يوسف الدبس: تاريخ سورية الدينوي والديني الجزء الثاني» المجلد 


الثالٹث. بیروت ۱۸۹۸. 


“٤‏ محمد عزة دروزة: تاريخ بني اسرائيل من أسفارهم الجزء الثالث (مجموعة 
اخترنا لك ۸۷) القاهرة بلاتا. 


o0 


الحلف المكابي _ الروماني "فصل من تاريخ فلسطين في العصر الهلنستي" 


ج -المراجح الأجنبسة: 


1- E. Bevan, The House of Seleucus Vol. 11 (1902). 
2- E. Bickermann, Makkabãer bücher RE XIV, 1 (1928). 


3- Ed. Meyer, Ursprung und Anfaãnge des Christentums Band II 
(1921). 


4- Niese, Kritik der beiden Makkabaerlücher (1900). 
5- M. Noth, Geschichte Israels 4. Auflage (1959). 


6- M. Rostovtzeff, Social and Economic History of the Hellenistic 
World Vol. II (1941). 


7- R. K. Sherk, Roman Documents from the Greek East: Senatus 
Consulta et Epistulae to the Age of Augustus (1969). 


8- E. Schüûrer, Geschichte des jiüdischen Volkes im Zeitalter Jesu 
` Christi Bd I1 (1901). 


9- E. Tãubler, Imperium Romanum I Staats — Vertrãge und Vertrags 
verhãltnisse (1913). 


10-Ed. Will, Histoire Politique du Monde Héllenistique Tome II 
(1967). 


11-H. Willrich, Urkunden falschung in des hellenistisch — jüdischen 
Literatur (1924). 


12-Wolf, Judas Makkabaios, RE IX 
د . المختصرات:‎ 


1- CAH: The Cambridge Ancient History 2™ Ed. Vol. VIII: Rome 
and the Mediterranean to 133 B.C. (1989). 


2- F. W. G: Fischer Weltgexhichts 7: Die Mittel- meerwelt im 
Altertum (1966). 


3- RE: Pawly - Wissowa Realeznytlopãdie der classischen Altertums 
wissenschaft. 


°٦ 


انتقال الحلافة من السفيانيين أل ألمروانيين 


قراعة فی الروایات 


e 9 4» 


انتقال الخلافة 
لخلافة مر 
نيين إلى المروانيين "قراءة ف 
في الروايات" 


o۸ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزيران ۱۹۹۹ غيداء خزنة كاتبي 


انتقال الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين 
قراءة في الروايات 

اتجهت العصبية القبلية في الشام إلى تأييد الأمويين في صراعهم مع أهل الكوفةء 
وكان انتصار معاوية بن أبي سفيان انتصاراً واضحا للتيار القبلي. 

وأظهر معاوية بن أبي سفيان قدرة واضحة في التعامل مع هذا التيارء فتطلع إلى 
لقبائل اليمانيةء وكان زواجه من ميسون بنت بحدل الكلبية (كلب اليمانية)ء سنداً قبليا 
قوياً له"ء واسترضى رؤساء القبائل القيسية"' فحقق بذلك قدرأ من التوازن القبلسيء 
انعكس إيجابياً في تثبيت دعائم الخلافة الأموية. 

ويبدو أن معاوية حاول أن ببث الفكرة بأن بيته هو الذي يصلح للحكم» وأن 
يرسًخ هذه الفكرةء فلما ولي معاوية بن يزيدء قال علي الغدير الغنوي: 

واقدر بقايلكم خذها يزيد فقل خذها معاوي لا تعجز ولا تلم 

إن الخلافة إن تنبت لتالنكم تثبت أواخيها فيكم فلا ترما“ 

وكان معاوية قد نادى بالشورى» وحين أراد البيعة لابنه يزيد أظهر التزامه 
بالفكرة ببيعة أهل الشام له» وسفره للحجاز لأخذ موافقة أهله» وبدعوة الوفود إلى 
الشاء". ولكن المحاولة جوبهت بعد وفاة معاوية بثورة الحسين بن علي ء ثم ثورة 
عبد الله بن الزبير“ء ولم تكن ثورة أي من الاثنين على أساس الوراثة» بل علسى 
أساس الفضل والمنزلةء وعلى أساس الشورى. 

وتأزمت مشكلة الخلافة بعد وفاة يزيد بن معاويةء واستمرت ثورة عبد الله بن 
الزبير» وتدخلت عوامل قبلية وإقليمية في المشكلةء ولما كانت الشام مركز الخلافة 
تطلب ذلك متابعة الأحداث فيها. 


0۹ 


انتقال الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


ويبدو أن معاوية بن يزيد تولى الخلافة بعهد من أبيه «وكان يزيد لما عقد لابن 
معاوية ألزمه الفقهاء والرواة وصرف إليه وفود العرب»('. 

ويحيط حباته الغموض في الروايات» التي تنسبه للتأله حينا" وللضعسف حيناً 
آخرا"'. وربما كان قصر مدة خلافته» وحرص المروانيين على إثبات شرعية حكمهم 
سببا لطمس ذكره في الروايات» فجاء في إحدى الإشارات أن خلافته استمرت )٤٠١(‏ 
وما وفي إشارة )۲١(‏ يوما"'ء وفي إشارة أياماً قليلة ' وجاء في إشارة أخرى 
آنا امرك هة آشه ° 

وترد إشارات إلى أنه أبى أن يستخلف وترك الأمر للشورى» وهناك أكثر من 
رواية حول هذا الموضوع. 

فيذكر عوانة بن الحكم (ت ١٤٠ه/٤‏ ١۷ع)‏ أن معاوية قال بعد ولايته: 

«....فإني نظرت في أمركم فضعفت عنه» فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن 
الخطاب حين فزع إليه أبو بكر فلم أجدهء فابتغيت لكم ستة في الشورى مشل ستة 
عمر» فلم أجدهاء فأنتم أولى بأمرك فاختاروا له من أحببتم» ثم دخل منزله ولم يخرج 
إلى الناس» وتغيب حتى مات»"'. وهذه إشارة بأن معاوية بن يزيد أبى أن يستخلف 
ولزم منزله. وفي هذا نفي لأي حق للسفيانيين في الخلافة. 

ويذکر الواقدي (ت۲۰۷ه/۸۲۲م) في روايته عن صالح بن كيسان (ت 
٠‏ ه/ ۷٥۷م)‏ بأن معاوية طلب من حسان بن مالك بن بحدل الكلبي ان يصلي 
بالناس «إلى أن يرضى المسلمون بإمام يجتمعون عليه»(*. 

ويذكر القاسم بن عضاه الأشعري قي روايتهء بأن معاوية أبى أن يستخلف وطلسب 
من حسان أن يصلي أربعين ليلةء وترك الأمر للتشاور'. 

ولعل الأربعين ليلة هنا تتصل بالرواية التي تجعل فترة خلافته أربعين يوما. 
وينفرد الواقدي برواية أخرى بأن معاوية بن يزيد خطب لما مات أبوه وقال: 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ غيداء خزنة كاتبي 
س ی کت 


«إن كان خيراً فقد استكثر آل أبي سفيان منه» وإن كان شرا فلا حاجة نا فيهء 
فاختاروا لأنفسكم إماما تبايعوه هو أحرص على آل أبي شفيان مني» واخلعوني فأنتم 
کی حل من بيعتي واستمر حتی EE‏ 

يلاحظ من هذه الروايات بأن معاوية بن يزيد لم يسم أحدأ من بعده» ودعا إلى 
الشورى» وواضح أن الشورى هنا أموية شامية. وإذا كانت الرواية الأخيرة تتضمسن 
الحرص على السفيانيين» فإن جل الروايات تبين أن معاوية بن يزيد رفض الوراثشة 
المباشرةء وتخلى عن حق السفيانيين في الخلافة ودعى إلى الشورى. أليس هذا هو ما 
يفيد المروانيين في الوصول إلى الخلافة عن طريق الشورى الأموية الشامية؟. 


وهكذا بدا الوضع قلقاً في الشام دون خليفة أمويء بينما بويع لابن الزبير في 
الحجاز سنة ٤ه‏ بل إن دمشق بدت مرتبكة أو منقسمة في واقعها. ويحسن هنا 
استعراض الروايات وقراءتها بدقةء لملاحظة التيارات المختلفة التي تتصل بموضصوع 
الخلافةء سواء أكانت إقليمية أم قبلية. 


يعطي عوانة بن الحكم (ت ١٤١ه/٤۷1م)‏ صورة واضحة عن الأحداث في 
الحجاز والشام» فيذكر أن ابن الزبير كتب إلى عامله على المدينة بإخراج بني أمية 
منهاء «فنفوا بعيالاتهم ونساتهم إلى الشاي" : 


ويشير إلى مواقف الأجناد في الشام من ابن الزبيرء ويقول «فشار زفىر ابن 
الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لعبد الله بن الزبير» وبايع النعمان ابن بشير الأنصلري 
بحمص لابن الزبير» ...وخرج حسان بن مالك إلى الأردن واستخلف روح بن زنباع 
على فلسطین» فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه» فاستولی على فلسطين 


(YY 


وبايع لابن الزبير ...« 


ويذكر الواقدي (ت۲۰۷ه/۸۲۲م) أنه لما بويع لابن الزبير وقف ضد الأمويين 
وأمر بإخراجهم إلى الشام. ويذكر أن الحصين دعى ابن الزبير إلى البيعةء فأبى 


1١ 


انتقال الخلافة من السفيانبين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


ذلا '. ولما رجع إلى الشام لاحظ الارتباك في وضع الأمويين كما يبدو من قوله 
لمروان والأمويين: «نراكم في اختلاط شديد» فأقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم 
فتكون فتنة عمياء صمًاء.. .»0 ". 

ويتناول المدائني (ت٣۲۲ه/۸۳۹م)‏ الوضع بتفصيل أكثر» فيذكر أنه بعد موت 
يزيد وعودة الحصين بن نمير إلى الشام» كتب ابن الزبير إلى ابن مطيع في تسيير بني 
أمية من المدينة. ثم يذكر مواقف الأجناد بعد موت معاوية بن يزيد فيقول: «لما مات 
معاوية بن يزيد ابن معاوية... علم ابن الزبير أنه لم يبق أحد يضاده فولى الضحاك بن 
قيس الفهري دمشق» وكان صاغيا إليه وقد كاتبه فبعث إليه بعهده وكتاب إلى من قبله 
يدعوهم إلى طاعتهء وبعث إلى النعمان بعهده على حمص» وكان النعمان مائلاً إليه 
وولی ناتل بن قيس بن زيد الجذامي فلسطين» وکان لناتل فيه هوی» ويقال: بل كان 
عنده بمكة فقال له: ألا تكفيني قومك» فخرج ناتل حتى أتى فلسطين وكان واليها ووالي 
الأردن من قبل يزيد بن معاوية حسان بن مالك بن بحدل» فبقيتا في يده وفيهما عماله 
فأرسل إليه ناتل: إما أن تخرج من بلاد قومي وإما أن أدخل عليك فأقاتلك فعرف ابن 
بحدل أنه لا قوة له به وبقومه من جذام» فخرج ابن بحدل إلى الأردن...وبويع لابن 
الزبير بفلسطين» وضبط له الضحاك بن قيس دمشق وأخذ له بيعة أهلها وفرق عماله 
فيها وأخذ له النعمان بن بشير الأنصاري بيعة أهل حمص...»ء وبايغه زفر بن 
الحارث في قنسرين بعد أن أخرج منها سعيد بن بحدل الكلبي'". 


أما مؤلف النقائض فيذكر في روايته أن ابن الزبير أمر بإجلاء الأمويين بعد وفاة 
معاوية بن يزيد على يد عبد الله بن حنظلة الغسيل»ء وعلق عبد الملك على تصرف ابن 
الزبير قائلا: «هذا رأي انفرد به ولم يشاور أهل خُزانته*٠‏ و لو استشارهم لأشاروا 
عليه بغیره»"". 


* (الحزانة عيال الرجل الذي يتحزن بأمرهم وله انظر اين منظور؛ لسان العرب» ج ٣١ص )٠١١‏ 


1۲ 


مجلة دراسات تاريخية . العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ غيداء خزنة كاتبي 


ر س ا 


ويبدو أن ابن الزبير استشار بعدئد فنصح بإعادة الأمويين› ولكنهم بلغوا الدوم 
(على بعد خمسين ميلاً من المدينة)ء فأرسل إلى مروان يحذره الفتنة ويأمره بالعودة 
إلى المدينةء ولكن مروان لم يرجع» رغم تهديد ابن الزبير له في حال رفضه 
العودة «...لا أدع لك خضراء إلا قطعتها ولا بيضاء إلا نسفتها»“". 


ثم يذكر موقف الأجناد بعد وفاة معاوية بن يزيد فيقول: «وثب كل جند علسى 
عاملهم» فوثب زفر بن الحارث على سعيد بن مالك فأخرجه من قنسرين ودعا إلسى 
طاعة ابن الزبير...وبايع النعمان بن بشير بحمص لابن الزبير وخلع بني أمية» 
واستخلف حسان بن مالك بن بحدل روح بن زنباع على فلسطين ولحق بالاردن»ء 
ووثب ناتل بن قيس الجذامي فيمن تبعه من جذام ولخم يدعو إلى ابن الزبير» وأخضرج 
روح بن زنباع من فلسطين» وبقي الضحاك بن قيس بدمشق عاملا عليها يقدم رجلا 
ويؤخر أخرى ويظهر طاعة بني أمية والشكر لمعاويةء ويدس إلى هذا الحي من قيس 
أن ابن الزبير أولى بالأمر ثم هم بأن يبايع لابن الزبير»'". 

وتبدو هذه الرواية وهي أموية في الأساس أقرب للدقةء ولكن الإشارة إلى عبد الله 
بن حنظلة غير مقبولةء لأن عبد الله قتل يوم الحرةء وقد تصدق على الإخراج الأول 
قبل الحرة"". أما ثورة القيسية في قنسرين على العامل الكلبيء فتبدو تعبيرأ عن 
سخط القيسية على الأمويين لتعيين عامل كلبي عليه('". 

يتبين من الرويات أن هناك صراعاً بين الحجاز والشام أو بين أبناء المهاجرين 
الأولين وبين أرستقراطية قريش» هذا كله في جو استعلاء وارتفاع موجة العصبية 
القبلية بين القبائل والأمصار؛ فقد بويع لابن الزبير في الحجاز ابتداءء ثم مال إليه 
أمراء الأجناد في الشام وهم النعمان بن بشير الأنصاري في حمص» وزفر بن 
الحارث القيسي في قنسرين» ثم ناثل بن قيس الجذامي في فلسطينء أما الضحاك بن 
قيس الفهري فكان متردداء إذ مال لابن الزبير سرا ولكنه كان متحفظاً في الظاهر. 


0 


انتقال الخلافة من السغيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


أُما حسان بن مالك بن بحدل الكلبي وكان على الأردن وفلسطينء ثم على الأردن 
لوحدھا (بعد أن آخرجھ ناتل بن قیں الجذامي من فلسطين)ء فقد بقي على ولائه لبني 
أمية وبدأ يتحرك سريعا وراح يدعو للسفيانيين. 

وترصد الروايات تحركات حسان بن بحدل في الأردنء فيذكر عوانة بن الحكم 
(ت ۱٤١‏ ه/٤‏ ٦۷م)‏ أن ا بن مالك کان يهوی هوی بني اة ويدعسو إليهم» 
وخطب في أهل الأردن فقال: «يا أهل الأردن ما تقولون في عبد الله بن الزبير وقتلى 
أهل الحرة قالوا: عبد الله منافق وقتلى أهل الحرة في النار. قال: فما نقولون في يزيد 
بن معاوية ومن قتل بالحرة من أهل الشام؟ء قالوا: يزيد في الجنة وقتلانا في الجنةء 
فقال: لئن كان يزيد يومئذ على حق إن شيعته على حق» ولئن كان ابن الزبير يومئذ 
على باطل إنه اليوم لعلى باطل» قالوا: صدقت نبايعك على قتال من خالفك وأطاع ابن 
الزبير على أن تجنبنا هذين الغلامين: خالد بن يزيد وأخيه عبد الله فإنهما حديشة 
أسنانهما ونحن نكره أن يأتي" الناس بشيخ ونأتيهم بصبي». 

ویذکر المدائني (ت ۲۲١‏ ه/۸۳۹م) أن حسان بن مالك بن بحدل الكلبي «أظهر 
الدعاء لخالد بن يزيد بن معاوية وعزم عليه» قبل التوجه إلى الجابية. ٠‏ 

يتبين أن حسان بن مالك دعا ابتداء لخالد بن يزيدء وهذا ليس بغريب» باعتباره 
خال يزيد بن معاويةء وكان يسعى للحصول على تأييد أهل الأردن لخالد بن يزيد 
ولکن يبدو أن الناس لا يريدون تولية الصبية في ظروف حرجة» ووافقوا على تأييد 
مرشح أموي على أن يتخلى حسان بن مالك عن خالد وأخيه لصغر سنهما. 

وفي دمشق تجمع وجهاء اليمانية وتحركوا للتداول في الوضسء» ودارت بينهم 
مناقشات حول مشكلة الخلافة. وفكر البعض في دمشق بمروان وبدؤوا يتحركون 
اا 


(في الطبري يأتيناء انظر الطبري› تاریخ»؛ ج٥‏ ص۳۲٥)‏ 


1٤ 


مجلة درأسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ _ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ غيداء خزنة كاتبي 


مجلة درأسات تاريخية - العادان ا لا و ا ت 


فیشیر ابو مخنف (ت ٠١۷‏ ه/٤۷۷م)‏ إلى دور عبيد الله بن زياد وعبد الرحمن 
بن عبد الله الثقفي (ابن أم الحكم أخت معاوية)» وعمرو بن سعيد» في تأييد مروانء 
فقال عبد الرحمن «يا مروان اجمع إليك موالي بني أمية فأنا أسلمهم لك أجمعيسن»»› 
وقال عبید الله بن زياد «وأنا أبذل لك من المال والقوة على عدوك ماشئت»» ثم قال 
بعد أن سمع أنه يفكر بمبايعة ابن الزبير: «أتنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيسب 
فتبايعه وهو منافق مضطرب الرأي». ودعى عمرو بن سعيد - هو يمثل شعبة مهمة 
من الأمويين- مروان للعمل للخلافة قائلاً «أنت سيد قريش وفرعها وأنت أحق الناس 
بهذا الأمر» ورفض ترشيح خالد بن يزيد لصغر سنها“"'. 

ويشير الواقدي (ت ۷ (AYA‏ إلى دور عبيد الله بن الزبير بن زياد في دعم 
مروان بن الحكم وثنيه عن التفكير بالبيعة لابن الزبير؛ وإلى اتفاق بني أمية ومواليهم 

وأهل اليمن وكانوا في دمشق على مروان ""» وقبول أهل الأردن بهذا الاتفاق 

بمبايعة مروان لاحقاً في الجابية. 

ويتحدث المدائني (ت ٥۰ھه/۸۳۹م)‏ عن دور عمرو بن سعید ومالك هة 
وحصین بن نمير وعبید الله بن زياد في تأييد مروان» وثنيه عن التفكير في البيعة لابن 
الزبيرء فقالوا له:«أنت شيخ بني أميةء وأنت عم الخليفةء هلم نبايعك»“". 

ویشیر وهب بن جرير إلى دور عبيد الله بن زياد في التأثير على الأمويين في 
الأردن لمبايعة مروان بن الحكم""'ء وهذه رواية مرتبكةء فعبيد الله لم يذهب إلى 
الأردن» والأمويون لم يكونوا هناكء ولم يسبق لهم الاتفاق على بيعة خالد بن يزيد. 

ويشير مؤلف النقائض إلى دور عمرو بن سعيد وعبد الملك بن مروان في دعم 
مروان. فقال عمرو بن سعيد عندما سمع أن مروان يفكر بمبايعة ابن الزبير: ينا 
أنت المرجو وشيخ قريش إذ صرت رسولاً لأخي فهر وما أنت من الأمر ببعيد»»ء 
وقال له عبد الملك ابنه: «لست أشك مع الاختلاف الذي أرى أن الأمر صاير 
إليف»('“. 


8 مه مجلة دراسات تاريخية 


انتقال الخلافة من السغفيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


إن هذه الإشارات لا يمكن إغفالها لأهميتها في الكشف عن تحرك دمشق المب>_ 
في الاتجاه إلى مروان وترشيحه للخلافة. وقد يكون في تكرار الإشارة إلى تفكير 
مروان بمبايعة ابن الزبير بعض المبالغة. 


وينفرد مؤلف النقائض بالإشارة إلى أن مروان بدا يفكر بالخلافة ويعمل لها. 
وربما عزز هذا التفكير بالخلافة حديث عمرو بن سعيد -ممثل الفرع الأموي الثالث- 
معه وحثه له على العمل للخلافة(')ء ويبدو أن مروان بدأ يسعى بأسلوبه للوصول إلى 
الخلافة ووجد في روح بن زنباع مؤيداً له. 

يوضح مؤلف النقائض أن مروان نادی روح بن زنباع وکان مع وجهاء القبائل 
في دمشق وجلهم يمانيةء وقد اجتمعوا للتداول في الوضعء وسلم عليه وقال له: ميا أبا 
زرعة إنك من هذا الأمر بصدد وإني لا أعلمك من أمري إلا ما قد علمت» أنا ابن عم 
أمير المؤمنين عثمان وخليفته في الدازء والذي أوصی به بعده» فلا تدع من ذکرنا ما 
أنت أهله. ومهما نسيت من شيء فلا تنسين أن تذكر سني ونظري وتجربتي وقرابتي 
بأمیر المؤمنين عثمان مع الشدة في الحدود والعفاف في الإسلام وبذل ذات اليدمع 
قصب” ابن الزبير وجمعه ومنعه» فقال روح «أمرت بالمعروف وأوصيت كافياً»("“). 
ثم قال له مروان «.....واذكر رحمك الل فيما تذكر شأن فضالة بن شريك وقصته 
وأنشدهم ما قال في ابن الزبير »"“). 

واجتمع وجوه القبائل في دمشق فطرح اسم ابن عمر» واسم ابن الزبيرء وطرح 
روح بن زنباع اسم مروان ابن الحكم قائلاً: « ما يمنعكم من هذا الشيخ من قريش 
وهو ابن عم أمير المؤمنين عثمان وقد أمر عشر مرات ونزع عشر مرات كل ذلك : 
يسخط ولا يخالف ولايعزل عن خيانئة اما ابن عم فر جل قد شغلته غبادته ولم 


* ([القصب: القطع والمنع. انظر أبو تمام» النقائض» ص .)٠١‏ 


1 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹۹٩‏ غيداء خزنة كاتبي 
> را س 


ابن الزبير فمن أكثر منه غلظة وتجهماً وبخلاً! وبنو أمية أسمح أخلاقا وأعطى لهذا 
المال» . ثم أشار إلى فضالة وإلى شعره الذي هجا فيه ابن الزبير. ' 

ویذکر روح أنه مر بمروان فشكره على ما قال وعلق على المرشحين «واله ما 
ابن عمر بأفقه مني إلا أنه أسن مني وكانت له صحبة»ء وما ابن الزبير بأصلب مني 
إلا بالخلاف على الأمراء وأنا لا استحل ذلك والاستئثار بهذا المال وجمعه ومنعه 
أهله» وقد علمت قريش أئي أصلبها وأشدها على المريب وأغلظها في ذات اللهء ولا 
تنسین هاتين رحمك اش»(“). 

تشعر هذه الروايات بأن وجهاء اليمانية تجمعوا وكونوا مجلسا (ملأ) لمناقشة 
مشكلة الخلافة لئلا تخرج من الأمويين وبالتالي من الشام» وأن ممثلي الفرع الثاني 
(مروان) للأمويين والثالث (عمرو بن سعيد مع بعض أقطاب مؤيديهم) شاركوا في 
المناقشات لإبقاء الخلافة في بني أميةء واتفقوا' على أرشدهم وأكبرهم سنا وأكثرهم ‏ 
خدمة وهو مروان» وتجاوزوا فكرة الوراثة المباشرة المتمثلة في خالد بن يزيد. 

وبقي حسان بن مالك في الأردن واتجهت أنظاره إلى دمشق عاصمة الأمويين. 
وكان صاحب الأمر فيها الضحاك بن قيس الفهري. وببدو أن حسان بن مالك علم بأن 
الضحاك بايع لابن الزبير سرا خوفاً من بني أمية وقبيلة كلب» فلجاً إلى الحيلة ليكشف 
حقيقة موقف الضحاك. ٤‏ 

يذكر عوانة بن الحكم (ت ١۷١ه/٤‏ ١۷م)‏ أن حسان بن مالك بن بحدل الكلبي 
أرسل إلى الضحاك كتاباً مع رجل من كلب" يشتم فيه ابن الزبير ويعظم حق بنسي 
أميةء وأعطى الرسول نسخة أخرى من الكتاب» وأمره أن يقرأها على الناس في 
دمشق إذا امتنع الضحاك عن قراءة كتابه. 


(يقال لهذا الرجل ناعصة من ولد تغلب بن وبرة إخوة كلب. انظر البلائريء» أنساب» ج٦‏ ص٤٠٠.‏ 
ويقال له ناغضة انظر الطبري» تاریخ»› ج° ص۳۲٥)‏ 


1Y 


انتقال الخلافة من السغيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


ونفذ الرسول ما أمر به» وطلب من الضحاك في المسجد ثلاث مرات أن يقرا 
الكتاب» فلم يفعل» فقام وقراً الكتاب» فأيد بعض زعماء اليمانية مثل يزيد بن أبي 
النمس الغساني وسفيان بن الأبرد الكلبي ومعهم الوليد بن عتبة بن أبي سفيانء ما جاء 
في کتاب حسان وشتموا ابن الزبير. 

وقام ابو رجاء عمر بن زيد الحكمي” وهو من أنصار الضحاك» فشتم حسان ابن 
مالك وأثنى على عبد الله بن الزبير» واضطرب أمر الناس» فأمر الضحاك بسجن 
الوليد بن عتبةء ويزيد بن أبي النمس وسفيان بن الأبرد. وهنا تكلم خالد بن يزيد بكلام 
«أوجز فيه لم يسمع مثله» فهداً الناس. 

ثم جاءت كلب وغسان فأخرجت يزيد ين أبي النمس وسفيان بن الأبرد من السجن» 
وجاء خالد وعبد الله ابنا يزيد ومعهما آخوالهما من كلب» فأخرجوا الوليد بن عتبة من 
السجن في اليوم الذي يعرف بيوم جيرون(“). 

. واشتدت اليمانية على الضحاك وأثقلوا عليه لتعريضه بيزيد بن معاوية ومحاولة 
النيل منه. واضطر الضحاك إلى التراجع عن موقفه المؤيد لابن الزبير استرضاءً 
للأمويين» ودعاهم للتوجه إلى الجابية ليختاروا خليفة منه). 

ويبدو أن عوانة انفرد بمعلوماته عن يوم جيرون» بما في ذلك دور حسان بن 
مالك في دفع الضحاك للكشف عن موقفه» وحصضور خالد بن يزيد ذلك اليوم ودوره في 
تهدئة الخواطر . 

أما بقية الروايات كروايتيي الواقدي والمدائني فلا تذكر شيئاً عن يوم جيرون» 
فيشير الواقدي (ت ۷١۲ه/۲۲*م)‏ إلى أن الضحاك كان يصلي بالجماعة «حتى 
يجتمع أمر أمة محمد»"“. ويشير المدائني (ت ١٠٠ه/۸۳۹ء)‏ إلى دور الضحاك 


(جاء في الطبري أن اسمه عمر بن يزيد الحكمي»› انظر الطبريء تاریخ› ج ص۳۳٥).‏ 


1۸ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸-1۷ - كانون الثاني _ حزيران _ ۱۹۹۹ غيداء خزنة كاتبي 


مجلة دراسات تاريخية - عاد ل و ج ت 


في إقناع مروان ليكون رسوله ببيعة أهل الشام إلى ابن الزبيرء وإلى اعتذار الضحاك 
لبني أمية عندما انتشر هذا الأمرء ودعوتهم للنزول إلى الجابية «ليستخلفوا رجلا 
منهم»(“). 

وتتحدث الروايات عن لمتحرك إلى الجابية واتجاهات القوى الرئيسية فيهاء 
وتطالعنا هنا أخبار عوانة بن الحكم (ت ١٤٠ه/٤‏ ١۷م)ء‏ وقد وردت في البسلاذري 
والطبري مع بعض الاختلاف في المحتوى. ۰ 

يذكر عوانة -كما جاء في البلاذري- أن الضحاك وبني أمية وأهل دمشق عزموا 
على التوجه إلى الجابيةء وفي هذه الأثناء جاء ثور .بن معن بن يزيد السلمي إلى 
الضحاك فقال له: «عجباً لك دعوتنا إلى طاعة رجل” فبايعناك ثم أنت الآن تسير إلى 
کک تان اکد دو ررد وی می فر ا 
الضحاك: فما الرأي؟ قال أن تظهر ما كنا نستره من بيعة ابن الزبيرء ونقائل علسى 
طاعته» فسار الضحاك بمن معه إلى مرج راهط وأظهر بيعة ابن الزبير('“. 

وتجمع الأمويون - في رواية عوائة - مع أنصارهم من اليمانية في الجابيةء وقدم 
حسان بن مالك بن بحدل الكلبي إلى الجابية من الأردن. وتباينت الأهواء في الجابيةء 
فمال مالك بن هبيرة السكوني إلى أن تكون الخلافة في بني يزيد بن معاوية» ومال 
الحصين بن نمير السكوني إلى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم» وحاول مالك بن 
هبيرة إقناع الحصين بوجهة نظره قائلأ«هلم نبايع خالد بن يزيد فقد عرفت منزلتنا 
کانت من أبيه»» فقال الحصين: «لا والل لا يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي» فقال 
مالك: 

«ويحك إن مروان وآل مروان يحسدونك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة 


تستظل بهاء ومروان أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة وإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم» 


(الإشارة في رواية عوانة في الطبري إلى ابن الزبير؛ الطبري؛ تاریخ» ج٥‏ ص۳۳٥).‏ 


۹۹ 


انتقال الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


ولكن عليكم بابن أختكم خالد. فقال حصين: «مروان شيخ قريش والطالب بدم الخليفة 
المظلوم وهو يدبرنا ويسوسنا ولا يحتاج إلى أن ندبره ونسوسه»؛ وغيره يحتاج إلى أن 
یدبر ویساس»(). 

ويذكر عوانة أنه طرحت في الجابية أسماء أخرىء» فذكرم بعضهم عبد الله بن عمرء 
فاعترض عليه روح بن زنباع لضعفه وقال «إنكم تذكرون عبد الله بن عمر بن 
الخطاب وصحبته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقدمه في الإسلام» وهو كما 
تذكرون» ولكن ابن عمر رجل ضعيف وليس بصاحب أمة محمد الضعيف». وذكر 
اسم عبد الله بن .الزبير ابن ا الله وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات 
النطاقين» ولكنه استبعد لأنه -من وجهة نظر روح بن زنباع- «منافق خلع خليفتين: 
يزيد وابنه معاوية بن يزيد» وسفك الدماء وشق عصا المسلمين ۰۰ ودافع روح عن 
حق مروان في الخلافة لأنه حسب قوله ما كان «في الإسلام صدع قط إلا كان مروان 
ممن يشعب ذلك الصدع؛ وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم 
الدارء والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل» فبايعوه وبايعوا من بعده عمرو بن 
سعيد الأشدق وخالد بن يزيد ابن معاوية. يتضح من رواية عوانة أن القيسية دفعت 
الضحاك بن قيس الفهري إلى إعلان ولائه لابن الزبير. وأنه لم يكن هناك إجماع على 
مرشح من الأمويينء ولكن النقاش انتهى إلى الاتفاق على مروان أولاء ومن بعده على 
خالد بن يزيد وعمر بن سعيدء وفي هذا ترضية للبيوت الرئيسة الثلاثة للأمويين. 

وتؤيد رواية المدائني (١٠٠ه/۸۳۹م)‏ ما جاء في رواية عوانة عن ضغط 
القيسية على الضحاك لإظهار بيعة ابن الزبير”. وتشير إلى النقاش بين حسان بن 
مالك الذي يرشح خالد بن يزيدء وبين الذين يرشحون مروانء فيذكر أن حسان اجتمع 
في الجابية إلى وجوه اليمانية ومنهم: الحصين بن نمير السكوني» ومالك بن هبيرة 
السكوني» وروح بن زنباع الجذامي» وزمل بن عمرو العذري» وعبد الله بن عضاه 
الأشعري» وأبو كبشة حيويل بن يسار السكسكي لعرض وجهة نظره» كما اجتمع إلى 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني _ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ غيداء خزنة کاتبي 
که صصص 


شخصيات أموية مثل مروان بن الحكم وخالد بن يزيد وعمرو بن سعيد الأشدق 
وغیرهم من الأمويين. وأشار إلى ما دار من نقاش فذكر أن ابن عضا الأشعري 
اعترض على ترشيح خالد ابن يزيد لصغر سنه» فقال حسان «إنه معدن الملك ومقر 
السياسة والرئاسة» لكن ابن عضاه لم يقتنع بذلك» وقرر هو وجماعة من وجوه اليمانية 
التأكد من أهلية كل من خالد بن يزيد ومروان بن الحكم للخلافة. 

فأهبةا إلى خاد بن يزيد فر جدوء تاثا متضخحا هال قوم اتجل اورا 
أغراضاً للألسنة والسهام بهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة؟ وإنما صاحب هذا 
الأمر المجد المشمر الحازم المتيقظ». ثم جاؤوا إلى مروان فوجدوه مستعداً بأدوات 
الحرب والمصحف بين يديه يقرأ القرآنء فعلق ابن عضاه «ياقوم هذا صاحبنا الذي 
يصلح له الأمرء وهو ابن عم عثمان أمير المؤمنين وشيخ قريش وسنها». 

وعندئذٍ رجعوا إلى حسان ليخبروه بما رأوا من خالد ومروان»ء «واعلموه إنهم 
مجمعون على مروان لأنه كبير قريش وسنها». فقال ابن بحدل: «رأي لرأيكم تبع» 
إنما كرهت أن تعدل الخلافة إلى ابن الزبير وتخرج من أهل هذا البيست»»ء ووقف 
خطيباً وذكر مروان فقال «هو كبير قريش وسنهاء وابن عم الخليفة المظلوم والطالب 
بدمه مثل الئاس أجمعين» فبايعوه... فهو أولى بميراث عثمان وأحق بالأمر من الملحد 
ابن الزبير الذي خلع الخلافة وجاهر الله بالمعصية». 

وعندئذ بايعوه «والتفت إليه بنو أمية فقالوا: الحمد له الذي لم يخرجها منا»“. 

يلفت النظر هنا موقف حسان بن مالك بن بحدل» فقد سبق وأظهر البيعة لابن أخته 
خالد بن يزيد في الأردنء ولكن أهل الأردن لم يروا البيعة للصغار؛ وذلك قبل المسير 
إلى الجابيةء كما أشار في روايته إلى أن مروان لم يكن يفكر بالخلافة عند الوصول 
للجابيةء وهذا ما تنقضه المناقشات في دمشق كما جاء من قبل. والمهم في رواية 
المدائني أنها أكدت أن حسان بن مالك وافق في الجابية على البيعة لمروان بتأثير ابن 


۷1 


انتقال الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


عضاه الأشعري ووجوه اليمانية إضافة إلى الأمويين. وهذا يشعر بحرص الأمويين 
ومؤيديهم على أن تبقى الخلافة فيهم دون التقيد ببيت «الحمد لله الذي لم يخرجها منا». 

ويورد مؤلف النقائض معلومات مشابهة لمعلومات عوانةء عن دور حسان بسن 
مالك وبني أمية في الجابية ولكن دون تفصيل» ثم عن موقف الضحاك والقيسية مسن 
ابن الزبير (°. 

يلاحظ هنا ضغط القيسية على الضحاك للبيعة لابن الزبيرء في حين كان اتجاه 
اليمانية نحو مروان» واليمانية هم أهل الشام قبل الفتح» أما القيسية فهم حديثو عهد 
بالشام» والأولون أحرص على أن يبقى السلطان في الشام» كما أن جماعة دمشق 
أرسلوا إلى حسان بن مالك وجماعته ليأتوا إلى الجابية. ولكن الضحاك دفع من 
أنصاره القيسية إلى تغيير موقفه والإعلان لابن الزبيرء ومن ثم الذهاب إلى مرج 
راهط. ووافى حسان وجماعته إلى الجابيةء وهناك وبعد نقاش تم الاتفاق على اختيار 
مروان خاصة وأن أهل الأردن لم يرتاحوا لتسمية الصغارء على أن يخلف مروان 
خالد بن يزيد بن معاويةء وعمرو بن سعيدء وفي هذا ترضية للفروع الأموية الثلاثة. 

بويع مروان بالجابية يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة (٤“هجرية)(ء‏ 
الموافق ۲۲ حزيران ٤1۸م".وسار‏ بمن معه من بني أمية وأتباعهم من الجابية إلى 
مرج راهط لمحاربة الضحاك بن قيس الفهري. 

يذكر عوانة بن الحكم (ت ٤۷١ه/٤٠۷م)‏ أن مروان «نزل مرج راهط على 
الضحاك في أهل الأردن من كلب» وأتته السكاسك والسكون وغسان»ء وربع حسان بن 
مالك بن بحدل إلى الأردن»*. 

وتنسب إلى مروان أبيات من الشعر ° قالها يوم مرج راهط('"ء ر فيها القبائل 
التي كانت معه وهي: غسان وكلب والسكاسك ومذحج والقين وتنوخ وطي('. 


ويذكر أبو مخنف (ت ۷١٠ه/٤۷۷م)‏ أن مروان كان في ستة آلاف"ء في حين 


Y۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ . كانون الثاني ۔ حزیران ۱۹۹۹٩‏ غيداء خزنة كاتبي 
د ت ا 


يذكر المدائني (ت ۲۲۰ ه/۸۳۹م) أن اليمانية الذين ساروا مع مروان إلى مرج 
ااا خر ةا 

ويذكر مؤلف النقائض أن بني أمية خرجوا من دمشق ومعهم السكاسك وعنس 
وأفناء اليمن وقضاعة جل الناس»ء وعشرة آلاف رجل من موالي معاوية» حتى وافوا 
حسان بن مالك بن بحدل بالجابية". ثم يفصل في قوات مروان بعد بيعته في 
الجابيةء فقد عسكر مروان «ومعه هذه القبائل من اليمن والسكاسك وعنس وشعبان(من 
همدان)» وکلب وغسان وموالي معاويةء وليس معه من قيس إلا ثلاشة نفر ...»° 
ويضيف أن مروان كتب إلى أهل الأردن فأتاه يزيد بن شجرة الرهاوي في أربعسة 
آلاف رجل جلهم من مذحج» وأكثرهم بعد مذحج القين» فلما قدم هؤلاء وقدم عليه ما 
أمده به يزيد بن أبي النمس الغساني من مال دمشق والخزائن عز مروان وكثف 
افرع 

وكان يزيد بن أبي النمس الغساني قد ثار بأهل دمشق وعبيدهاء فتغلب على دمشق 
واستولى على بيت المال» وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح". 

أما الضحاك بن قيس الفهري فجل قوته قيس» ويرد ذكر سليم وعامر وذبيان 
(غطفان) بين القبائل التي كثرت قتلاهال"ء وينتظر آن يکون بينهم ناس من جذام ِ 
(قبيلة ناتل بن قيس) وبعض لخم ومركزهم فلسطين. 

ويذكر عوانة بن الحكم (ت ١٤٠ه/٤11م)‏ أن الضحاك جاء إلى مرج راهط 
«وأظهر البيعة لابن الزبير وخلع بني أمية...» وكتب إلى أمراء الأجناد يستمدهم» 
وكانوا على طاعة ابن الزبيرء فأمده النعمان وكان على حمص بشرحبيل بن ذي 
الكلاع» وأمده زفر وكان على قنسرين بأهل قنسرين وأمده ناتل وكان على فلس طين 
بأهل فلسطين فاجتمعوا في مرج راهطا'". 

ويشير المدائني (١۲۲ه/۸۳۹م)‏ إلى أن أعداد اليمانية الذين كانوا مع الضحاك 
قد بلغ نحو ثلاثين ألفاً".ويبدو في هذا الرقم مبالغة واضحة إلا إذا كانت الإشارة إلى 
أعداد المقاتلة في كلا الطرفين. 


AJ 


انتقال الخلافة من السغيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


ويعطي مؤلف النقائض معلومات إضافية عن الإمدادات للضحاك» فيذكر أن نائل 
بن قيس الجذامي وجه ابنه في ألفين من أهل فلسطينء ووجه النعمان بن بشير إليه ابن 
أبي شمر الألهاني في ألفينء وأمده زفر بن الحارث بطريف بن حسان في 
ألفين...»('". 

ودارت معارك بين مروان والضحاك عشرين ليلةء هزم بنهايتها الضحاك سنة 
؛“ه/ ٤1۸م‏ وقتل ثمانون من الأشراف. وكانت الخسارة كبيرة في الجانبينء 
ولكنها ضخمة في القيسية. 

وكانت مرج راهط أول مجابهة عامة بين القيسية واليمانية أورثت الحزازات 
والأحقادء قال زفر بن الحارث الكلابي: 


فقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا 
أتذهب كلب لم تتلها رماحنا وتترك قتلى راهط هي مها هيا 
لعمري لقد أبقت وقيعة رامط لحان سا بنا ما ١0‏ 


وكانت مرج راهط بداية التكتلات القبلية بين قيس ويمن» وتحول العصبية القبليية 
إلى عصبية سياسيةء ولكن هناك أساس يكشف عن عدم وجود مفهوم دولة مع وجود 
الخلافات القبلية والتكتلات. 

وربما كان من صالح الأمويين أن تنشغل القبائل فيما بينها وأن يقفوا هم فوق 
الخلاف» ولكن الخلفاء الأمويين انجرّوا في دوامة العصبية القبلية. 
الأمويين دون الالتزام ببيت كما أراد معاوية بن أبي سفيان» وجاء مروان بن الحكم 
إلى دمشق» فبايعه الناس بيعة عامة في محرم سنة ٠٠ء‏ الموافق آب سنة 
4 


V/s 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ غيداء خزنة کاتبي 
س eee‏ ا 


خلاو 


حاول الباحث أن يرسم تسلسل الأحداث» والظروف المحيطة بهاء للتوصل إلى اختيار 
مروان بن الحكم للخلافةء من خلال الإحاطة بالروايات المتعلقة بالموضوع وتحليلها لإعطاء 
فكرة شاملة عنه. 

ويتبين من البحث أن الصراع بدأ بعد وفاة يزيد بن معاويةء بين الحجاز والشام أو بين 
أبناء المهاجرين الأولين وأرستقراطية قريش» هذا كله في جو استعلاء وارتفاع موجة العصبية 
القبلية بالنسبة للقبائل والأمصار. 

ويركز البحث على المفاهيم والأسس التي اتخذت في اختيار مروان بن الحكم» من حيسث 
السن» والتجربةء والخدمة السابقةء والثبات على الموقف؛ هذا إضافة إلى التمسك بالمبادئ 


الإسلامية. 
وهذا يعني أن مفهوم الوراثة المباشرة لم يتركز» بل كان الاتجاه إلى تركيز مبدا الأفضل 
والأصلح من بني أمية ليتولى الخلافة. 


فالتأكيد كان على حفظ الخلافة في بني أمية واستمرار السلطة فيهم دون التزام بآل أبسي 
سفيان» هذا إلى رفض محاولة نقل الخلافة إلى مركز آخر غير الشامء وهكذا اختير الخليففة 
من الفرع الثاني للأمويين. 

ويتبين من موقف القبائل في الشام» أن الأحداث أدت إلى أول تمحور بين القبائل اليمائية 
والقبائل القيسية» نتيجة المواجهة المسلحة بين مروان بن الحكم والضحاك بن قيس الفهري»› 
فقد التف اليمانية في الأخير حول مروان في حين أخذ القيسية جانب الضحاك وابن الزبير. 

ويذكر هنا أن اليمانية كانوا في الشام قبل الفتح» وأن أكثر القادمين الجدد مع الفتح وبعمده 
كانوا يمانية» في حين يغلب على القيسية حداثة مجيئهم إلى الشام مع الفتح وبعده. 

وكأن الصراع صار بين القدماء (اليمانية) وبين القادمين الجدد( القيسية). 

هذا وتكشفت الأحداث عن عدم وجود مفهوم دولة بوجود الخلافات والتكتلات القبلية. 


انتقال الخلافة من السغيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


2 


الحواشي 


البلاذريء أحمد بن یحیی بن جابر (ت 11/۹ ^م( 

أنساب الأشراف» (۱۳) جزءاء حققه وقدم له سهیل زکار» راض زرکلي» 
إشراف مكتسب البحوث والدراسات في دار الفكرء طاء بيروت» 
۷ ه/۱۹۹1م. ج٥‏ ص۲۳. 


وسيشار إليه على النحو التالي: البلاذري» أنساب. 

الطبري» أبو جعفر» محمد بن جرير (ت ١٠۳ه/۹۲۲ء).‏ 

تاريخ الرسل والملوك» )١١(‏ جزءاء تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط٤»‏ 
دار المعارف» القاهرة» ۱۹۷۹م» ج٥‏ ص‌۲۹". 

وسيشار إليه على النحو التالي: الطبري» تاريخ. 

الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص۳۰۸. 

الدوري» عبد العزيز. 

مقدمة في تاريخ صدر الإسلامء ط۴ دار المشرق»ء ٤۱۹۸م»‏ ص٠٠.‏ 

وسيشار إليه على النحو التالي: الدوري» مقدمة. 

البلاذريء أنسابء ج٦‏ ص۰٦۲‏ . 

تمام» ان بن اوس (ت ۲۳۱ ه/٥٤۸م)‏ 

نقائض جرير والأخطل» عني بطبعها لأول مرة عن نسخة الأستانة الوحيدة 


وعلق حواشيها الأب أنطون صالحاني اليسوعي» المطبعة الكاثوليكيةء بيروت» 


۷٦ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ غيداء خزنة کاتبي 
ae e n‏ 


وسيشار إليه على النحو التالي: أبو تمام» النقائض. 
-٦‏ انظر: الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص۳۰۲ »۳۰٤-‏ ۳۲۳-۳۲۲. 
۷- المصدر نفسهء ج٥‏ ص ۳٤۹-۳٤۷‏ ۳۹۰-۳۸۲. 
۸- المصدر نفسه» ج٥‏ ص .٤١٦-٤۷١٤‏ 
۹- المصدر نفسه»ء ج٥‏ ص٤ .٤۹‏ 
-٠١‏ أبو تمام» النقائض»› ص٤ .١‏ 
-١‏ البلاذري» أنساب» ج٥‏ ص١۸".‏ 
۲- المصدر نفسه» ج ص۰-۳۷۹٠۳۸.‏ 
۳- المصدر نفسه» أنساب» جه ص۳۷۹. وانظر الطبري» تاريخ» ج٥‏ ص۳ .٠٠‏ 
أبو تمامء النقائض» ص!٠.‏ 
-١ ٤‏ الخطيب التبريزي» أبو زكريا يحيى بن علي بن محمد الشيباني (ت ١٠٠ه/‏ 
21۹( 
شرح ديوان أشعار الحماسة التي اختارها من أشعار العرب العرباءء أبو تمام 
حبيب بن أوس الطائي» جزءان في جزء واحد» المكتبة الأزهريةء 
1هھهھ/۱۹۲۷م» ج۲ ص٩1.‏ 
وسيشار إليه على النحو التالي: الخطيب التبريزي» الحماسة. 
-٥‏ البلاذري» أنساب» ج٥‏ ص۳"۷۹. 
-٣‏ الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص۳۰٥-۲۱٥.‏ 
۷- الزركليء خب الدينء الأعلام» (۸) أجزاءء طة» دار العلم للملايينء ٤۱۹۸م»‏ 


1 ٩۹٩ص‎ ٣ج‎ 


44 


أنتقال الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


وسيشار إليه على النحو التالي: الزركلي» الأعلام. 

۸- البلاذري» أنساب» ج٥‏ ص۳۸۲. 

۹- أبو تمام» النقائض» ص"1. 

۰« البلاذري» أنساب» ج٥‏ ص ۳۸۲. 

.٥۳۱ الطبري» تاریخ»› ج٥ ص‎ -١ 

۲- البلاذري» أنساب» ج٦‏ ص۳٦۲-٤٠۲.‏ الطبراي» تاريخ» ج٥‏ ص .٥۳١‏ 

۳- انظر الطبري» تاريخ» ج٥‏ ص٠۳٥.‏ 

.٥٠ص‎ ٥ج المصدر نفسه» تاريخ»‎ -٤ 

.٠١۹-۲۰۸‌ص‎ ٦ج البلاذري» آنساب»‎ -٥ 

-٦‏ أبو الفرج الأصفهانيء علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم البغدادي (ت 
۹٥٣ھ/‏ ٦1م(‏ 
كتاب الأغاني» )۲٤(‏ جزءاء دار إحياء التراث؛العربي» بیروت» ۳٩۹١يى‏ 
ج۱۹ ص٩۱۹‏ . 
وسيشار إليه على النحو التالي: أيو الفرج الأصفهاني» الأغاني. 

۷- أبو تمام» النقائض» ص١٠.‏ 

۸- المصدر نفسه» ص١١.‏ 

۹- المصدر نفسه» ص1. 

.٤۸٦-٤۸ ٩ص الطبري» تاریخ» ج‎ -٠ 

١۱ح‏ فلهوزن»؛ يوليوس 


تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأمويةء نقله عن 


Y۸ 


مجلة دراسات تاأريخية ۔ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ غيداء خزنة کاتبي 


الألمانية وعلق عليه محمد عبد الهادي أبو ريدة. راجع الترجمة حسين مؤنس» 
لجنة التأليف والترجمة والنشرء القاهرة» ۸١۹١م»‏ ص .٠١۷‏ 


وسيشار إليه إلى النحو التالي: فلهوزن؛ تاريخ الدولة العربية. 
وانظر عاقل» نبیه 
خلافة بني أميةء ط۳ دار الفکر» ٤‏ ۱۳۹ ه/٥۱۹۷م»‏ ص۲١٠.‏ 
وسيشار إليه على النحو التالي: عاقلء خلافة بني أمية. 

۲- البلاذري» أنساب» ج٦‏ ص٤ .۲٠‏ الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص .٥۳۲-١۳۱‏ 

.۲٥۹ص‎ ٦ج البلاذري» أنساب»‎ -٣۳ 

. ٠١١۲ص أبو تمام» النقائض»‎ -٤ 

.۲۷١ البلاذري» أنساب» ج٦ ص۲۷۲‎ -٥ 

. ٥۳۰ص‎ ٥ج الطبري» تاریخ»‎ -٦ 

۷ - المصدر نفسه» ص٤‏ °۳. 

۸- ابو الفرج الأصفهانيء الأغاني» ج۱۹٠‏ ص١۹٠.‏ 

۹- البلاذري» أنساب» ج٦‏ ص ۲۷۸. 

-٠‏ أبو تمام النقائض» ص"1, ١ء‏ وانظر الخطيب التبريزي» الحماسةء ج۲ 
ص 1۸. 

-١‏ أبو تمام» النقائض» ص"1. 

۲- المصدر نفسه» ص٠.‏ 

۳- يذکر مؤلف اللقائطن في ارواية له عن اهام الكلبي أن فضالة قدم على ابن 
الزبير فلم يعطه شيئًأء فقال شعراً يهجو ابن الزبير ويمدح كرم بني أميةء 


انتقال الخلافة من السفيانيين إلى المروانيين "قراءة في الروايات" 


انظر: أبو تمام» النقائض» ص .٠٤-١۳‏ 
ات الو حه س 
-٥‏ البلاذري» نساب ج٦‏ ص٤ ۲٠٠-۲٠‏ الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص ۳۲٠-٠٠ه٠.‏ 
-٦‏ البلاذري» أنساب» ج٦‏ ص .۲٠٠-۲٠١‏ الطبري» تاريخ» ج٥٠‏ ص۳۳٥.‏ 
۷ - الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص .°٠٠‏ 
۸- أبو الفرج الأصفهاني» الأغاتي» ج۱۹ ص٩۱۹-٦۹١٠.‏ 
-٩۹‏ آبو تمام» النقائض› .٠١‏ 
۰- البلاذري» أنساب» ج٦‏ ص٦٠۲.‏ الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص .٠٠٤-٥۳۳‏ 
-١‏ المصدر نفسهء» ج ص٦٦۷-۲٠۲.‏ المصدر نفسه» ج٥‏ ص٥٠٥-٦٠٠.‏ 
۲- المصدر نفسهء ج٦‏ ص۷٦٠۲.‏ المصدر نفسه» ج٥‏ ص ١١۴١٠-۷١ه٥.‏ 
-٣‏ آبو الفرج الأصفهاني» الأغاتي» ج1۹ ص٦۹٠.‏ 
٤‏ - البلاذري» انساب» ج٦‏ ص۹٥۰-۲٠۲.‏ 
-٥‏ أبو تمام» النقائض» ص١٠.‏ الخطيب التبريزي» الحماسة» ج۲ ص1۸. 
-١‏ البلاذري» أنساب ج٦‏ ص۲۷۳. الطبري» تاريخ» ج٥‏ ص٤۳ .٠‏ 
۷- فلهوزن» تاريخ الدولة العربيةء ص ۱۷۸. ` 
۸- الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص°۳۷٥.‏ 


۹~ قالها مروان لما بويع وقوي أمرهء أنظر الطبري»› تاریخ»› ج٥‏ ص۳۸٥۰‏ أ کو 


۰- البلاذري» أنساب ج٦‏ ص۲۷۱. 


۱- الب آذری» انساب» ج ٦ص۰۲۷۱‏ الطبریء تاریخ جد س .٥۳۸‏ ویحذف موؤ۔ . 
ر2 ج ص يء داریج ج .س ود مو 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ غيداء خزنة كاتبي 
هه 


النقائض طي وتنوخ» انظر آبو تمام» النقائض» ص۷٠.‏ 
۲- الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص۳۹٥.‏ 
۳- أبو الفرج الأصفهاني» الأغاني» ج۹٠‏ ص .٠١١‏ 
-٦ ٤‏ أبو تمام» النقائض» ص١°٠.‏ 
-٥‏ المصدر نفسه» ص١٠.‏ 
- المصدر نفسه» ص۷٠.‏ 
۷- الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص۳۷٥‏ . 
۸- المصدر نفسه» ج٥‏ ص٤ .٥°‏ 
-٩۹‏ المصدر نفسه» ج٥‏ ص ۰۲۰۹. 
-٠‏ ابو الفرج الأصفهاني» الأغاني» ج۹٠‏ ص٦۹٠.‏ 
-١‏ أبو تمام» النقائض» ص°٠.‏ ) 
۲- البلاذري» أنساب» ج٦‏ ص ۲1۹» الطبري» تاريخ» ج٥‏ ص۳۷٥.‏ 
۳- الطبري» تاریخ» ج٥‏ ص٤٤ .٥‏ 
٤‏ - المصدر نفسه» ج٥‏ ص .٠٤‏ 


.٠۷١۸ص فلهوزن» تاريخ الدولة العربيةء‎ -٥ 


۸۱ م٠‏ مجلة دراسات تاريخية 


تاریخ الفكر الغلہی الیونانج وأترے علد الفكر 
الغربي الإسامي 


«من القرن )/٠-۹(‏ میلاد کے» 


الدكتور إبراهيم رزوق 
قسم الفلسفة . جامعة تشرين 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


A 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-7۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 
e Db‏ 


تاريخ الفكر الحلمي اليوناني وأثره على الفكر الحربي الإسلامي 


«من القرن ر۱۰۹ میلادي» 
مقد مة: 


يهدف هذا البحث إلى إلقاء الضوء على جذور الفكر العلمي المادي الطبيعي عند 
اليونانيين القدماء وأثره على الفكر العلمي العربي- الإسلامي» في القرون الوسطى› 
والدور الذي قام به العرب في تمثل واستيعاب العلوم اليونانية «علوم الأوائل» ومن ثم 
نقدها وتطويرهاء وبالتالي الإبداع فيها بما يكفي لسد الحاجات المتزايدة للإمبراطورية 
الإسلامية الجديدة. فبالرغم من أن الإغريق أخذوا الكثير من المعارف والخبرات من 
الحضارات القديمةء من مصر وبابل وبلاد الشام وفارس» إلا أن الفضل الأساسي يعود 
إليهم في وضع المنهج العلمي الصحيح» فهم الذين أعطوا الإنسانية مثل الفلسفة والتأمل 
الفلسفي» حتى أن كل فيلسوف ومصلح اجتماعي جاء بعدهم مازال ينهل من ينابيع 
سقراط وآفلاطون وأرسطو. 

فطالس الملطي الأيوني هو أول من استطاع تكوين نظرة كونية شاملةء وأول من 
حاول تفسير الكون المحيط بنا بأسبابه الطبيعيةء «الماء هي المادة الأصلية التي ينشا 
عنها كل شئ ويعود إليها كل شيء». والفيثاغوريون هم أول من استخدم لغة الأعدادء 
في تفسير الكون المحيط بناء وكان ذلك إيذانا» بميلاد لغة العلم الحديث القائمة على 
التكميم» حيث كانوا يعتقدون بأنه يمكن تفسير جميع ظواهر الطبيعة بدلالة العلاقات 
العددية. ولا شك أن التلاحق بين الثقافة اليونانية القديمة والعربية الإسلامية والتفسير 
الساذج والبسيط لظاهرة حركة نقل العلوم من اليونانيين إلى العرب الذي درج عليه 
المؤرخون منذ «ابن النديم» والذي يربط تلك الظاهرة «بمنام المأمون» الذي رأى فيه 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلادي" 


أرسطوء والذي كان دافعاً أساسياً لنقل العلوم اليونانية إلى العرب» يعتبر تفسيراً ذاتياً 
بسيطاً ولا يعكس حقيقة الظاهرة المعقدةء حيث أهمل حركة التاريخ وما خلفققه من 
ضروريات اجتماعية وتفاعلات فكرية وحاجات ضروريةء كانت وراء عقد الصلة 
بصورة موضوعية بين الفكر العربي الإسلامي والفكر اليوناني. 

فالعلم هو نتاج ثقافي لحضارة معينة» وهو لا يظهر ويتطور إلإاضمن مجتمع 
وصل إلى مرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي والاجتماعي» والشيء الهام الذي 
يجعل انبثاق العلم في هذا المجتمع في لحظة تاريخية معينة هو حاجة موضوعية 
وليس اختيارأً ذاتيا وأنه تعبير عن الحاجة إلى معرفة علمية تؤدي إلى فهم أكبر 
لظواهر الطبيعة. فالنكر العربي - الإسلامي تأثر بالفكر الإغريقيء ولكنه لم ينقل العلم 


الإغريقي نقلاً حرفياًء بل أعاده إلى الحياة من جديد بعد هضمه ومزجه بالقافة 
الإسلامية. 


فالعرب لم يكتفوا بالترجمة والشرح والتفسير لعلوم اليونان «علوم الأوائل». بل 
قاموا بتمثيل واستيعاب هذه العلوم» ونقدها والتشكيك بهاء وبالتالي تطويرهاء والإبداع 
فيها بما يخدم الحاجات المتزايدة للإمبراطورية الإسلامية الجديدة. 

فعصرنا الذي نعيشه هو عصر التحوّلء عصر الانتقال من تقافة» الكلمة» إلى 
ثقافة العلم المؤدي إلى عملء عمل في دنيا الصناعة الآلية الحديثة. 

فطريقة التحوّل من تخلف إلى عصرية يتمثل بانتقالنا من» معرفة» قوامها الكلام 
إلى « معرفة» قوامها الآلة التي تصنع. 

فنحن العرب نملك إرثا ثقافيا فكرياً غنياً ومتطورأ فمن منا لا يعتز باشتراكية أبي 
الذر الغفاري وعلي بن أبي طالب والقرامطةء وعقلانية المعتزلة ومادية ابن سينا وابن 
رشد» وطروحات ابن خلدون المادية والتاريخية وديالكتيك «إخوان الصفا» وغيرهم 
من المفكرين القائلين بالتطور. ولكي نتطور ونقلص الفوارق العلمية بين أمتنا العربية 


۸٦ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ إبراهيم رزوق 


والأمم الأخرى يجب أن نحتك بكافة الثقافات والحضارات القائمة كما فمل أجدادنا 
قدیماء نأخذ منها العلوم والمعارف التي تناسبنا وتسهم في تطورنا بجهودنا وعقولنا 
التي أثبتت أنها متفوقة في كل شئ عندما يحسن استخدامها. فنحن العرب نظرتنا إلى 
الحياة ديناميكيةء نظرة من يؤمن أن المعرفة الإنسانية في تزايد وتطور دائم. 
أوة: محالم في تاريخ الفكر المادي »الطبيحي « اليوناني القديم. 

إن البحث عن المعرفة قديم قدم التاريخ البشري» فمع بداية التجمى الاجتمساعي 
واستخدام الأدوات من أجل مزيد من الإرضاء للحاجات اليومية نشأت الرغبة في 
المعرفةء مادامت المعرفة لا تنفصل عن السيطرة على موضوعات بيئتنا من أجل 
تسخيرها لخدمتنا. فالعقل البشري لا يتوقف عند الحدود التي يعرفها بل يحاول أن 
يتعداها ليتعمق في معرفة جوهر الأشياء وطبيعتها. فهو في حركة مستمرة للوصول 
إلى الحقيقة المطلقة. 

ومنذ القديم حاول الإنسان قهر الطبيعة والسيطرة عليها من خلال معرفته لقو انينهاء 
لكن الإنسان لا يستطيع أن يمارس تأثيره المادي على الطبيعة إلا إذا نشأت لديه 
معارف صحيحة عنها(). 

وإذا كانت الطبيعة هي موضوع المعرفة الإنسانية بالدرجة الأولى» فهذه الطبيعهة 
صنعها الإنسان أو بدل معالمهاء لذلك فإن الصراع النشيط الفاعل مع الطبيعة يعمد 
شرطا لمعرفتها. 

ومعرفتها بالتالي تتطلب صياغة قوانين موضوعية تمكن الإنسان من التحكم بهاء 
لأن القوانين إمكانيات يخضع تحقيقها لتوافر شروط معينة). 

فالإنسان لا يعرف العالم من خلال التكيف البيولوجي مع الطبيعة بل يعرفه 
بالدرجة الأولى عندما يشرع بممارسة تأثيره العقلي عليها ويغيرها. والفكر الإغريقي 


AY 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي ”من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


كجزء من الفكر الإنساني لعب دورا أساسياً هاما في بناء الحضارة الفكرية الرفيعة 
الأولى.وعلى الرغم من آن الإغريق أخذوا الكثير من المعارف والخبرات من 
الحضارات القديمة» من مصر وبابل وبلاد الشام وفارس» إلا أن الفضل الأساسي يعود 
إليهم في وضع وصوغ المنهج العلمي» وفي تمييز العلم عن مجموعة الخبرات 
الإنسانية والمعارف الأخرى؛ فهم الذين أعطوا الإنسانية مثل الفلسفة والتأمل الفلسفي»ء 
حتى أن كل فيلسوف ومصلح اجتماعي جاء بعدهم ما زال ينهل من ينابيع سقراط 
وأفلاطون وأرسطو. إن هؤلاء الثلاثة مازالوا إلى اليوم رغم ما تبدى على مر القرون 
من نقائض فيهم وأوهام عندهم فلاسفة كل مجتمع متحضر. 

فمن المعروف أن أول من حاول تفسير الكون المحيط بنا تفسيرأ طبيعيا هم فلاسفة 
اليونان القدماء. فطالس الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد رد العالم إلى علة 
فة واخدة في الطاد ى لما عه هي الاد لأس التي يشا مها كل فب 
ويعود إليه كل شئ). 

فقد استطاع طالس الملطي الأيوني أن يؤلف نظرة كونية شاملة قائلا: بأن العالم 
مركب من مادة بسيطة تنمو وتتطور من تلقاء ذاتها وهي الماء(: 

فالفلاسفة الرياضيون اليونان كانوا علماء حقاء وهذا ما يتضح من أرصاد هم 
الحاذقة للسماءء ومن تأملاتهم التي لا تنتهي ومن ابتكاراتهم الرياضية. ومازلنا حتى 
تاريخه نقدر اليونانيين جداً لأعمالهم الهامة في الرياضيات وأرصاد هم الفلكية 
ومستوی تأملاتهہ. 

فرغم أن الرياضيات ليست فرعا من الفيزياء إلا أن الهندسة التي هي فرع مهم 
من الرياضيات والتي برح اليونانيون فيها لها صلة وثيقة بالفيزياءء وإن أهمية الهندسة 
للفيزياء تأتي من أن قوانين حركة الأجسام لا يمكن التعبير عنها إلا في سياق هندسي 


A^ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸.1۷ _ كانون الثاني ۔ حزيران ۔ ۱۹۹۹ إبراهيم رزوق 


واليونانيون القدماء لم يعرفوا سوى الهندسة الأقليد e‏ 
إسهامات اقليدس وحده» بل أسهم فيها أيضاً فیثاغورث وأود کسوس( 

اذ سس فیثاغورث ٤۸۰-٥٦۰(‏ ق.م) مدرسة للفلاسفة استمرت ما يقرب مسن 
مئتي عام وتركت أثرا عظيما في التفكير اليوناني. 

الفيثاغوريون هم أول من استخدم لغة الأعداد» في تفسير الكون المحيط وكان ذلك 
إيذاناً بميلاد لغة العلم الحديثة يثة القائمة على التكميم» وقد رأوا في العدد عنصراً عاما 
كلياء لم يعد مقصوراً على ميدان خاص من البحث» بل انبسط على الوجود بأسرء(“ 


والعدد عند الفیٹاغوریین کل شی» حیث کانوا يعتقدون بأنه يمكن تفسير جميع 
ظواهر الطبيعة بدلالة العلاقات العددية. وإن شهرة فيثاغورث تقوم اليوم على قانونه 
الهندسي أو نظريته الشهيرة «مربع الوتر في المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع 
بعي الضلعين الأخريين»» هذه النظرية التي سبقه إليها جقرون عديدة المصريون 
e‏ يستخدمون النسبةء ٠:٠:٥‏ :في تعيين الزاوية القائمة في هذا البناء( '. 
وقد جری تعمیم هذه العلاقة البسيطة التي أثبتها فيثاغورث في حالة المثلث القلئم . 
المستوي على أي عدد من الأبعاد وعلى الهندسة اللاقليدية أيضا وبتعميمها أصبحست 
أساساً لتأويل قوانين الطبيعة تأويلاً هندسياء بل إن نظرية فيثاغورث في صورتها 
الأكثر عمومية هي بالفعل نقطة البدء في نظرية النسبية عند أنشتاين وكذلك في جميع 
المحاولات الساعية إلى توحيد قوانين الطبيعة على أساس من تجليات الهندسة 
«الزمان دالمگان» '. 


فكرية أنجبت اا يعزى إليهم جل ما وصل e‏ الفلكر 


الإغريقي من الأعداد وأنواعها فردية وزوجيةء أولية ومركبةء ناقصة وزائدةء تاممة 


۸۹ 


تاریخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلادي" 


ومتحابة» ومن متواليات عددية وهندسية وتأليفية وتشكيليةء وغير ذلك مماهو 
معروف اليوم» الأسس الأولية لنظرية الأعداد والفحوى الجوهرية للمتو اليات". 

ونظرا لعظمة فيثاغورث ودوره في تطور الفكر الرياضي فقد وصفه هير اقليط 
بأنه على علم غزير وحكمة قليلةء أما هرودوتس فقد اعتبر فيشاغورث من أعظم 
فلاسفة الإغريق الأقدمين في حين أن أرسطو يروي عنه أقاصيص مسهبة يبدو أنه هو 
نفسه غير واثق من صحتها"'. 

أما اقليدس الذي عاش في الإسكندرية حوالي سنة (١٠٣ق.م)‏ فيعتبر أعظم 
رياضيي عصره ولعله أول من لقب بالرياضي. ومن أهم منجزاته کتاب وضعه في 
ثلاثة عشر جزءا سماه العرب كتاب الأصول أو المبادئ « واہعصم[ع »"). 


وقد جمع فيه معرفة اليونان كلها في الرياضيات» فكان تأثيره هائلا حتى أن 
الهندسة الثلاثية الأبعاد ظلت مقبولة لمئات السنين على أنها الهيكل الهندسي الصحيح 
الذي تصاغ في ضوئه قوانين الطبيعة. ولم يضعف شان الهندسة الاقليدية إلا عندما بدا 
اعتبار رياضيي القرن التاسع عشر أمثال» نیکو لاي لوباتشوفسکي» وجورج ریمان « 
بالتصدي لمسلمة اقليدس الخامسة التي تنص على أنه «من نقطة خارج مستقيم لا 
یمکن رسم سوی مستقیم واحد مواز له». وقد ادى نفي هذه البديهية إلى الانتقال ممن 
الهندسة الاقليدية إلى اللاقليدية الحديثة التي استنبط منها عدد من النظريات الحديثة في 
الهندسة0١.‏ 

وفي مجال الاهتمام بالظواهر الفيزيائية فقد کان ارخمیدس «۲۱۲-۲۸۷ ق.م» من 
بين جميع الفلاسفة اليونانبين الذين اهتموا بمعالجة هذه الظواهر حيث كان أجدرهم 
بالتقدير وأكثرهم اتصافا بما يعد اليوم من صفات العالم. وقد أمضى أرخميدس شطراً 
من شبابه في مصر يتعلم الرياضيات من تابعي اقليدس المباشرين ثم عاد بعد ذلك إلى 
موطنه سرقسطة وأمضى بقية حياته فيها(*. 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني _ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 
محل ذراسات اریت ۔ اعدد ا ا ر لو ا ر 


لقد كان أرخميدس مجرباً عظيماً ومخترعاً وتلميذاً حازقا للطبيعة وأكثر ما اشتهر 
به هو اكتشافه مبدأً « الطفو» المسمى باسمه كما أنه عرف على الأرجح قانئون 
انعكاس الضوء على المرايا في الهواءء» وبرهن على مهارته الرياضية عندما بين كيف 
يمكن استنتاج قيمة العدد الأصم «۲1» «بي» هندسياء «أي نسبة محيط الدائرة إلى 
قطرها « بأي دقة يرغب بها. وقد فعل ذلك بأن قارب محيط الدائرة إلى محيط مضلع 
منتظم مرسوم فيها أو عليها ثم زاد عدد أضلاع هذا المضلع زيادة مستمرة وساوى 
بين محيط هذا المضلع ومحيط الدائرة فحصل على سلسلة لانهائية لها للعدد»''. 


في حین أن ارسطو »"۲۲-۳۸٤«‏ ق.م» أشهر تلاميذ أفلاطظون الذي سبق 
أرخميدس بما يقرب من مائة عام» كان يعتقد بأن «الملاحظة» هي أساس دراسة 
العلم» مما دفعه إلى جمع المواد اللازمة لإقامة «متحف طبيعي ومكتبة للخرائط 
والمخطوطات»» بما في ذلك مقالاته الخاصة وآملي محاضراته. ونظم برنامجا 
للبحث» مهد السبل لتأسيس تاريخ الفلسفة اليونانية الطبيعية كلهاء بمافي ذلك 
الرياضيات والفلك والطب. وكانت الرياضيات في نظر أرسطو المفتاح الذي يقدم لنا 
نموذجا يحتذى فيه لتنظيم العلم» وهذا شعور ربما تكون لديه حين كان في أكاديمية 
أفلاطون» حيث كانت تدرس جديا الرياضيات والمناقشات الجدلية الموجهة نحو اختبار 
الفروض التي وضعها العقل. وكان أرسطو يرى إن بنية العلم هي نظام بديهي تستنتج 


«الفرضيات والتعاريف على غرار تعاريف اقليدس». وقد استحق أرسطو الثناء لما 
قدمه في البيولوجية من تصنيفات «نظام التصنيف» والذي ترك أثرأ عميقأ في تطور 
علم الحياة «البيولوجيا». كما أن مذهبه في العلل الذي وضعه ليفسر به آلية حدوث 
الظواهرء هذا المذهب اختصر العلل إلى أربع علل ماديةء صوريةء فاعلة»ء غائي” 
وكان أرسطو ملاحظاً ماهراء وهذا ما يتضح من خطط تصانيفه الحيويةء حيث ظا 
إسهاماته هذه حتى الآن صالحة وجذيرة بالاهتا". 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )١١-۹(‏ ميلادي" 


وبالرغم من أن معظم الفلاسفة اليونانيين حاولوا استخدام رياضيا تهم ليفهموا ما 
كانوا يتخيلون أنه بنية الكون «الهندسية» وتحيزهم للعمل الرياضي الفكري البحت « 
في مقابل تطبيقاته العملية» لم يمنع عددا من الفلكيين اليونانيين من أن يظهروا فائدة 
التقنيات الرياضية وتطبيقاتها العمليةء فقد أقدموا على حساب بعض الأشياء مثل قطر 
الأرض وعدد حبات الرمل حين ذاك» وقد كانت هذه الوقائع توحي بأن الرياضيات 
يمكن أن تكون عونا للفلكبين تزودهم بوسائل التعبير كما عن ظواهر فيزيائية 
منفص اة '). 

فبرغم من أن فيثاغورث وأتباعه وضعوا الأرض في مركز الكون» إلا أنهم 
صورها على أنها كرة تتحرك على محيط دائرة صغيرة كل ۲١‏ ساعة مرة. 

عد دل اء ارط و خوش الساموزي »٠-۳٠١«‏ ق.م» الذي يعد أول من قدم 
نظرية تقول بمركزية الشمس في الكون»ء وأول من قام بمحاولة جدية بقياس بعدي 
الشمس والقمر عن الأرض. ولا شك أن ك كهذه هي التي قادته في النهاية إلى 
نموذج مركزية الشمس في المنظومة الشمسية. وقد كان لهذا النموذج تأثير" كبير" على 
« كوبر نيق « الذي يمكن التحدث عنه على أنه أرسطرخوس الحديث . 

في حين أن «أبو لونيوس» البرجي «من 4ع۴۲» « »۲٠٠-۲٦۲‏ ق. م يعد أحد 
كبار الرياضيين الأوائلء الذي قضى معظم حياته في الإسكندريةء حيث طور هندسة 
حركات الكواكب الظاهرية التقهقرية التي أدخلها بَطليْمس بعدئذ بأسرها في نظريته 
عن مركز الأرض. كما كان لنظريته في القطوع المخروطية تأثيرها بعد ما يقرب من 
٠‏ عام في يوهانس كبلر «الذي رأى أن مدارات الكواكب حول الشمس هي 
مخروطة اق . 

وان ها انخز ةه الهندسي اليوناني العظيم «ايراتوستين الاسکندراني» ٠۹٤-۲۷٦١‏ 
ق.م. کان عظیما حيث تمكن من قياس محيط الأرض بدقة قريبة من المعطيات الحالية 
وهي »۲٤٥۰۰«‏ ف 


۹۲ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸-1۷ - كانون الثاني ۔ حزيران ٠3۹۹‏ إبراهيم رزوق 


ي 


في حین أن هبارخوس «۱۲۰-۱۹۰» ق-م كان أعظم الفلكيين اليونانيين الأوائلىء 
حيث مهتت أعماله الرصدية والنظرية لعمل بطليمس في كتابه «المجسطي»»ء الذي 
أصبح مرجع الفلكيين لمدة ٠٠٠١‏ عام ومن أشهر اكتشافات هبارخوس هي 
الاعتدالبين. الاعتدال الربيعي والخريفي. ومع أن هبارخوس كان أعظم راصد 
فلكي في العصر اليوناني القديم إلا أن عمله كان في طريقه إلى الضياع لولم يكتسب 
بطليموس )۱۷٠-٠٠١(‏ ب.م كتابه «المجسطي» الذي نقل من خلاله كافة الأعمال 
والمكتشفات الفلكية التي قام بها اليونان الأوائل. وإن أهمية هذا الكتاب لا تقوم على 
معلوماته الفلكية بقدر ما تقوم على منهجيته التي أدخلها في العلمء ألا وهي التوفيق بين 
الأرصاد المتأنية الدقيقة والرياضيات» ومما يشهد على مهارة بطليموس الرياضية 
العظيمة وقوة حجته وتفكيره أنه ما من أحد استطاع أن يعرض طريقة أفضل من 
طريقته التي اعتمدها «طريقة دوائر التدوير لتفسير حركة الكواكب» وأن طريقته في 
تت التخر ار الل بوا ك كاد 02029 

ويعد جالينوس(۱۹۹) م: نهاية تلك الفترة العلمية الطبيعية الخصبةء ومكانته في 
الطب تماثل مكانة بطليموس في الفلك والجغرافية. وقد تأسست شهرته من خلال 
اتباعه لمبادئ أبقراط. وقد جمع كتاباته عن موضوعات عديدة مختلفة فيما يقرب من 
ماد فو لت تت غناو م . 


ولا تكمن أهمية هؤلاء المفكرين اليونان الطبيعيين في ما قدموه من فكر طبيعسي 
مادي» ولكن أهميتهم تكمن في كونهم أول من قام بوضع وصوغ المنهج العلمي 
الصحيح» وأول من دعى إلى تفسير الكون المحيط بنا تفسيرأ طبيعيا يتجاوز الغيييات 
والفكر الإسطوري الديني» الذي كان مهيمنا على البشرية. فأسهموا بذلك في توجيه 
الفكر البشري نحو الطبيعة عن طريق معرفة قوانينها التي من خلالها يستطيع الإنسان 
السيطرة عليها ووضعها في خدمته وتسخيرها لمصلحته. 


۹۲۳ 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأتره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


ثانيا: العوامل والمؤشرات الأساسية في نشوء العلم العربي الإسلامي: 


لاك دمن الصعوبة بمكان الإحاطة التامة بالعوامل الأساسية في نشوء ظلهرة 
الم لغري الإمنكمي في غص النهضة تدا ئ افر تن الاے و ااار 
للميلاد. وبغية تحديد تلك العوامل لابد من التطرق لمجموعة من القضايا والمسائل 
التي لها صلة بهذا الموضو ع المعقد الذي يخضع لعوامل متعددة ومتنوعة. ومن 
القضايا أو الأسئلة المطروحة بهذا الخصوص» مسألة ما إذا كان نشوء ظاهرة العلم 
العربي الإسلامي وقيام المؤسسات العلمية من مراكز الترجمة ومؤسسات تعليميةء 
ومراصد فلكيةء ومستشفيات» ودوائر علمية هو تعبيرٌ عن تطور حضاري حتمي» 
يعكس ما وصلت إليه الحضارة الغربيةالسلاة في ذلك الوقت» أم أنه مجرد 
ظاهرة ثانويةء لا تتعدى ترجمة وتكرار وشرح علوم (الأوائل) دون تمثلها ودون 
الإسهام في تراكم المسألة المعرفية على الصعيدين النظري والعملي ؟. وهل كانت 
ال للعلوم الدينية النقلية على حساب العلوم الفلسفيةء (العقلية) ؟. وهل مسألة 
الصراع بين العلوم العربية والعلوم الأجنبية علوم المسلمين وعلوم «الأوائل»» علوم 
اليونان وعلوم الرحمن» المؤسسة الدينية ورجالها والمؤسسة العلمية ورجالهها هي 
مسألة تمس قضية توازن القوى الاجتماعية والفكريةء أم أنها مسألة مبالغ فيها. وأن 
تلك المسألةء مسألة العلاقة بين الدين والعلم أو الدين والفلسفة لم تكن بالحدة التي 


يتصورها كثير من الباحثين ؟. 


فالباحث في تاريخ العلم العربي الإسلامي يواجه صعوبات متنوعة» ربما يكون 
همها هو أن دراسة العلوم العربية الإسلامية هي دراسة مازالت تحب في أول طريقها 
في انمؤسسات العلمية وفي أهذ بامات الباحثين العرب المعاصرين. وإن الصورة التي 
أُمامنا لطبيعة تطور العلم العر ي الإسلامي مازالت ناقصة من جوانب عديدة أضف 
إلى ذلك أن . بتعامل مع ظا .ة العلم العربي الإسلامي ببدوء وكأنه يسير فوق حقل 
من الألغام فر وسط ركام ه »من المناقشات والحوارات في مسألة العلم والحضارة 


۹٩٤ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-7۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران _۔ ۱۹۹٩‏ إبرأاهيم رزوق 
a e‏ 


والتراث والمعاصرة وغيرها. وهذه المناقشات والحوارات لا تتم في مناخ صحي 
موضوعي» بل تتم وسط ضغوط حضارية ونفسية واجتماعية لا يمكن الاستهانة بهاء 
باعتبار أن دراسة تاريخ العلم العربي الإسلامي ضمن منظور موضوعي يرتبط بحالة 
التردي العام للوضع الحضاري الراهن في العالم العربيء وبمشكلة البحث عن خلاص 
لمثل هذه الحالةء وبمشكلة الفجوة العلمية والتكنولوجية الهائلة بين العرب والمسلمين 
من جهة وبين الغرب المتقدم من جهة أخرى'. 

لقد تطور الاهتمام بتاريخ العلم العربي وبالحضارة العلمية الإسلامية برمتها بعد 
الحرب العالمية الثانية ومع بداية حركة التحرر الوطني ‏ حيث كان البحث عن 
الهوية الوطنية والقومية في مواجهة ثفافات المستعمر المتطورة الشغل الشاغل 
للمفكرين العرب. وفي هذا الإطار ظهرت تيارات فكرية عربية متنوعة لمعالج 
ظاهرة نشوء الفكر العربي الإسلامي - تيارات تدعو إلى قطع الجذور ممع ماضي 
الأمة وتراثهاء أي إعلان الطلاق مع كل التراث العلمي العربي الإسلامي وتطسر: 
مسألة الارتباط بالفكر الغربي كمخرج من الأزمة. 

وتيارات أخرى تقدس التراث وترى أن كافة المسائل الملحة من «طبيعية 
رياضيةء طبية» قد حلها الأجداد. فالماضي بالنسبة إلى هؤلاء هو مخدة الريثر 
المريحة التي نضع فوقها رؤوسنا المتعبة". 

وبالرغم من التفسيرات المتعددة والمتنوعة لنشوء ظطاهرة العلم العربي - 
الإسلامي» فانه من غير المقبول الأخذ بالتفسيرات الساذجة وغير المنطقية لنشوء هذ 
الظاهرة المعقدة. حيث أنه من المستبعد أن يكون مرض خليفة من الخلفاء المسملمين 
سبباً «كافياً» لدخول علم الطب وترجمة كتبه وفتح «البيمارستات». أو أن تكون رغبة 
خليفة أو حاكم معين سبباً كافياً لنشوء العلم. أو أن ظهور كتاب الغزالي «تهافت 
الفلاسفة» كان هو السبب المباشر لوقف النشاط الفلسفي في الحضارة الإسلامية“'. 


تاريخ الفكر العربي العدسي يوني ويرد على الفكر العربي الإسلامي ”من القرن )١١-۹(‏ ميلادي”" 


«فابن النديم» يقدم تفسيرا ساذجا لنشوء الفكر العربي الإسلامي لا يمكن الأخذ به. 
حيث يعتقد أن سبب ترجمة الكتب العلمية والفلسفية ونقلها من اللغات الأخرى وخاصة 
اليونانية منهاء يعود لذلك الحلم الجميل الذي حلمه «المأمون» ذات ليلة فيقول : «أن 
المأمون رأى في منامه رجلا أبيض مشرباً جمرة واسع الجبهة مقرون الحاجب أصلع 
الرأس» أشهل العينين» حسن الشمائلء جالس على سريره ...قال المأمون: وكأني بين 
يديه قد ملئت له هيبة فقلت له من أنت» قال أنا ارسطاليس» فسررت وقلت أيها الحكيم 
أسألك ؟ قال : سلء قلت ما الحسن. قال: ما حسن في العقل. قلت ثم ماذا؟ قال ما 
حسن في الشرع. قلت: ثم ماذا ؟ قال ما حسن عند الجمهور. قلت ثم ماذا؟ قال ثم 
لا... ثم. فكان هذا المنام من أوجه الأسباب في إخراج الكتب. 

إن هذه التفسيرات الساذجة وغيرها تتجاهل الجذور الاجتماعية والاقتصادية 
والسياسية لنشوء العلم العربي الإسلامي. فالعلم العربي الإسلامي هو نتاج مباشر 
لحاجات اقتصادية واجتماعيةء تستمد جذورها من طبيعة التطور الذي شهدته الحضارة 
العربية الإسلامية الصاعدةء في عصر النهضة الإسلامي في القرنين التاسع والعاشر 
ا 

لقد عمل الإسلام على نشر العلم» وجاء وهو يحمل فيي طياته الدعوة لإشاعة العم 
بين الناس. حيث اعتبر الإسلام العلم عبادة» كما اعتبره فريضةء جعلت فدية الأسير 
تعليم عدد من صبيان المسلمين. ففي الإسلام لم يقم كنهوت يحتكر العلم» ومع هذا بقي 
المتعلمون قلةء وظل العلماء ندرة» وبقي العلم بعيدأ عن رتبة القيادةء لأن الحفظ هو 
السائدء والكتب ظلت تخط باليدء رغم أن المسلمين من عهد الحكم الأموي تعلموا من 
الأسرى الصينيين فن الطباعة بالقوالب'. 


فمع قيام الإمبراطورية الإسلاميةء انطلق المترجمون بحثا عن كل مصادر المعرفة 


۹٩ 


مجلة دراسات تأريخية _ العددان 1۸٦1۷‏ _ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹٩۹٩‏ إبراهيم رزوق 


(۳۳۹-۱۳۲۳ھ)» تیسّر لحکام العرب بواسطة رعاياهم. ممن مسيحيين ويهود أن 
يزودوا لغتهم بخير ما أنتج الإغريق من علم. . كما أفادت الحملات البعيدة إلى الشرق 
في نقل تراث الهند والصين إلى دار الخلافة حيث أقبل عليها الباحثون بالترجمة 
والدرس.فتزاوجت تقافات متباينة وأثمرت مركبا ثقافيا جديدا. . فلم يكن نقلا أذن» بل 
تلاقحاً بين تلك المنابع المتعددةء فنسجت خيوطا مختلفةء وارتبط بعضها بالآخر؛ 


وأضيفت إليها و 8 


وقد نشأً العلم العربي في أحضان شروط تقافية مواتيةء وهي كما أشار إليها 
«سارتون»: سماحة الدين الجديد وبساطته واعتداله» ومرونة اللغة العربية وتمكنها من 
أن تكون لغة معرفة ومنطق. فقد استمرت تلك اللغة لمدة قرون طويلة لغة عالمية. 
وكذلك الحج كان وسيلة لجمع المسلمين على ثقافة موحدة وأخيرأ الاعتراف بالامتياز 
الثقافي للشعو ب المغلوبةء والإفادة منها والاستعانة بهاا"". 
فالفتوحات العربية فرضت على المجتمع خروجا على العلاقات القبلية البدوية 
المحدودة الآفاق» فخلقت احتياجات أنشأت بدورها علاقات إنسانية واسعة. ونشأت 
مصالح تجارية متطورة وولد اتساع الرقعة الحاجة إلى خبرات الأمم الأخرى. ولم تبدا 
النهضة العلمية العربية إلا بعد انتقال الخلافة إلى بغدادء حيث التقت العقلية العربييسة 
بالفارسية وحدث تلقيح العقلية العقائدية بالعقلية النظرية.فالحسن بن الهيثم (+١٠٠٠م‏ 
٤١١ -‏ ه) كان عالماً رياضياً وفيزيائياً جمع بين الاستقراء والقياس فسي البحث 
العلمي» وقدم الأول على الثاني» وحدد الشرط الأساسي للبحث العلممي» وهو 
الموضوعية في طلب الحق دون تأثر بأي رأي أو عاطفة سابقة. وقد أسمى التجربة 
«بالاعتبار» وأسمى من يقوم بها «بالمعتبر »(. 


وقد تيسّر للعرب والمسلمين بهذا المنهج أن يصلوا إلى نتائج علمية هامة. ولا 
تعنينا هنا تلك النتائج المباشرة بقدر ما يعنينا إضافتهم الإيجابية إلى المنهج العلمي»› 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلادي" 


فضلاً عن قيامهم بدور المعبر والجسر الذي مكن المعرفة من اللإستمرار والنمو. 
وعندما تدهور السلطان السياسي للمسلمين ولحقه الكسل والتشاؤم» تأخر العلم العربي 


بتو 


ورا سا دردد القول بأن رسالة العلم العربي لم تكن تعدو وسيلة مواصلات نقلت 
علم اليونان إلى الغرب فانطلق في تقدمه في العصور الحديثة. ولو صح ذلك لكان 
أصحاب العلم الأصليين هم أولى بالتقدم» ولم يحدث ذلك. بل أن الغرب نفسه لم تكن 
تعوزه اللغة في قراءة الترات اليوناني والإفادة منهء ولم يكن في حاجة لمن يترجمه 
إلى لغة أخرىء فالعربيةء أشق عليه من لغة اليونان والرومان. والواقع أن العلم القديم 
کان في حاجة إلى حاضنة تقافية جديدة يفرخ من خلالها في ظل أوضاع مختلفة. ولم 
يكن العرب مجرد ضمين لهذا العلم» بل لقد استطاعوا أن ينقلوا عن غيرهم ثم تمثلوه 
ت دعا د والعلم العربي هو إحدى حلقات السلسلة الثقافية التي نعيشها 
اليوم. وقد كانت الثقافة العربية جسراء أو بالأحرى الجسر الوحيد الرئيسي بين الشرق 
والغرب. فأوصلت الرياضيات الهندية والورق الحرير والخزف الصيني إلى أوربة. 
وربطت بين البوذية في أقصى الشرق وبين اليهودية والمسيحية في الغرب. 

فالعلم» هو نتاج ثقافي لحضارة معينةء ولا يمكن أن يتطور إلا ضمن مجتمع وصل 
إلى مرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي والاجتماعيء والذي يجعل انبثاق العلم في 
هذا المجتمع في لحظة تاريخية معينة حاجة موضوعيةء وليس اختياراً ذاتياء وأنه 
تعبير عن الحاجة إلى معرفة علمية تؤدي إلى فهم أكبر للظواهر الطبيعية والإنسان. 


فتطور علم الجغرافية على يد الجغرافيين المسلمين لا يمكن أن يعود إلى مجمرد 
الاهتمام الشخصي لهؤلاء في معرفة أحوال البلاد والعبادء أو لترجمة كتب بطليُس 
الجغرافية أو غير ذلك من الأسباب الأحاديةء وأن تطور هذا العلم يعود لتوسيع حدود 
الدولة الإسلاميةء الذي يتطلب معرفة جغرافية بتضاريس البلدان الجديدة وممراتها. 


۹۸ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران - ۱۹۹۹ _ |إبراهیم رزوق 
ت ی م 


المائية وأحوال سكانها الاقتصادية ... الخ فعلى سبيل المثالء فان قتييية بن مسلم 
الباهلي عند غزوه لمدينة بخارى واجهته مشكلة عدم معرفة لهذه البلاد وتضاريسها 
وعاداتهاء فأرسل إلى الحجاج بن يوسف الذي كتب لقتيبة أن يرسم صورة أو خريطة 
لمدينة بخارى والمدن المحيطة بها ليسهل عليه دخولها"". 

وفي وصف ابن حوقل لمدينة برقة مثلاء تفاصيل كثيرة عن تجارة هذه المدينة 
فهي: «...بها من التجارة وكثرة الغرباء في كل وقت مالا ينقطع طلابا لما فيها من 
التجار وعابرين عليها مغربين ومشرقين» وذلك أنها تنفرد في التجارة بالقطران الذي 
ليس في كثير من النواحي» والجلود المجلوبة للدباغ بمصر والتمور الواصلة 
إليها»“". 

فعلم الجغرافية بدأ بدراسة كتب بطليمس وغيرها ودراسة الخرائط التي وضعها 

اليونان» لكن المسلين الذين كانوا بحاجة إلى علم الجغرافية لأسباب اقتصادية 
- واجتماعية وسياسيةء فارقوا اليونان وطوروا هذا العلم بحسب حاجاتهم على يد اإبن 
خرداذبة والأصطخري والهمداني وغيرهم. وسار تطور علم الجغرافية بخط متواز مع 
تطور علوم الفلك والحساب والهندسة وصناعة الاصطرلاب.والبوصلات والسفن 
البحرية وإقامة المراكز الفلكية". 

وإن ما ينطبق على علم الجغرافية ينطبق على كافة العلوم الرياضية برمتهاء من 
- فلك وهندسة وجبر وغبرها E‏ 

فاخوان الصفا في بغدادء في «القرن العاشر الميلادي الرابع الهجري»» صنعموا 
مثل ما صنع فيثاغورث» فوضعوا تعاليم فكرية وثفافية تبادلوها في حلقة مغلقة قاصرة 
على المريدينء محاطة بسياج من السريةء وبسبب هذه السرية لم تلق حركة اخوان 
الصفاء في العلم الإسلامي ترحيباء بل لقيت ريبة وحذراء مخافة أن يكون في باطنها 


۹۹ 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره علي الفكر العربي الإسلامي "من القرن )١١-۹(‏ ميلادي" 


أفكار مذهبية أو سياسية هدامة. وقد وضع أخوان الصفا إحدى وخمسين رسالة نجدها 
اليوم في أكثر من طبعة ونجد حولها أكثر من دراسة(“). 


والرياضيات تطورت على يد أبي يونس والخوارزمي وأبي الحسن الإقليدي 
والكاشاني والكرخي والطوسي وابن الهيثم وغيرهم. فهؤلاء لم يكونوا مجرد نقلة أو 
شارحين للعلوم الرياضية عند اليونان»ء بل إن حاجات التطور الاقتصادي والاجتملعي 
للحضارة العربية الناشئةء لعبت دورها كقوة ضاغطة لتطور العلوم الرياضية سواء 
من الناحية النظرية أو العلمية. 


وفي علم الفلك» فإن أول الترجمات العربية التي قام بها العرب في علم الفلك هي 
التي تناولت المصادر الهندية. والفارسية مثل زيج السند _ الهندء وزيج الشهريار .شم 
بعد ذلك ترجموا التراث اليوناني الفلكي وخاصة نظام بطليموس» وقاموا بعد ذلك 
بمقارنات ودراسات عديدة للقيم العددية التي يذكرها الهنود والففرس واليونان في 
المراصد الفلكية الإسلامية في ذلك الوقت» وكان من نتيجة هذه الدراسات العملية 
والمقارنات» أن طرحوا أنظمة جديدة مبتكرة وقامت أرصاد مهمة مثل أرصاد يحي 
بن ابي منصور وحبش الحاسب لمواقع الكسوف والخسوف» بل والكواكب السيارة في 
بغداد وأرصاد أبي يونس في القاهرة وأرصاد الخوارزمي في خوارزم وغيرها“). 

أما في الحساب» فقد اعتمد العرب على ثلاث مصادر أجنبية: هي الحساب الهنديء 
والحساب الستيني ذي الأصل البابلي - الذي نقل عن طريق اليونان - ثم حساب مما 
يسمى حساب اليد أو حساب الكتاب. 

وكان من نتيجة ذلك» أن أوجد العرب نظاماً رياضياً موحداً نجده واضحا في کتاب 
أبي الحسن الإقليدي وفي كتاب مفتاح الحساب لغياث الدين الكاشي. وربما يكون المثل 
الأكثر وضوحاً هو علم الجبرء الذي كتبه الخوارزمي بطريقة مبتكرة تختلف عما كتبه 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 141۷ _ كانون الثاني ۔ حزيران ٠۱3۹۹‏ إبراهيم رزوق 


اليونان والهنود وغيرهم.فجاء كتابه في الجبر ليشق طريقاً جديدا في العلم الذي تطور 
بعد ذلك على يد أبي كامل المصري والكرخي والسموأل الوق" 

فالدراسة التي قام بها روبرنتسي وكيندي في عام ٠۹۷‏ أكدت بأن الهيئة التي 
عرضها الطوسي في تذكرته لحركة القمر والزهرة والكواكب العليا الثلاثةء المريخ؛ . 
والمشتري» وزحل» كانت مجرد بداية أتمها علماء مراصد «مراغة» وعلى رأسهم 
قطب الدين الشيرازي ومن بعدهم ابن الشاطر في دمشق. واكتشف الباحثان أن هيئة 
كوبر نيكس تشبه إلى حد كبير هيئة ابن الشاطر» وأن الحيلة الهندسية التي استعملها 
كوبرنيكس هي نفس الحيلة التي استنبطها الطوسبي(". 

ونتيجة لتطور الطب بشقيه النظري والعملي في الحضارة الإسلاميةء فقد أدى هذا 
التطور إلى ظهور الموسوعات الطبية الكبيرةء مثل كتاب الحاوي للرازي أوء كتاب 
القانون لابن سيناء كما اشتهرت الكتب المبسطة التي يستطيع العامة استخدامها دون 
اللجوء إلى أطباءء مثل كتاب «إلى من لا يحضره الطبيب» ويعرف بكتاب «طب 
الفقراء»(“. 

وفي هذا المجالء قام يوحنا بن ماسويه بتشريح القرود بهدف الدراسةء واستخرج 
الأطباء المسلمون أمعاء الحيوانات لخياطة الجروح. ولدينا كتب حول هذه المواضيع 
مثل كتاب «ثابت بن قرة» كتاب في تشريح بعض الطيور(“. 

لذلك نرى أن التطور الحضاري للإمبراطورية الإسلامية في القرنين التاسح 
والعاشر الميلاديينء وتوسعها وتعدد الأجناس فيهاء والأقوام» ودخول العلوم الجديدة 
إليها لأول مرةء منقولة إليها من الفارسية والهندية والسريانية واليونانية عبر حركة 
الترجمة الواسعة التي كانت في حد ذاتها تعبيرا عن الحاجة لعلوم جديدة تتقفق مع 
طبيعة التطور الذي شهده ذلك العصر. وبذلك كانت الحضارة الإسلامية بحق الوريث 
الشرعي للمراكزر العلمية التي كانت مزدهرة في عصور سابقة على قيام الحضارة 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره 


على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلادي" 


اة الإسلامية.فقد استفاد المسلمون من تراث مدرسة الإسكندرية ومن المراكز 
العلمية في إنطاكية وحران ونصيبيين والرها وجنديسابور» وكانت مدرسة الإسكندرية 
من هم مراکز الحضارة الهيلينية _ البيزنطية. حيث كان الفكر الأرسطي الفلسفي 
ومؤلفات أيقراط وجالينوس الطبية أساس المنهج التعليمي هناك. وفي الإسكندرية 
سيطرت رياضيات إقليدس وكتابه «أصول الهندسة» الذي يدرسه اقليدس نفسه. وكذلك 
كتاب المجسطي لبطليمس. وقام أرخميدس بتدريس العلوم الميكانيكية في تلك 
الفنوة التي أثرت تأثيرا هائلا في انتقال العلوم اليونائية للمسلمين. كذلك نقل 
المسلمون من مدرستي إنطاكية وحران وما ورثاه من تقاليد مدرسة الإسكندرية. ومن 
حران بالتحديد انتقل إلى بغداد عدد من العلماءء مثل ثابت بن قره وولده سذنان 
والبتاني. وعن طريق مدرسة جنديسابور في فارس» انتقل الستراث العلمي الهندي 
والتراث اليوناني بعد هجرة عدد من العلماء من أثينة إلى هذه المدرسة. وقد نقل 
المسلمون إلى عاصمتهم الجديدة عددا كبيرا من الكتب من جنديسابور. كما لعب 
علماؤها دورا هاما بعد انتقالهم إلى بغدادء وخاصة في الطب وفي حركة الترجمة فقد 
اشتهر من أطبائها ومترجميها في بغداد جورجیس بن بختشوع وجبرائیل بن بختشوع 
ویوحنا بن ماسویه. 

والى جانب كون الحضارة العربية الإسلامية شكلت وريثا شرعيا للمراكز العلمية 
السابقة عليهاء فإن حاجات التطور الجديدة فرضت على هذه الحضارة إقامة مؤسساتها 
العلمية الخاصة بها“). 


فالعلماء المسلمون لم يكونوا مجرد شارحين ناقلين مكررين لعلم الأوائل» بل أنهم 
ترجموا هذه الكتب ودرسوها وتمثلوها ونقدوا نتائجها وأصلحوا ما أمكن إصلاحه» 
وأقاموا معرفة جديدة بما يتفق مع إمكاناتهم وحاجاتهم ومستوى التطور الاقتصادي 
والاجتماعي لعصرهم» الذي عاشوا فيه. لذلك فقد عبر واحد من أشهر مؤرخي العلم 
في عصرنا عن هذه الحقيقة بالقول: «إن العلم الإسلامي لم ينقل العلم الإغريقي نقلا 


1.۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 
WDD Sahn Anha‏ 


حرفياً بل أعاده إلى الحياة من جديد بعد هضمه ومزجه بالثقافة الإسلاميةء أي أنه مو 
بنفس العملية التي مر بها تراث الشرق القديم عندما هضمه وتمثله الفلاسفة الإيونيون 
الأوائل"“». 

لذلك نرى أن نشوء الدولة الإسلامية الجديدة وتطورها الحضاري في كافة 
المجالات الحياتية «الاجتماعية والرياضية والفلكية والطبية»» يتطلب تطوراً علميا 
مرافقاً في خط متصاعد مع هذه التطورات الكبيرةء في نمط حياة دولة جديدة توسعت 
أركانها وأصبحت عاصمتها منطقة جذب حضاري لكل العقول القادرة على سد 
الاحتياجات المتزايدة للدولة في شؤون الإدارة والطب والجغرافيا والفلك والجيش 
والصناعة والزراعة وغيرها. فلم تعد علوم الخطابة والشعرء بل لم تعد العلوم 
الإسلامية وحدها كافية لسد حاجات التطور الجديدةء ولم يعد التنظيم الاجتماعي القديم 
والنشاط الرعوي والاقتصادي البدائي المعتمد على نظام التبادل والمقايضة قادرا على 
الاستمرار في دولة مدنية تعتمد على نظام اقتصادي جديد يعتمد على التجارة. لذلك 
كان لا بد من أن تتطور كافة العلوم لسد الحاجات المتنامية للدولة الإسلامية الجديدة. 

ونتيجة لهذا التطور» لم تعد الخرافات «الكرامات» تلقى رواجاً كبيراأ بيسن 
الجماهير» وبالتالي فان وجود تيار عقلاني يأتي ضمن منطق الضرورة رغم ما يشار 
من شكوك حول الدوافع الحقيقية لنقل الفلسفة والعلوم. ۰ 

فظاهر الأمر أن الأمراء العباسيين تفهموا الحضارات الأخرى وأرادوا إغناء 
العلوم الر ااا الفارسية والهندية واليونانية. اف واقو ا وتن 
الفارق كبيرا بين ما ينزع إليه الناس بحكم الطبع الموروث» وبين ما نقل من الثقاففة 
اليونانيةء وبرغم هذا الفارق الكبير نقلت ثقافة اليونان» ورحبت بها الصفوة المفككرة 
كما رحبت بها الدولة الرسمية. وحدث بذلك تعارض بين صوفية الدراويش وعقلية 
العلماء. فالأسلاف نقلوا عن اليونان فلسفتهم وعلومهم وسرعان ما أطلق عليها اسم 
«علم الأوائل» تلك صنوف العلم على اختلافهاء من علوم رياضية وعلوم طبية وفلكية 


Dı 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلادي" 


وإلهيةء ورحب بتلك العلوم جماعة أرادت أن تستخدمها دفاعاً عن دين الإسلام ضد 


أعدائے(““). 


وجماعة أخرى استفادت من هذه العلوم وقامت بإعادة صياغتها بقوالب علمية 
جديدة تلبي الحاجات المتزايدة للدولة العربية الإسلامية الناشئةء في كافة المجالات ٠‏ 
والاختصاصات العلمية المتتؤعةء الهندسيةء والطبيةء والزياضيةء والاجتماعية ...» 


فالثا: موقف فقهاء الإسلام ورجال الدين من الحلسوم الجديدة » الد خيلسة علسى علوم 
المسلمين : 

من المعروف أن ظهور العلم مشروطا بالرحم الحضاري الذي ينشاً فيه وبتوفر 
الرعاية اللازمة لنشوئه وتطوره. هذا العلم الذي نشا في حضارة معينة وتتوفر له 
شروط التقدم سيجد نفسه في الوقت ذاته في صراع مع أطراف معينة من الموروث 
الثقافي لتلك الحضارةء وخاصة الدين. فالموروث الثقافي» لا يمكن بأي حال مسن 
الأحوال أن يرحب بالقادم الجديد ويحتفل بقدومه. وهذا الأمر لا ينطبق على الحضارة 
الإسلامية فقطء بل هو قاعدة عامةء كما حدث في أوروبة أثناء صراع العلم الحديث 
إبان الثورة الصناعية الكبرى بزعامة الطبقة البرجوازية الجديدة» وبين الموروث 
الثقافي بأشكاله الإيديولوجية بوجه عام» والدينية بوجه خاص“. ) 

فالعلم عندما يتقدم فأنه يكسب أرضا ثابتة على حساب أطراف أخرى في الموروث 
الثقافي والحضاري للثقافة التي نشأً فيهاء وهذا ما حدث في الحضارة الإسلامية دون 
شك. فمدلول «العلم» لدى الفقهاء المسلمين يعني بوجه عام «العلم الديني». فابن تيمية 
يؤكد على أن «العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يستحق أن 
اا ا وما سواه أما أن يكو علما فلا يكون نافعاًء وأما ألا يكون علما وأن 
یسمی به د ولئن كان علماً نافعاً فلا بد أن يكون في ميراث محمد صلى الله عليه 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ - كانون الثاني _ حزيران _ ۱۹۹۹ إبراهيم رزوق 


س ا 


فالمتطرفون من أهل السنة وأتباع السلف» لم يكونوا ينظرون نظرة الرضى إلسى 
أي فكر دخيل» «فالعلم» عندهم لفظة لا تعرف إلا معنى واحد» وهو العلم الموروث 

عن اللبي صلي الله عليه وسلمء أما عدا ذلك فهو إما خارج عن مجال العلم إطلاقا 
وإما هو معرفة لا تنفع ولا تستحق التحصيلء لاء بل إن مثل هذه المعرفة الدخيلة التي 
لا تنفع» قلما يقف أمرها عند هذا الحد السلبيء إذ يغلب أن تجاوزه إلى ضرر فعليء 
لأنها كثيراً ما تميل بحاملها إلى الاستخفاف بالدين ودراسته'“. 


المقصود عند الغزالى هو | بالله وصفاته وملائکته وکتبه ورسله. 
لمقصو 
فالمقصود الأقصى هو «العلم باش»". 


ومما لا ريب فيه أن المتعصبين من الفقهاء ورجال الدين الإسلامي يدينون النظضر 
الفلسفي» بشكليه المادي والمثالي على السواء. فالفلاسفة كما يقول أبو بكر 
الخوارزميء «أجهل خلق الله وأحمق الناس» فأساس الإلحاد والزندقة مبني على 
مذهبهم»› والكفر کله شعبة من شعبهم› ورئیسهم أفلاطون N E‏ 

وهناك أقوال كثيرة منسوبة إلى السلف» تعارض النظر العقلي الكلامي» وتصسف 
المتكلمين إنهم «شر الخليقة»ء الغالب عليهم الزندقةأ. 

ويتهم ابن الجوزي أصحاب الكلام بأن علمهم «أفضى بأكثرهم إلى الشكوك» 
وببعضهم إلى الإلحاد». فابن الصلاح معروف بعدائه للفلسفة وللفلاسفةء وفي 
مقالته المشهورة «الفلسفة أس السفه والإنحلالء ومادة الحيرة والضلالء ومثار الزيغ 
والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحجج 
الظاهرة والبراهين الباهرة» ومن تلبس بها تعليماً وتعلما قارنه الخذلان ...والحرمان 


واستحوذ عليه الشيطان.. وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه عن نبوة نبينا 
محمد ». 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلاري" 


لم يكتف ابن الصلاح بالهجوم على الفلاسفة والمشتغلين بها بل يحرض الحكام 
على اضطهاد الفلاسفة فيقول: -«فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر" 
هؤلاء المياشيم» ويخرجهم من المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهيب 
ويعرض من ظهر عنه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام لتخمد نارهم 
ويمحى أثارها وأثارهم. يسر الله ذلك وعجله» ومن أوجب هذا الواجب عزل من كان 
مدرس مدرسة»ء من أهل التصنيف فيها والإقرار لها ثم سجنه وإلزامه منزله. وإن 
زعم أنه غير معتقد لعقائدهم» فان حاله تكذيبهء والطريق في قلع الشر قلع أصوله 
وانتصاب مثله مدرساً من العظائم جملة...)». 

أما الإمام الصنعاني فيربط بين علوم اليونان وبين البدع فهو يشكو في كتابه 
«ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان» من أنه نبغ في هذا الزمان من عادى 
علوم القرآن... وحث الرجوع في ذلك إلى معرفة قوانين المبتدعة اليونان(*). 

ويصف ابن المرتضى» الحسن البصري بأنه «كان للبهاشمة عنده تفرة لأمرين 
أحدهما أنه دنس نفسه بشيء من الفلسفة وعلوم الأوائل»). 

وابن تيمية معروف بعداوته للفلسفة والمنطق وله مؤلفات في الرد عليهماء وتاج 
الدين السبكي يقف في خصومة الفلسفة موقفا حاسمأًء وإن يكن قد خفف هجمته بالنسبة 
إلى المنطق» فلم يحرّمه تحريماً كاملا فيكفي أن اشتغل به أئمة سابقون كالغزاليء 
وأما السيوطي فيحرم الإشتغال بالمنطق قائلاً عن نفسه: «كنت في مبادئ الطلب قرأت 
شيئا في علم المنطقء ثم القى الله كراهيته في قلبي» وسمعت أن ابن الصلاح 
الشهرزوري أفتی بتحريمه» فتركته لذلك» فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي 
هو أشرف العلوم»'". 

وبالرغم أن ابن تيمية من أكثر الشخصيات السلفية تهجماً على العلوم الفلسفيةء فانه 
في الوقت ذاته يفرق بين العلوم المختلفة فيستحسن العلوم الطبيعية ويؤكد أن كلام 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددانت 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 


الفلاسفة في الطبيعيات غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها الك»ء 
وهم يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد ولكنهم جال بالعلم الإلهي إلى الغاية'. 

أما العلوم الرياضية فان ابن تيمية يؤكد أهميتها ويعتبرها من العلوم التي تشحذ 
. العقل وليست من الأشياء المذمومةء بل إنه يعتبرها ضرورية لعلوم الفرائض وقسمة 
التركة والمواريث وغيرها. لهذا السبب نجد أن دوافع ابن تيمية الحقيقية من مدافعة 
ومعاداة بعض العلوم الفلسفية هو تأثير هذه العلوم على الإيمان الديني وخاصة البححث 
في مسائل ما بعد الطبيعةء أما البحث في الطبيعيات والرياضيات والطب وغيرها فإنها 
من الأمور المحمودة لدى ابن تيمية". وإن ما قام به...ابن تيمية من نقد لمنطق 
الأرسطي لم يكن يطمح من خلاله الوصول إلى معرفة جديدةء أو لوضع مناهج بحث 
جديدة على أنقاض المنهج القديم» فإن نقد ابن تيمية كان يهدف العودة للمصادر 
الأصلية للإسلام من قرآن وحديث والعودة للعلوم الشرعية كالفقه والأصول وغيرها. 
لكن هذه المحاولة الجريئة و الصاخبة لابن تيمية وخاصة في كتابه كتاب الرد على 
المنطقيينء كتاب نقض المنطق". وكتاب «درء تعارض العقل والنقل»". وكتابه 
«كتاب نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان»(. 

ولا شك بأن عدم اكتفائه بتحريم المنطق كانت بحد ذاتها خطوة إيجابيية لإزالة 
روح الرهبة التي عامل بها علماء المسلمين منطق أرسطو وعلوم الأوائل» وكانت 
خطوة إيجابية ساعدت على نشر المنطق الأرسطي نفسه في الدوائر الفقهية غير 
المطلعة عليه" . 


والإمام الغزالي الشخصية الدينية الهامة التي كان لها أثر كبير في الفكر العربي 
الإسلامي» يعد من أكثر الفقهاء المسلمين عداوة للفلسفة من خلال كتابه «تهافت 
الفلاسفة». وعلى الرغم من نظرته الموضوعية التي فرقت بين علوم وعلوم» فلم تجد 
بأسا من دراسة الرياضيات والمنطق من بين فروع الفلسفةء لكونها دراسة لا تتعرض 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


في حد ذاتها للأمور الدينية نفياً ولا إثباتا. وعلى الرغم من موقفه هذاء فقد حذر من 
خطر الرياضيات والمنطق من آفات قد تنجم عنها تضر بالعقيدة» لهذا السبب لم يشا 
الغزالي أن يستخدم كلمة «منطق» في صورتها اللفظية الصريحةء كعنذوان لمؤلفاته 
المنطقيةء كأنما أراد لها ألا تلفت النظر بعنوانهاء مادام مثل هذا اللفظ قد اقترن في 
أذهان المحافظين بالمقت والكراهيةء لذا أخذ يختار لمؤلفاته المنطقية أأسماء مثل 
«معيار العلم» و«محك النظر»"......الخ. 


مع كل هذاء فقد حرص الغزالي في دراسته المنطقية أن يبين بطريق غير مباشر 

نفع المنطق في الدراسات الفقهيةء بأن جعل يسوق أمثلته من الفقه» وهذاماكان 
واضحا في كتابه «المستصغى» الذي جمع فيه ما أراد أن يقوله في أصول الفقه» وقدم 
اكنات هة لح ها خوت اى اوا 

فالغزالي كان يدافع عن العلوم الرياضية بشدة» فهي علوم «ليس يتعلق شيء فيها 
بالأمور الدينية نفياً وإثباتاء بل هي أمور برهانية لا سبيل لمجاهدتها بعد فهمها 


ومعزفتها». 


وهو يحذر من معاداة العلوم الرياضية باسم الدين «لقد عظم على الدين جناية من 
ظن أن الإسلام ينصر بإنکار هذه Eel‏ اة 


أُما بالنسبة للعلوم الطبيعيةء فان الغزالي يقسمها إلى علم السماءء علم ان علم 
الحيوان»ء علم النبات علم المعادن» والعلاقة بين هذه الأقسام وأسباب تغيرها واستحالتها 
وامتزاجها. ودراسة العلوم الطبيعية هو أمر محمود» لكن الغزالي يحذر فقط من مسألة 
واحدة تتعلق بالإيمان الديني» وهي مشكلة الإيمان بالسببية الطبيعية بمعزل عن كون 
الله علة وسبب حدوث الأشياء وتغيرها في الطبيعة'". 


أما موقفه من المنطق فإنه شبيه بموقفه من العلوم الرياضيةء فالمنطق لا يتعلمق 
بالدين نفياً أو إثباتاء بل هو كما يقول الغزالي في مقاصد الفلاسفة يحث على تعلم 


مجلة دراسات تاريخية العددان 1۸1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩۹‏ إبراهيم رزوق 


مجلة دراسات تاريخيك - العادا لا و س 


المنطق» فإن فائدة المنطق اقتناص العلم» وفائدة العلم حيازة السعادة الأبدية. فإذا صح 
رجوع السعادة إلى كمال النفس بالتزكية والتحليةء صار المنطق لا محالة عظيم 
الفائدة("". 


أما الإمام «ابن حزم» رأس المذهب الظاهري في الأندلس فانه كان من المؤيدين 
لكافة العلوم بدون استثناء» لكونها لا تتعارض مع الدين. حيث يرى أنه «ليس في 
الشرائع علة أصلاً بوجه ما من الوجوه» ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله 
عز وجل فقط إذ ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء ما في العالم وتحليل آخرء ولا 
إيجاب عمل وترك إيجاب آخر» فالأوامر موجبة لما وردت به فإذا لم ترد فلا سبب 
يوجب شیئاً صلا ولا يمنعه»". 


والعلوم في رأي ابن حزم تنقسم أقساما سبعة عند كل أمة وفي كل زمان ومكان. 
وهي على شرعية كل أمةء وعلم أخبارهاء وعلم لغتهاء والعلوم الأربعة الباقية تتقفق 
فيها الأمم كلها وهي علم النجوم» وعلم العددء والطب وعلم الفلسفةء وهي معرفة 
الأشياء على ما هي عليه من حدودها". فالعلوم برأي ابن حزم حاجة موضوعية لا 

بد منها. وهي حاجة ماسة للجماعةء ومن هنا دافع ابن حزم عن العلم وطالب 

المسلمين بالنظر في العلوم المختلفة بروح التسامح وبتجرد عن الأهواء ودون إطلاق 
الأحكام المتسرعة فيقول: أنه رأى «طوائف من الخاسرين شاهدهم أيام عنفوان طلبه 
وقبل تمكن قواه في المعارف ...يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين» نتيجة بحسث 
موثوق به» على أن الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة(». 

فالشيء الذي لا يمكن نكرانه»ء أن المسلمين نقلوا عن اليونان فلسفتهم وعلومهم 
وسرعان ما أطلق عليها اسم «علوم الأوائل»ء أو علوم القدماءء ليعارضوا بينها وبين 
ما هو «علم العرب». وكانت علوم الأوائل تشمل مختلف صنوف العلم على اختلافهاء 
رياضية وطبيعيةء وإلهيات» وما اشتملت عليه هذه الأقساء من طب وفلك وموسيقى 


تاریخ الفكر العربي العلمي الخاف وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن (۱۰-۹) ميلادي" 


وغيرها. وقد رحبّت «علوم الأوائل» أو ما يسمى «العلوم الدخيلة» جماعة من الفقهاء 
والمفكرين المسلمين» وأرادت أن تستخدمها دفاعاً عن دين الإسلام عقيدة وشريعة ضد 
أعدائه. وجماعة أخرى» رأت ف تلك «العلوم الدخيلة» ا کبيراً على الديسن 
الإسلامي وشرائعه. وبالرغم من تلك المواقف فان الدولة الإسلامية الجديدة التي نشأت 
وتطورت في مختلف جوانب الحياةء كانت بحاجة ماسة إلى تطور علمي يواكب هذه 
التطورات في حياة الدولة الجديدة ويسد احتياجاتها المستزايدة في كافة شؤونها 
الإداريةء الطبيةء الزراعيةء الصناعيةء الفلكيةء الجغرافيةء العسكرية. فسالعلوم 
الإسلامية كافة من خطابة وشعر وغيرها لم تعد كافية لسد حاجات التطورات الجارية 
في جسذ الدولة العربية الإسلامية الفتية. 


لذلك كان لا بد من تشجيع للعلوم المتنوعة لهذه الغاية. الرياضيات ضرورية 
لمعرفة أوقات الصلاةء وتقسيم المواريثء والفلك ضروري لتطور علم البحار 
والزراعة والجغرافيةء ولهذا السبب انتشرت المراصد الفلكية التي لعبت دوراً في حياة 
الإمبراطورية الإسلاميةء فالهندسة ضرورية لأعمال المساحةء ومعرفة أوضاع 
العقارات» وتطور علم الحيل «الميكانيك» دليل على التطبيقات الواسعة للعلم العربسي 
الإسلامي على الواقعء هذا الأمر تبه إليه عدد من المفكرين المسلمين حيث نوهوا إلى 
ضرورة ارتباط العلم بالواقع والتطبيقء وتطور العلم مرتبط بتطور الحضارة هذا 
الرباط الذي لا فكاك منه والذي يؤكد على مسيرة الأرتباط بين تطور الحياء 
الاقتصادية والاجتماعية للدولة الإسلامية بتطور العلوم وتطبيقاتها الميدانية. 


رابعاً : دور العلماء المسلمين في تطور الحضارة الإسلامية : 


إن التفسير الساذج البسيط لظاهرة حركة نقل العلوم من اليونانيين إلى العرب» 
الذي درج عليه المؤرخون منذ ابن النديم» والذي یربط تلك الظاهرة «پمنام» المأمون 
الذي رای فيه أرسطوء فسأله بعض الأسئلةء فلما نهض المأمون من منامه طلب 


11۰ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-7۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ إبراهيم رزوق 


ترجمة كتب أرسطو» يعتبر تفسيرا ذاتيا وبسيطاً ولا يعكس حقيقة هذه الظاهرة 
المعقدةء ولفهمها فهماً صحيحا يجب الالتفات إلى حركة التاريخ وما خلفقه من 
ضرورات اجتماعية وتفاعلات فكرية وحاجات ضروريةء هي التي عقدت الصلةء 
بور ة م وضو عة ين الفكر الفريي = الاي و لفلف بز اة فا ان 
لأرسطوطاليس أن «يحظى بلقاء المأمون» في منامه لولا أن هذا الفيلسوف كان 
موجرد بال ف اتاد قفري لمت لفقا اتان لذن مرا الامون اة 
«الخلاق» وليس هذا الكلام استهزاء بالمأمون نفسهء وهو الذي أدى دوره العظيم حقا 
في تطوير تلك الصلةء ولكنه أداة استجابة لظروف مجتمعه وعصره الموضوعية» لا 
استجابة لحلم طارئ أو لمصادفة عابرة أو إرادة ذاتية"'. 


فالعلم هو نتاج ثقافي لحضارة معينة. وهو لا يظهر ولا يتطور إلا ضمن مجتمع 
وشل لن رة مق من لترو الهاي والات اع وا العا ى 
يجعل انبثاق العلم في هذا المجتمع في لحظة تاريخية معينة هو حاجة موضوعيسة 
وليس اختيارا ذاتياء وأنه تعبير عن الحاجة إلى معرفة علمية تؤدي إلى فهم أكبر 
لظواهر الطبيعة والحياة والإنسان(". 


فالعلماء المسلمون لم يكونوا مجرد ناقلين لعلوم اليونانيين أو الشارحين لهاء بل أن 
أكثرهم قام بنقد العلم اليوناني وشككوا بنتائجه بشكل علمي» وكانت هذه خطوة هامة 
للانطلاق نحو معرفة جديدةء فلقد كان تقديس علوم السابقين هو أحد معوقات التطور 
العلميء سواء في الحضارة الإسلامية أو في أوربة في العصر الوسيطء حيث سيطر 
الفكر الأرسطي على حركة الفكر والعلم» وكانت مرحلة إزالة التقديس عن المنهج 
الأرسطي القديم فاتحة لتطور المعرفة الجديدة وتقدمها. فهذا ثابت بن قرة الحرانيء 
يكتب كتاباً في إصلاح المقالة الأولى من كتاب «أبلونيوس» في قط النسب 
المحدودة*'. 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرت )۱١-۹(‏ ميلادي" 


والكندي يكتب کتبا عديدة في هذا المجال مثل «رسالة في إصلاح كتب اقليیدس»› 
رسالة في إصلاح المقالة الرابعة عشرة والخامسة عشرة في كتاب إقليدس» رسالة في 
تصحيح قول اسقلاسي في المطالع»"". 

أما ابن الهيثم فيقول عن كتب بطليمس» أننا وجدنا فيها علوما كثيرة ومعساني 
غزيرة... ولما خصمناها وميزناها وتحرينا إنصافه وأنصاف الحق منه» وجدنا فيها 
مواضع مشبهة وألفاظا بشعة ومعان متناقضة ... فرأينا أن الإمساك عنها هضما للحق 
وتعدیا عليه(“ . 


إن هذا النقد من قبل علماء المسلمين لعلوم اليونان «علوم الأوائل» دليل أكيد علي 
أن العلماء المسلمين لم يكونوا مجرد شارحين ناقلين مكررين لعلوم الأوائلء بل نهم 
ترجموا هذه الكتب ودرسوها وتمثلوها ونقدوا نتائجها وأصلحوا ما يمكن وأقاموا 
معرفة جديدة بما يتفق مع إمكاناتهم وحاجاتهم ومستوى التطور الاقتصادي 
ا اش ره ا غ 

هذا الكلام أكده أشهر مؤرخي العلم في عصرنا بالقول: «أن العلم الإسلامي لم 
ينقل العلم الإغريقي نقلا حرفيا بل أعاده إلى الحياة من جديد بعد هضمه وتمثلسه 
الفلاسفة الإيونيون الأوائل»("“. 


إذن يمكننا القول أن العرب لم يكتفوا بالترجمة والشرح والتفسير لعلوم اليونان 
ون ار له بل فاا شير فق التارف وا وانخ وها ي مت 
مجالات الحياة ضمن إمبراطوريتهم الإسلاميةء وقد برع العرب في مختلف العلوم»› 
فا ايان لري ى الهن نلم ف رة مد لار كة في فة نة غل 
نهر النيل في مدينة أسوان المصرية بالرغم من الصعاب التي حالت بينه وبين تنفيذ 
مشروعه الذي كان يسعى لتحقيقه. أما أحمد بن كثير الفرغاني فقد أسهم في حفر النهر 


1۹1۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزيران _ ۱۹۹۹ إبراهيم رزوق 


المعروف بالجعفري في بغداد بعد أن أسند له ذلك المهندسان المعروفان محمد وأحمد 
اا اي اللذان كلفهما المتوكل ببناء السد المذكور “. 

- وكان عضد الدولة يرجع إلى «الأعلم»» وهو عالم بالهيئة «في أنواع التسنيزات 
عمل «زيجه المشهور» عند أهل زمانه»( , 


أما سند بن علي المنجم «خبير بتسيير النجوم» وعمل آلات الأرصاد والإسطرلاب 
فكان أحد الفضلاء في وقته» اتصل بخدمة المأمون» وندبه المأمون لإصلاح آلات 
الرصدء ويرصد بالشماسية ببغداد ففعل ذلك وامتحن موضع الكواكب(“. 

ولما عزم شرف الدولة بن عضد الدولة على رصد الكواكب ببغداد واعتمسد في 
ذلك على «ويجن بن رستم الفوهي» كان من جملة من يحضروه من العلماء بهذا 
الشأن «ابراهيم بن هلال»"“. 

في حين أن أحمد بن محمد الصاغاني المهندس في بغدادء كان يحكم صناعة 
الإسطرلاب والآلات الرصدية غاية الإحكام وآلاته منكورة بأيدي أرباب هذا 

الشأن 0 


ولو تمت مراجعة قوائم الكتب التي كتبها العلماء المسلمون لوجدناها ازن 
تدل على مدى إسهام هؤلاء العلماءء ومدى ارتباط العلوم بأنواعها بالتطور وبحاجات 
الحضارة الإسلامية الناشئة. فعلى سبيل المثال لو استعرضنا قائمة بأسماء مؤلفات 
الکندي› لتأكدت صحة أقوالنا تلك» لأن هذه القائمة كما ذكرها ابن أبي أصيبعة في 
طبقات الأطباء تشمل عناوين هامة في هذا الحقل منها: رسالة في صنعة الإسطرلاب» 
رسالة في استخراج خط منتصف النهارء وسمة القبلة بالهندسةء مسائل في مساحة 
الأنهارء رسالة في علم نفث الدم» رسالة في وجع المعدة والنقرس» رسالة في العطر 
وأنواعه» رسالة في المد والجذرء رشالة في الحقرات ...9 . 


11۳ م۸ مجلة دراسات تاريخية 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


هذه القائمة مختارة من عالم إسلامي واحد تعالج مشكلات الكون والانسان والنبات 
والحيوان وجميع الظواهر الطبيعية لتدل دلالة هامة على الدور الريادي للعلم في حياة 
المسلمين والدور الذي لعبه العلماء العرب المسلمون في معالجة مشكلات الحضارة 
وحاجاتهاء وتعاملها مع هذه المشكلات والتحديات الحضارية بشكل يدعو إلى 
الإعجاب*. 


فالتطور العلمي كان شاملا وقد جاء كي يلبي الحاجات المتعددة للإمبراطورية 
الإسلامية في مختلف المجالات العلمية «الكيميائيةء الطبيةء الصيدلانيةء التكنولوجية 
العسكريةء صناعة النسيج والورق والتاريخ الطبيعي»ء وقد ظهرت الكتب الموسوعيةء 
والقواميس وكتب الحدودء والتعريفاتء وتصنيفات العلوم» وكتب الجغرافية والطب 
والعمارةء والنحت والطبخء والكيمياء والهندسة والموسيقى والفنونء وتطور مع هذا 
كله نظام الإدارة والقضاء والحسبة والبريدء وكان هذا التطور مرتبطاً أشد الارتب اط 
بطبيعة التحولات الحضارية للجماعة الإسلامية('". 

ولقد تنبه الكثير من المفكرين المسلمين لمسالة ارتباط تطور العلم بتطور 
الحضارةء هذا الربط المتين يبين تطور الحياة اللإقتصادية والاجتماعية للحضارة 
الإسلامية وتطور العلوم وتطبيقاتها أمر لا فكاك منه على الطلاق. فالفيلسوف العامري 
يؤكد قضية نشوء العلم وتطوره وارتباطه بحاجات المجتمع الإنساني فيقول: 

«وأما بابل فمنه ابتداأ علم النجوم.. وسببه أنهم كانوا مقبلين على صناعتي الفلاحة 
والملاحةء ولن يستغنى فيهما عن أحكام النجوم. وأما مصر فمنه ابتداً علم الهندسة 
وسببه أن ماء النيل كان يغرق مزارعهم كل سنة فيحتاجون إلى المساحة في قسمتها. 
وأما الشام فمنه ابتدأً علم الطبائعء وسببه أن الوباء في نواحيه كان يكثر ويعم 
فيضطرون إلى الاستعانة بالقوى الطبيعية»('". 


مجلة دراسات. تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني _ حزیران ۔ ۱۹۹۹ إبراهیم رزوق 


والعلوم كما يرها ابن خلدون تكثر بالعمران وتعظم بالحضارة ويقول ابن خلدون: 
«واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان» والبضصرة والكوفة»ء لما كثر 
عمرانها صدر الإسلام واستقرت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا 
في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى آربوا علسى 
المتقدمين» وفارقوا المتأخرين» ولما انتقض عمرانها وقل سكانها انطوى ذلك البساط 
بما عليه جملة وفقد العلم والتعليم"'. 


ولم يكتف العلماء والمفكرون العرب بشرح وتفسير العلوم الدخيلة «علوم الأوائل» 
أو كما تسمى علوم اليونان» بل قاموا بتحليل ونقد هذه العلوم وإصلاح حالها في أكثر 
الأحيان وبذلك انتقلوا من مرحلة الشرح والتفسير إلى مرحلة النقد ومن ثم الإبداع» 

حيث أبدع العلماء العرب المسلمون في المجالات كافة العلمية» الطبيعية منها 

والفكريةء وقاموا بتطوير العلوم بما يتلاعءم وحاجة الإمبراطورية الإسلامية الجديدة. 

فالاكتشافات والإبداعات العلمية التي قام بها العرب كانت مثار اهتمام الجميع 
وإعجابهم. وقد سبق أن أشار إلى ذلك الفيلسوف الماركسي «فريدريك أنجلز» في 
كتابه «ديالكتيك الطبيعية» حيث رأى: «أنه وبخلاف حدسيات القدامى العبقرية في 
الفلسفة الطبيعية واكتشافات العرب التي كانت بالغة الأهميةء والتي جاءت متقطعة 
وضاع معظمها بدون نتائج("'». 

هذا القرار والاعتراف من «انجلز» بما قدمه المرب المسلمون للبشرية من 
اكتشافات هامة في كافة المجالات الحياةء يعكس إلى حد بعيد اهتمام العڙّب: بتطوير 
العلوم وبمدى أهمية العلم في الحضارة البشرية. ويؤكد في الوقت ذاته ما كان شار 
إليه الدكتور أحمد سعيدان: بأننا كأمة عربية وكعرب: نظرتنا إلى الحياة ديناميكيةء 
نظرة من يؤمن بأن المعرفة الإنسائية في تزايد مستمر وتطور دائ9". 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )٠١-۹(‏ ميلادي" 


وكما يرى د.زكي نجيب محمود: بأن عصرنا هو عصر التحول أي الانتقال من 
ثقافة «الكلمة» إلى ثقافة العلم المؤدي إلى عمل يحمل في دنيا الصناعة الآلية 
الحديثة(*"). 


فطريق التحول من تخلف إلى عصريةء هو أن ننتقل من معرفة قوامها الكلام إلى 
معرفة قوامها الآلة التي تصنه". 
والانفتاح الثقافي على كافة التيارات الفكرية والعلمية أمر هام وضروري في 


حياتنا العربية المعاصرة؛ فالعالم الكبير أصبح قرية صغيرة بعد الثورة المعلوماتية 
الحديثة. 


بالسرعة والديناميكية. لذلك فالتلاقح الثقافي العربي مع الثقافات الأخرى الغربية منها 
والشرقية أصبح من الضرورات الحتمية. وهذا ما أشار إليه الدكتور زكي نجيب 
محمود في أكثر من موضع في کتابه «تجديد الفكر العربي». وحتى لا يكون الإنسسان 
العربي غريبا عن تقافتهء ويؤمن بالتواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب» وحتنى 
يكف عن اعتبار الأفكار الماركسية وصلتها بالفكر العربي ‏ أفكارا غريبة عليه. 
يجب أن تعرض له هذه الأفكار في صورةء تبدو معها وكأنها نابعة من صميم ماضينا 
وتراثناء من أعماق تاريخنا وفكرنا: من «اشتراكية» أبي ذر وعلي بن أبي طالب 
والقرامطة وعقلانية المعتزلةء ومادية ابن سينا وابن رشدء وطروحات ابن خلدون 
المادية التاريخية وديالكتيك «اخوان الصفا»ء وغيرهم من مفكرينا القائلين بالتطور 
۹A)‏ 
في الطبيعة“). 

وإذا كان أجدادنا من المفكرين والعلماء المسلمين القدماء قد أخذوا من اليونانيين 
علومهم ومعارفهم»ء فانهم لم يكتفوا بنقل هذه المعارف والعلوم» بل قاموا بتمثلها ومسن 
ثم نقدها وصياغتها من جديد بمنهج علمي استطاعوا من خلاله اكتشاف الكشير من 


11١ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-0۷ كانون الثاني ۔ حزيران _ ٠۹۹۹‏ إبراهيم رزوق 


einen lh hanah haa 


القضايا والمسائل التي كانت تحتاجها الإمبراطورية الإسلامية. حيث أبدعوا في كاففة 
المجالات والفروع العلميةء طبيعية كانت أم فكريةء ساهمت في صناعة الحضارة 
الإسلامية. وقد أشار الكثير من المفكرين الأجانب والمستشرقين إلى إبداعات العمرب 
واكتشافاتهم التي أغنت الحضارة القديمة. 

ونحن العرب يتميز عصرنا الحالي بأنه عصر العلم والمعرفة. فالرجوع فقط إلسى 
الماضي والتغني بأمجاد الأجداد لن يجدي» بل يجب علينا أن نتفاعل مع ثقافات 
وحضارات هذا العصر كما فعل أجدادنا قديماً. وأن نحاول قدر المستطاع تمثل ثقافات 
وعلوم هذا العصر» ومن ثم صياغة هذه العلوم بمنهجية جديدة تلائم ظروفنا وحياتنا 
العربية. وتسد الثغرات والفجوات الحضارية التي تزداد اتساعا بيننا وبين الحضارات 
العلمية الراهنة. 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني واثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


-٦ 


فهر الحواشي والمضادر المراجم. 


نايف بللوز»› مناهج البحث في العلوم الطبيعيةء الجزء الثانيء مطبعة الإنشاءء 
دمشق ۱۹۸٦‏ _ ص۱۳. 

المرجع نفسه» ص١٠.‏ ۰ 
أحمد سليم سعيدانء مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلامء سلسلة عالم 
المعرفةء الكويت» العدد ١١۳١ء‏ ۸--_ ص۱۱۷. 

نايف بللوز› مناهج البحث في العلوم الطبيعيةء مطبعة الإنشاءء دمشق »۱۹۸٦‏ 
ص٤۱۷.‏ گا 

صلاح قنصوه» فلسفة العلم› دار التنوير» ببيروت» الطبعة الثانيسة» ٠۹۸۳‏ 
ص ۱۰۲. 

قصة الفيزياءء تأليف لويدمتز وجيفرسون هين ويفر» ترجمة د.طاهر تربدار 
ووائل الأتاسي» دار طلاس» دمشق» ۱۹۹٤‏ _ ص۷١٠.‏ 

المرجع نفسه ص۸٠.‏ 

المرجع نفسه ص۸٠.‏ 

صلاح قنصوه» فلسفة العلمء دار التنوير»› بیروت› ۱۹۸۳ صض۱۰۳. 


۰- أحمد سليم سعيدان ‏ مقدمة لتاريخ العلمي في الإسلامء سلسلة عالم المعرفة 


الکویت» العدد ۱١۱۳ء‏ ۱۹۸۸ _ ص۷ه٥.‏ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-٦1۷‏ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 
ف ف 


-١١‏ قصة الفيزياءء ترجمة د.طاهر ترابدر ووائل الأتاسيء دار طلاس»› دمشق»› 
۳,؛, ص ۱۹. 


۲- احمد سليم سعيدان» مقدمة لتاريخ العلم في الإسلام» سلسلة عالم المعرفةء 
الكويت AFY AAA^A‏ ص°۷. 
۳- نفس المرجع› ص" . 


-١ ٤‏ قصة الفيزياءء ترجمة د.طاهر ترابدر ووائل الأناسيء دار طلاس» دمشق»› 
٤‏ ۰۱۰ ص ۲۰-۹ . 


.۲٠ص نفس المرجع»‎ -٥ 
.۲٠ص المرجع نفسه»‎ -١ 
.۳۳_۳۲ نفس المرجع» ص‎ -۷ 
.۲٠ص المرجع نفسه»‎ -۸ 


۹- قصة الفيزياء» ترجمة طاهر تربدار ووائل الأناسيء دار طس )» دمشق»› 
٤‏ ص٦۲.‏ 


۰- نفس المرجع» ص۲۸. 

۱- المرجع نفسه» ص۲۹ 

."٠ص المرجع نفسه»‎ -٣ 

."٠ص المرجع نفسه»‎ -٣ 

. ٠٠١ص صلاح قنصوه»ء فلسفة العلم» دار التنوير» بيروت» 1۹۸۷ء‎ - ٤ 

-٥‏ أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلاميء 
المؤتمر الفلسفي العربي الثائي» ۱۹۸۷ء الأردن» ص٠٠٠.‏ 


114 


“4 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي“ 


۳ نفس المرجع» ص!۲»‎ -٦ 

۷- المرجع نفسهء ص٦ء‏ ۷ 

۸- نفس المرجع» ص٠.‏ 

۹- ابن الندیم» الفهرست» دار المعارف» بیروت» ۰۱۹۸۷ ص۳۳۹. 
اح ارو و تو تر تا دة لن ري اج 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني» الأردن» ۹۸۷٠ء‏ ص١٠‏ . 

. ١١١ص صلاح قنصوه» فلسفة العلم» دار التنوير بيروت» ۱۹۸۳ء‎ -١ 

۲- نفس المرجع» ص١٠٠.‏ ۰ 

-"٣‏ جور ج سارتون» مقال العلم العربي الإسلامي في الشرق الأدنى» مجتمعه 


وثقافته» تحرير كويلر يونغ» ترجمة عبد الرحمن آیوب» دار النشر المتحدة 
القاھرۃ» .٠٤١ ١۱۳۸ص ۱۹٥۷‏ 


£ علي سامي النشارء منهاج البحث عن الفكر الإسلامي» دار المعارف»› القاهرة»ء 
٦‏ ,., ص٤۳۷‏ . 

~o‏ جور ج سارتون العلم الإسلامي في الشرق الأدنىء مجتمعه وثقافته». دار النشر 
المتحدة القاهرة A40۷‏ ص۹۱١۱‏ . 

.۱۱۱ صلاح قنصوه» فلسفة العلم› دار التنوير»› بیروت» ۱۹۸۳ ص‎ ۳٦ 

۷- أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلامي» 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني» الأردن ۱۹۸۷ء ص١٠.‏ 

۸- أحمد فؤاد باشاء التراث العلمي للحضارة الإسلاميةء دار المعارف» الققاهرة 
۳ ص۱٣۱۱‏ . 


11۰ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹۹٩‏ [براهیم رزوق 


۹- أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلامي» 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني الأردنء ۷)›؛›+؛,, ص٤۱‏ . 

-٠‏ أحمد سليم سعيدان» مقدمة لتاريخ الفكر العلمي الإلامي» سلسلة عالم 
المعرفةء الکویت» ۱۹۸۸ء العدد ١۱۳٠ء‏ ص۸ه°. 

-١‏ عبد الحميد صبراء تاريخ العلوم عند العرب» أهدافه ومشكلاهء أبحاث الندوة 
العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب» معهد التراث العلمي العربي» حلسب 
۹¥ جا ص۲ 1۲-٦‏ . 

۲- نفس المرجع ص٥1-٦٠.‏ 

۳- روبرتسي وكيندي» ابن الشاطر فلكي عربي من القرن الثامن الهجري 
«الرابع عشر الميلادي» معهد التراث العلمي بجامعة حلب» .1۱١١۷‏ 

ء٠١۲١ القفطي» أخبار العلماء بأخبار الحكماءء مطبعة السسعادة القاهرةء‎ -٤ ٤ 
فن‎ 

-٤٥‏ ابن أبي أصيبعةء عیون الأنباء في طبقات الأطباء مكتبة الحياة بيروت»› 
(ب» ت) صض۲۰۰. 

-٦‏ أحمد الربعي»ء محاولة في تفسير اجتماعي لنشأة العم العربي الإسلامي 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني» الأردن» ۱۹۸۷» ص٠”.‏ 

£۷ ج. د. برنالء موجز تاريخ العلم في التاريخ» دار الفارابي» بيروت ۹A۲‏ 
ص٥۷.‏ 


۸- زکي نجيب محمود» تجديد الفكر العربي»؛ دار الشروق القاهرةء الطبعة الثامنةء 
۷, ص ۱۹۱۷-۱٦٦‏ . 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


۹- أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلاميء 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني الأردنء» ٠۱۹۸۷‏ ص"۳. 

ےه٠۳۲٤ ابن تيمية مجموعة الرسائل الكبرى»ء المطبعة الشرقيةء القاهرة‎ -٠ 
. ج۰۱ ص۲۳۸‎ 

“١‏ زكي نجيب محمود؛ تجديد الفكر العربي» دار الشروق؛ القاهرة الطبعة الثامنةء 
۲۷ ص ۱۱۷-۹٦1‏ . 

۲- المرجع نفسه» ص١۸٠.‏ 

۴۳- آبو بکر الخوارزمي: «مفيد العلوم و مبيد الهموم»» القاهرة ١1۸۹ء‏ ص1٦-‏ 
۲ 

٤‏ موفق الدين المقدسي: «تحريم النظر في كتب أهل الكلام»» تحقيق جورج 
لندن» ص ۱-۱۷ © . 

.۸٤ص ابن الجوزي: «تلبيس أبليس»» القاهرة ۱۹۲۸ء‎ -٥ 

-١‏ جولد تسهر» «موقف أهل السنة القدماءء إزاء علوم الاوائل». انظر عبد 
الرحمن البدوي» التراث اليوناني في الحضارة الإسلاميةء وكالة المطبوعسات»ء 
الکویت» ۱۹۸۰.ص۱-۱۹۰٦۱.‏ 

۷- أنظر فتاوى ابن الصالح» إدارة الطباعة المنيريةء القاهرة» ۸٤۱۳ء.‏ 

۸- الصنعاني» «ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان»» القاهرة .٠١١۹‏ 
ص۷. ) 

۹- ابن المرتضىء» المنية والأملء شرح الملل والنحل» كلكتاء ص٦4.‏ 


1~ زکي نجیب محمود» تجديد الفكر العربيء دار الشروق»› القاهرة الطبعة الثامنةء 
۷ ص ۱۷۱-۱۷۰ 


۲۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ . كانون الثاني ۔ حزیران ۔ 1۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 


-١‏ ابن تيميةء الرد على المنطقيين» دار المعرفةء بيروت (ب» ت). 
۲- أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلاميء 
المؤتمر الفلسفي العربي الثانيء الأردن» ۱۹۸۷ء ص۳۹. 

۳ ابن تيميةء كتاب نقض المنطق» دار الكتب العلميةء بيروت (ب» ت ). 

٤‏ ابن تيميةء درء تعارض العقل والنقل› جامعة الإمام محمد بن مسسعود» 
السعودية» .٠۹۸۱‏ 

-٠٥‏ ابن تيميةء نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونانء أنظر مختصر 
السيوطي لهذا الكتاب» دار الكتب العلميةء بيروت (ب» ت). 

٦‏ - أحمد الربعي» محاولة تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلامي» المؤتمسر 
الفلسفي العربي الثاني» الأردنء ۱۹۸۷ء ص٤۲.‏ 


۷“ زکي نجیب محمود» تجديد الفكر العربي» دار الشروق› القاهرة» الطبعمة 
الثامنة» ۰۱۹۸۲۷ ص۹-۱۹۸١۱.‏ 


۸“ نفس المرجع» ص۹٦٠.‏ 
۹- الغزاليء المنقذ من الضلالء مؤسسة ناصر الثقافيةء بيروت ١۱۹۸ء‏ ص١1.‏ 
۰- تفس المرجع»› ص" .٦‏ 


-١‏ أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربسي الإسلامي» 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني الأردن»ء ۷ ؛›؛+؛,, ص ٤٥‏ . 
- الغزاليء مقاصد الفلاسفةء مطبعة الكردي» القاهرة» ١۳١۱ه»‏ ص۷ . 


۳- ابن حزم»› التقريب لحد المنطق تحقيق إحسان عباس بیروت»› ۹٥۹٠ء‏ 
ص۱۹۸۹. ۰ 


. ابن حزم رسائل» تحقیق إحسان عباس» القاهرة مجموعة (۱)» ص۸۷‎ -٤ 


۲۲۳ 


تاريخ الفكر العربي العلمي اليوناني وأثره على الفكر العربي الإسلامي "من القرن )۱١-۹(‏ ميلادي" 


۹٥۹ ابن حزم» التقريب لحد المنطق؛ تحقیق احسان عباس» بیروت»›‎ “٥ 
. ۱۱١-۱۱١۹ ض‎ 

١ج د.حسين مروة : «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»»‎ -١ 
.٥ ٤ص‎ ۰۱۹۷۸ بیروت»‎ 

۷- أحمد الربعي» محاولة نحو تفسير اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلامي»› 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني» ۱۹۸۷ء الأردن» ص١٠.‏ 

۸ ابن ائ أصيبعة» عيون الأنباء في طبقات الأطباءء دار مكتبة الحياةء بيروت»ء 

ص۳۰۰ . 

۹- أنظر قائمة كتب الكندي في فهرست ابن الثديم» ص۸١أ٠-١٠أ٠٠.‏ 

-٠‏ ابن الهيثم» الشكوك على بطليموس» تحقيق عبد الحميد صبره» نبيل الشهابيء 
مطبعة دار الكتب» القاهرة ۱+ ص ۳-۳ . 

-١‏ أحمد الربعي» وة ت تقزر اجتماعي لنشأة العلم العربي الإسلاميء 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني» الأردن» ۱۹۸۷ ص۲۷. 

۲“ ج.د.برنالء موجز تاريخ العلم في التاريخء دار الفسارابي بیروت»› ۱۹۸۲ء 
ص٥۷.‏ 

۳- ابن أبي أصيبعةء عيون الأنباء في طبقات الأطباء دار مكتبة الحياةء بيروت» 
ص ۲۸۷-۲۸٦‏ . 

.ه١١۲١ القفطي» أخبار العلماءء بأخبار الحكماءء مطبعة السعادةء القاهرة»‎ -٤ 
. ۱٥۷ص‎ 

.٠٤١١-۱٤۲۰١ نفس المرجع» ص‎ -٥ 


. ٥٤ص المرجع نقسه»›‎ ~۸٦ 


1٤ 


. مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ إبراهيم رزوق 
Dan e‏ 


۷- تفس المرجع› ص .°٦1‏ 

٠‏ ۸- أحمد الربعي» محاولة في تفسير اجتماعي لنشأة العلسم العربي الإسلاميء 
المؤتمر الفلسفي العربي الثاني؛ الأردن» ۱۹۸۷ء ص۲۳-٤۲.‏ 

۹- نفس المرجع» ص٤‏ ؟. 

١‏ - نفس المرجع› ص°۸. 

.۲/٠۷۹ أبو الحسن العامريء الأمد إلى الأبدء «مخطوط» مكتبة السليمانية»‎ -١ 

۳- ابن خلدون» المقدمةء الجزء الثالٹث» ص٤ .٠١٠٠١-٠٠١۲‏ 

۳ - فريدريك»› انجلزء ديالكتبك الطبيعةء ترجمة د.توفيق سللوم» دار الفارابي»› 
بیروت»› ص٥۲‏ . 

٤‏ - أحمد سليم سعيدان»ء مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلامء سلسلة عالم 
المعرفةء الکویت»› ۱۹۸۸ء العدد ١۱۳٠ء‏ ص٦٠۲.‏ 


40~ زکي نجیب محمود» تجديد الفكر العربي»› دار الشروق»› القاهرة الطبعة 
الثامنة»ء ۱۹۸۲۷ ص٤٣۲‏ 


. نفس المرجع› ص۲۳۹‎ -۹٦ 
. المرجع نفسه» ص۱۸۹‎ ~۹۷ 


۸“ توفيق سلو نحو رؤية ماركسية تراث بی» دار الفكر الجديد ڊ ٽ۰ 
۴ پي؛ دار يده بډڍرو 
۸,؛,؛, ص٦۲‏ . 


آثر الضرائے فی ثوابت ومتخیرات سياسة الحلافة 
الفاطمية في مرحلتها المخربية 


الدكتورة بوبة مجاني 


قسم التاريخ . جامعة قسنطية 


أثر الضرانب في ثوابت ومتفيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


1۲۸ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۸-7۷ ۔ کانوت الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹٩۹‏ بوية مجاني 
س 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في 
مرحلتها المغربية 


قستّم القاضي النعمان المجتمع الذي كان يحكمه المذهب الإسماعيلي إلى خمس 
طبقات: الطبقة الأولى هي طبقة الجندء والثانية الخراج» والثالشة الكتاب والعمال 
والقضاةء والرابعة التجار ذوو الصناعات» والطبقة الأخيرة كان يسميها الطبقة السفلىء 
وهي طبقة أهل الحاجة والمسكنة المبتلون بالحاجة إلى جميع الناس'. ولم تكن هذه 
الطبقات الخمس حسب رأي القاضي النعمان يصلح بعضها إلا ببعض .كما بيّن نوعية 
العلاقة التي كانت تربطها ببعضها بعضاًء وكان الجند عنده في الدرجة الأولى من 
ناحية الأهميةء فهم عز السلطان»ء وهم سبب المن والاستقرار وانضباط الأمور غير أن 
أمرهم لا يستقيم إلا بتوفير المال لتلبية متطلباتهم. فبالمال يقوون على جهاد عدوهم 
ويوفرون الأمن والاستقرار لمجتمعهم وسلطانهم» فهم زين الملكء على حد تعبيره(". 

أما أهل الخراج فقد أوصى القائمين على الأمور بصلاحهم» فهم الذين كانوا يمتون 
السلطة والمجتمع بالأموال اللازمةء وبذلك توجب على السلطة أن تسهر وتعمل على 
تعمير أراضيهم»لأن عمران الخزائن لا يكون إلا بعمران الأرض". وأمر الدولة لا 
يستقيم إلا بالجندء و هؤلاء لا يستقيم أمرهم إلا بالأموال التي تأتي من مصدرين» كما 
حددهما النعمان» الأول: هو الفيءء أي ما يوفره الجند لأنفسهم عن طريق 
جهادهم»المصدر الثاني هو الخراج.. 


وينبغي لأمور الطبقتين المتقدمتين الجندء وأهل الخراج أن تنظم علاقتهما طبقة 
الكتاب والعمال والقضاةء فهم المنفذون لسياسة الدولةء والمتولون لأمورها الإدارية 


۱۲۹ م٠‏ مجلة دراسات تاريخية 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


كجبي الضرائب» وهذا الذور الذي يقوم به العمال بمساعدة الكتاب» أما القضاة فيم 
الذين يسهرون على حفظ مصالح, السلطة وكذلك المجتمع بإعطاء كل ذي حق حقهء 
كما ينظرون في الخصومات بين الناس(. . 

أما طبقة التجار فان أهميتها في هذا المجتمع لا تتعدى الانتفاع بما يصنعون وما 
يكفون به الطبقات الثلاث الأخرى ليتفرغ هؤلاء لمهامهم التي أنيطت بهم» والطبقة 
الأخرة وهي فئة المحرومين وأهل .الحاجةء فإنها كانت تحتاج إلى الطبقات الأريع(١)‏ 
لأنها طبقة غير منتجة ولا ذات-منفعة. 


ووی دا التقسيم» أو النظرة للمجثمع على بعد اقتصادي في المشروع السياسي 
الفاطمي» الذي لا يتحقق إلا بالعمل العسكري وهذا يحتاج إلى الأموال الطائلة لتجهيز 
الجيوش وإعدادهاءوهذه الأموال تأتي مما يغنمه الجيش نفسه في حروبه أو جهاده ضد 
الأخل وهم المصدر الأول للتمويل» أما المصدر الثاني ذ فهو الضريبة. كما أن العمل 
العسكري جهاد في سبيل الله "عند الشيعة" فرضه الله على عباده ودعاهم الأئمة 
لهذا جعلهم -أي الأئمة- أسباب رحمته ونعمتة عليهم وهو مكمًل للعمل السياسي أو 
عمل الدعاة لذين ظاوا يعملون لسنوات طويلة بروجون المذهب 2 e‏ 
ويجمعون حقوق الإمام المالية من الأتباع.. ‏ 

ومما يلفت الانتباه في هذا التقسيم هو نظرة مشزع الدولة لطبقة التجار التي جعلها 
موفرة فقط لخاجات المجتمع. وبذلك تكفي كل الطبقات مؤونة ما يحتاجونه في حياتهم 
اليوميةء ولم يتحدث عن الضرائب الثي تفرض عليهم» غلسى الرغم من أن هذه" 
الضرائب كانت من الركائز الأساسية في السياسة المالية الفاطمية على مستوى الواقع 
التاريخي 

وكانت طبيعة السلطة العسكرية فيْ المرحلة المغربية من حياة الخلافة الفاطميةء 
هي خطوة على طريق المشروع السياسي الفاطميء فالثابت أو الهدف الأسمى في هذا 


> 


۰ 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۸7۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ بوبة مجاني 
ڪڪ 


النشروع هو إسقاط الخلافة العباسية المغتصبة لشرعية آل البيت. وما التنويه بأهمية 
أصحاب الخراج إلا شعور. بمدى أهمية الأرض والزراعة في حياة المجتمعات. وقام 
هذا التوزيع للأدوار في المجتمع الإسماعيلي» وكما رآه مشرع الدولة وفقيهها علسى 
ثلاث ركائز أساسية: الركيزة الأولى الجيش» وهو الحامي للعقيدة "الإيديولوجية' 
وكذلك الأرض التي هي الركيزة الثانية في هذا المشروع أ و الثابت» أما الركيزة الثالثة 
فهي الإرادة المترجمة والمطبقة للإيديولوجية الإسماعيلية. 


وكانت الطبقات الخمس في المجتمع الإسماعيلي ت ت ا ا الذي 
E‏ 
لأن رضا الإمام موصول برضا الله» وسخطه مقرون بسخطه»ء وبذلك على الففرد أن 
يسعى إلى رضا الله الذي جعل وابه الجنة. ووجوب طاعته وفرأضيها في المذهسب 
الإسماعيلي جاء ذ في القرآن الكريم بناء على تفسيرهم للآية الكريمة « ...أطيعهوا الله 
٠‏ أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. ..). فأولو الأمر هم الأئمة الاسماظيون في 
ويل الآية عندهمء وكائت هذه الطاعة واجبة في كل شئ كما كانت طاعة الرسول ‏ 
واجبة في زمانه. وإذا كانت مرتبة الإمامة لا تعلو عن مرتبة النبوة فان الطاعة جاءعت 
واحدة ومقرونة بطاعة الله ورسول» وبذلك لا يكون الفرد مسلماً حقيقياً إلا بطاعة الله 
والرسول والإمام 


كما أن هذه الطاعة تکون فی کل شئ بخص جياه الفرد؛ ومر الانام لا ر ولا 
تجوز معارضته ولا الاعتراض عليه» وكل من حاول فعل ذلك عة ارذ وف 
حلال". ولقد قدمّت الإمامة الإسماعيلية للناس كبرنامج ثور اصلاحي اقتصنادي: 
واجتماعي نتيجة الفساد الذي عرفه المجتمع الإسلامي بعد أن حكمه المغتصبسون 
للشرعيةء وبذلك اغتصبوا كل حقوق الأئمة وواجباتهم من بينها جباية الأمسوال 
(كالصدقة على الإبل والبقر والغنم وما يجب على الأموال وما أخرجت الأرض 
وصدقة الفطر)("'ء هذه الأموال بعد موت رسول الله ## لم يمتنع المسلمون عن 


۳۱ 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


دفعهاء وأصبحت تدفع إلى من تولى أمر المسلمين بعمده واستأثر بها بنو أمية 
وصرفوها في غير أوجهها المحددة لها '(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والععاملين 
عليها والمؤلفة قلوبهم وقي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من 
الله والله عليم حكيم)0 '. 

وعليه يجب دفعها إلى من أمر الل بدفعها إليهم وهم آل البيت. ومن هنا يتبين أن 
من واجب الأئمة أخذ الصدقات لأن اش أمرهم بذلك وعدم جبايتها هو إخلال بالواجب. 


ومن ناحية أخرى أمر الل الناس أو المسلمين بدفع خمس أموالهم إلى الأئمةء وهو 
المال الذي عوّض الله به عليهم عن أموال الصدقات التي جاءت في الآية صريحة في 
أوجه صرفها. ولقد حرمت الضدقات على أهل البيت»ء حتى وإن كانوا فقراء أو 
مساكين أو عاملين عليها أو غارمين أو من المؤلفة قلوبهم»ء أو أبناء السبيل أو 
المجاهدين. لهذا جعلهم الله أمناء على قبضها وصرفها في أوجهها المحددة بللانص 
وعوض عليهم ذلك بالخمس استنادا إلى قول الإمام جعفر الصادق: «الخمس لنا أمهل 
البيت ليس للناس معنا فيه شئ ونحن شركاؤهم في أربعة أخماس الغنائم فيما شهدناه 
معهم والخمس لنا دونهم يعطى منه أيتامنا وفقراءنا ومساكيننا وابن سبيلنا وليس لهم 
ولا لنا في الصدقات شئ»"". وقول اث عز وجل: (واعلموا أن ما غنمتم من شئ 
فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)." يقسم هذا 
الخمس بدوره إلى خمسة أسهم: سهم للرسول 4# ويصرف منه علسى نفسسه وعلى 
أزواجه ومصالحه ومصالح المسلمينء وسهم لذوي القربىء ثم ثلاثة اسهم لليتامى 
والمساكين وأبناء السبيل كما جرى في حياة الرسول ظف. 


ولقد اختلفت الآراء حول الخمس بعد وفاة الرسول هة فحول إلى بيست مال 
المسلمين. وتذكر بعض الراويات أن سهم الرسول # وذوي القربى سقط بعد موت 
الرسول # واصبح يدفع إلى بيت المالء ولم تبق إلا ثلاثة أسهم الأخرى. وهذا موقف 


۳۲ 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 11-7۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ بوبة مجاة 


كل من الإمام مالك وأبي حنفية. أما الشافعي فلقد أسقط سهم الرسول 4# فقط بعد 
وفاته» وأبقى على سهم ذوي القربى» أي حق بني هاشم. وأرجع بعضهم هذا الحق إلى 
الخليفة بعد موت الرسول ##. وفيهم من رأى أن السهمين يصرفان في الكراع 
والسلاح. ١‏ 

ولقد خالف المذهب الشيعي المذاهب السنية خلافا كليا في مصير هذا المال (خمس 
الغنيمة)ء حيث رأى أنه كان يعود إلى الرسول 4 لما كان حياء ولما انتقل إلى جوار 
ربه عاد إلى الإمام من أهل بيتهء يعطي منه قرابته وأهل بيته الذين يراهم بحاجة إلى 
ذلك ويضعه فيما أحب." فالشيعة بذلك يريدون استرجاع حق اغتصبه منهم الخلفاء 
الذين حكموا بعد وفاة الرسول ##ء وذهب الفقهاء الشيعة إلى أبعد من ذلكء فالخمس 
عندهم ليس خمس الغنيمة أي المال الذي يؤخذ من المشركين بالحرب» بل هو خمس 
كل ما كسبه المرء.' وكانوا يستندون في ذلك إلى قول الإمام جعفر الصادق: 
«أوجب الله تعالى لنا الخمس في أموال عباده المؤمنين وجعله لنا حقاً عليهم فمن منعنا 
حقنا ونصيبنا في ماله لم یکن له عند الله من حق ولا نصیب»('. 

لقد أمر الله الإمام بجمع الصدقات أو الزكاة وصرفها في أوجهها والزكاة فريضة 
دينية وركن من أركان الإسلام أوجب على الإمام تطبيقهاء أما الخمس فإن الث لم يأمر 
الإمام بالسعي إلى أخذه كالزكاةء بل آمر المسلمين بأن يسعوا إلى دفعه لإمام الزمان 
وهو واجبهم»› ويقول القاضي النعمان: «وأما الخمس فلا يكره الأئمة الناس عليه إذ 
کان حقهم وهم مخيرون بين تركه وأخذه» ولم يتعبدهم الله عز وجل بأخذه من يدي 
الناس كما تعبدهم بأخذ الزكاةء ولكنه تبارك اسمه تعبد الناس بدفعسه إليهم بقوله: 
(واعلموا آن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه...).١‏ 

ويبين هذا للدارس أن السلطة الفاطمية حاولت أن تجد للضرائب التي فرضتها 
على الأتباع سندا فقهيا وشرعياء وجعلتها ثبتاً من ثوابت مذهبهاء أي فريضة دينية لا 
يجوز ترکها. 


۲۳ 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


ولم يتحدث القاضي النعمان عن كل الضرائب المذهبية التي كان يأخذها الإمام من 
الأتباع» كضريبة الهجرة والبلغة والألفة". وربما يعود ذلك إلى أن ما جاء في كتاب 
الهمة هو ما كانت تسمح بمعرفته كتب الباطن أو ما جاء في كتب الظاهرء أُما باقي 
الضرائب فلقد تضمنتها كتب الباطن فقط". كما أن الانشقاق الذي حدث في المذهب 
وظهور فرقة القرامطة التي أصبح لها مبادؤها وأيديولوجيتها وتشريعاتها اختلفت في 
كثير من القضايا مع المذهب E‏ ولهذا يمکن ن تكون هذه التشريعات خاصة 
بالقرامطة. 


لقد كان لأاع ييعثون بما فرض عليهم من ضوائب إلى إمام الزمان مسن 6ل 
الجرّ ر٠‏ . فتجمعت بذلك أموال طائلة جعلت بعض المؤرخين يذهبون إلى أن ما 
كسب الإمام في مرحلة الدولة يعد جزءا بسيطا مما كان عنده في أيام الدعوة"'ء 
وكانت أموال الأتباع بالمغرب ترسل إليه عندما كان بسلمية مع رجال كتامة يخرجون 
مستترين مع الحجاج بها حتى يوصلوها إلى المهدي (". 

وكانت الأموال التي يجمعها الدعاة في جزرهم يبعثون بها نقدا أو يشترون بها 
فام من الإمام ما كان يطلبه من مباهج الحياةء فأحد الدعاة بالمشرق كتان يكلف 
E‏ لدين و هذا SE‏ 
لیزنه ۳. 

ولم يكن أصحاب الثروة من الأتباع الذين يدفعون للإمام واجب أموالهم فقطء فلقد 
كان الدعاة يقبلون من ذوي الاقلال بالرغم من ضيق معايشهم ما يدفعونه للإمام ظنا 
منهم أن هذا.يزيدهم تقربا من الله. . وكان الإمام يرى في صدقتهم هذه أفضل من صدقة 
ذوي السعة . وهذا يبين أن الإمام والصبغة الدينية التي أعطاها للضرائب التي 
فرضها على الأتباع جعل هؤلاء يعطون من مالهم حتى ولو لم يكونوا من أهل السعة. 


۳٤ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ بوبة مجاني 


© ر بصت 


وبذلك كان يحقق هدفه الأساسي وهو توفير الأموال اللازمة لتجييسش الجيوش 
E E E‏ 
الجائرة. 

عندما كان الداعي أبو عبد الله يعمل على الترويج للمذهب الإسماعيلي ببلاد كتامة 
كان يأخذ من الأتباع الزكاة والعشر''ء فتجمعت لديه أموال كثيرةء تركهها بأيدي 
الدعاة والمشايخ من كتامة لكي يزيد من تمسكهم بالمذهب ودفاعهم عنه إلى أن أخذه ا 
المهدي منهم عندما قدم من سجلماسة إلى رقادة . وفي سجلماسة التي سجن بها 
وقبل أن يغادرها أمر الدعاة بها أن يحضروا له الأموال التي جمعوهاء فأخذها وعاد 
إلى رقادة" ا قام ا أغنياء. اليهود 0 


لقد كان الدعاة حريصين على أموال الإمام» فلا ينفقون منها على أنفسهم حتسى 
عندما يكونون في أشد الحاجة إليها. فالداعي أبو عبد الله وعلى الرغم من الأموال 
الكثيرة التي. كانت في يده كان يكتفي بالقليل في نفقاته» بل كان يلجا إلى بيع ما عنده 
لينفق منهء ولا يأخذ من أموال الدعوةء أو الإمام» ولا يتصرف إلا بما كان يأمره به 
الإما9". 

كان الداعي أبو عبد الله يريد أن يظهر لكتامة أنه لا يبتغي من عمله هذا إلا وجه 
الله ورضاه وذلك بإيصال الإمام إلى السلطة ليلغي الظلم والجور عن الناس. ولقد ربى 
رجال كتامة وعودهم على الاكتفاء بالقليل والعيش عيشة شة تقشف وز هد تأسيا بأصحاب 
الرسول 4# أيام الدعوة (°" O BE N OT TD‏ 
وكذلك سيرة رجال كتامة المال الكثير لهء وجعلته ينشئ جناحا عسكريا قادرا علسى 
إسقاط كل القوى السياسية التي كانت تحكم بلاد المغرب في تلك الآونةء بل أصبحست 
الدعوة تعمل على تكوين مال حرب واحتياطي يسمح لها بإقامة أو نقل السلطة إلى 
مصر"'. إلى جانب القوة الماليةء كون الفاطميون من بلاد كتامة قوة بشرية.™" 
وبذلك استولت على مصر بسيوف وأموال المغرب. 


أثر الضراثب في ثوابت ومتفيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


وكان مال الدعوة هو الذي أنفق على التنظيم العسكريء وعندما أصبح هذا التنظيم 
يمارس نشاطه أصبح هو الآخر يشكل موردا من أهم موارد الدولة. 


لقد كان سعي الأئمة في جمع الأموال كبيرأء ففي عهد الخليفة الأول عبد الله 
المهدي» وعندما كانت جيوشه تستولي على بلاد المغرب مدينة مدينةء كان أحد قواده 
يفتح له مدينة عنوة غير أنه لم يجد فيها المقدار الذي يرضي الإمام» فخاف أن يتهمه 
بأخذ الأموال فتمنى أنه لو لم يستطع فتحهاء فعرض عليه خاصة جيشه بأن يعطوه من 
المال الذي معهم ليبعث به إلى الإمام على أنه مال غنيمة. يدل هذا على مدى 
اهتمام السلطة الفاطمية بجمع الأموالء لهذا أرى أن عبد الحي شعبان كان محقا فيا 
ذهب إليه من أنه لا يمكن فهم تاريخ الفاطميين بدون فهم كامل لجميع مضامين 
سياستهم الاقتصادية البعيدة المدى التي قيل عنها القليل جدا". ووضعت أنس هذه 
السياسة في مرحلة الدعوةء والدعاة لم تكن مهمتهم نشر المذهب فقطء بل السهر علسى 
خدمة الإمام في كل ما يحتاج إليه» وشغلوا بذلك بأمور الجباية عن مباشرة مهام 
الدعوة (بل لم يجدوا حرجا في تبديل مبادئها وعقائدها بما يخدم أغراضهم في جمع 
المال وتحصيله)('“. 


هذا فيما يتعلق بالجانب النظري والمذهبي للسياسة الضريبيةء أما على مستوى 
وتحقيق مشروعها السياسيء وهو توفير المال اللازم للسيطرة على بلاد المشرق» بعد 
أن استطاعت أن تجد له سند شرعياًء وهذاً لم يكن ليتسنى لها إلا بإعادة تقدير 
الضريبة على الأرض» وحسب ما كانت تراه موائمأًء وبالسيطرة كذلك على مسالك 
تجارة الذهب(‘؛) ومراقبة القوافل التجارية العابرة لأراضيها والنشاط التجاري الذي 
كان يجري داخل حدودها مراقبة مالية شديدةء بحيث لم تسمح لأحد بالتهرب ممن 
دفعها. 


۳١ 


ة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹۹‏ بوبة مجاني . 


| وقدرت السلطة الفاطمية الضريبة على الأرض الزراعية حسبما كانت تراه عاكسا 
يمة ما تنتجه الأرض» ولم تكن ترى في هذا تجاوزاء بل كان في نظرها فهم صحيح 
ص الشرعية» فالخراج تقديره أدناه وأقصاه اجتهاد. كما أنه كان يفرض على 
الإرض العامرة والأرض الغامرة» وما كان يراعى في تقديره هو ظروف الري والبعد 
ن الأسواق فقط. 


e 


أما الطريقة التي قدرت بها الدولة الفاطمية الخراج فقد عرفت بالتق يط" أو 
المقنط"“. فقامت في البداية بمسح الأر ض» وعرف هذا الإجراء بالتعديل/“ء ثم 
نظرت في أوفر مال جمع في سنة وفي أقلهء ثم قامت بعدها بجمع المالين وفرضت 
نصفه أو شطره على كل ضيعة(“). وفي سنة ١٠٠هء‏ قام الخليفة عبد الله المهدي 
بإصلاح هذا النظام بفرض ضريبة سماها التضييع؛ وقال إنها من بقايا التق يط ١ء‏ 
وبلغ مقدارها على ضيعة زيتون أحد علماء المالكيةء وهو أبو جعفر أحمد بن أحمد ' 
ابن زياد (ت )۳٠۸‏ ستون مثقالاً"“ء مما يبين ثقل هذه الضريية على أصحاب 
كبار رجال الدولة لذلك. غير أن الخليفة رفض التخفيف “ فنعته (علماء المالكية) 
بذلك في كتب طبقاتهم بالجور ونقموا عليه ووقفوا موقف العداء وأخذت المعارضة 
منه في البداية شكل مناظرات بينهم وبين الدعاةء ثم تعاونوا مع الخوارج في القيام 
بالثورة عليه ومن جاء بعده ("“. 

عندما كان الداعي يستولي على بلاد المغرب لصالح الإمام المنتظرء وعندما 
استولى على مدينة طبنة بالزاب في سنة ۲۹۳ هء رفض أن يأخذ أموال الجباية من 
عشر وزكاة وجزية مخالفة للشرع وأمر بردها على أصحابها لتعاد. جبايتها حسبما 
حددته النصوص الشرعية. أما الخراج فقد أمر الجباة برده إلى أهله وقال لهم: 
«لا قبالة ولا خراج على المنلمين».' غير أن الإمام الفاطمي عبد الله المهدي 
عندما تولى السلطة لم يلغ الخراج بل أبقى عليه. واستحدث طريقة جديدة لتقديره كما 


1۳4 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


ذکرنا من قبل. ولم یف بما وعد به أو أعلن عنه الداعي أبو عبد الله. ربما لأن الداعي 
کر جت ا ا جور السلطة الأغلبية سوف يلغيه عل الإمام 
ا : 

وعندما تولى.الإمام السلطة لم يعد الناس بتأمين أموالهي آمنهم فقط في أنفسهح 
وذويهم. وعندما سألوه التأمين. في الأموال عرض عنهم '. وينطوي عدم الالتزام 
هذا على نظرة المذهب الإسماعيلي للأموالء فهي أموال الإمام له الحق فيهاء ولذل ك 
هو الذي يشرع سياستها بناء على تأويله للنصوص. 

ولقد اتبع الفاطميون في جباية الضرائب نظام القبالةء على الرغم من أن الداعسي 
أعلن للناس أنه لا قبالة ولا خراج. والقبالة أو الضمان هي طريقة لجبي الضرائب 
كان المتقبل يتعهد بموجبها بدفع مبلغ معين للدولة سنوياًء وكان يتولسى هو جباية 
الضرائب المفروضةءعلى الإقليم. وغالبا ما يكون مبلغ التعهد أقل من المبلغ الذي 
يجبيه. والفائض يعود لحسابه الشخصي» ويذكر ابن حوقل: أن كل المغرب في العصر 
الفاطمي كان يعمل بالأمانة حتى تقبلت برقة وليس جميع المغرب ضمان غير ه0١١‏ 
غير أن برقة لم تكن الإقليم الوحيد الذي تقبلء فولاية المسيلة كانت تعمل بهذا النظام '' 
أيام حكمها من طرف جعفر بن علي بن حمدون الأندلسيء لكنه كان دون عهد أو 
دون ان يتفق معه الإمام على مبلغ معين» لهذا أراد المتقبلون أن يزيدوا على المبالغ ٠‏ 
الذي كان يدفعه وبعقدء إلا أن الخليفة رفض هذا العرض تقديراً لجهود أبيه. كا 
أن المهدية عاصمة الخلافة تقبلت هي الأخرى ولم يلغ نظام القبالة بها إلا بعد أن شكا 
أهلها للخليفة المعز لدين الله من ثقل الضرائب» فألغاها لكونهم أهل طاعته وحرم 
آبائه(°°). 


ونظام القبالة هذا لم يستحدثه الفاطميون. فقول الداعي لا قبالة ولا خراج على 
المسلمين يعني أن هذا النظام كانت تعمل به الدولة الأغلبية. لهذا وصف السياسة 


۴۸ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-7۷ - کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹٩‏ بوبة مجاني 
س A We‏ 


المالية الفاطمية بالجائرةء لأنها استحدثت ضرائب وعملها بنظام القبالة فيه نوع من 
الغلو» ويرجع ذلك إلى ما كتبه المالكية عن الدولة الفاطميةء والى الصورة التي 
رسموها لسياستها بسبب العداء المذهبي» بالإضافة إلى ثقل هذه الضرائب التي أرادت 
السلطة أن تجعلها شرعية وبدون أية تجاوزات» لأنها حسب رأيهم أمر الله. 

لقد وضعت الدولة الفاطمية ضرائب على كل النشاطات الاقتصادية بالإضافة إلى 
الضرائب الشرعية المعروفة من خراج وجزية وعشر وزكاة. ففي المناطق التي تعمد 
مناطق عبور للقوافل أو محطات تجارية مهمة»ء كان للسلطة الفاطمية موظفون يتولون 
جباية الضرائب التي تفرض على المتاجر. ومن هذه المراكز والمعابر مدينة اجدابية 
بولاية برقة التي كانت معبرا مهما من المعابر التجارية إلى بلاد السودان. فكانت 
قوافلها العابرة إلى بلاد السودان» أو العائدة منها إلى بلاد المغرب» تدفع ضرائب. 
أما معابر ومراكز تجارة العبور مع المشرق فكانت مدينة صبرةء شرقي طرابلس› 
هي التي تدفع بها الضرائب على المتاجر المتجهة إلى الشرق من الغرب أو العكس. ‏ 
وهذا المرزصد لم يكن موجوداً في الحقبة المتقدمة على حقبة الخلافة الفاطمية وإنما 
استحدثه الفاطميون عندما حكموا بلاد المغرب "“. ولكي ا ای تساجر .شان 
الضرائب التي فرضت عليهء أنشأت الدولة مراصد للمراقبةء فبمدينة سرت كانت تتم 
مراقبة القواقل التجارية مراقبة دقيقةء وذلك من خلال السجلات التي تحملها لكي 
يتعرفوا على دافع الضرائب من الذي تهرب منها في أفريقية. ° 

وإذا اتجهنا ناحية الغرب يذكر ابن حوقل أن الدولة الفاطمية أنشأت بمنطقة 
الأوراس وبمدينة دار ملول مرصدأ لدفع الضرائب على حمولة القوافل. وهذا يبين 
أن الدولة الفاطمية وضعت المرصد تلو الأخر لمراقبة كل الطرق التي ارتادها التجارء 
حتى تتمكن من استخلاص الضرائب التي فرضتها عليهم» مما يبين دقة النظام الجبائي 
الذي سخرت له كل الوسائل» حتى تتمكن من تطبيقه على الوجه الذي تريده. 


۹ 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


هذا بالنسبة للطرق البريةء أما بالنسبة للمعابر والمراكز البحرية فإن المراسي التي 
كانت تستقبل السفن القادمة من المشرق» أو المغرب» أو بلاد الأندلس فد كان التجار 
يدفعون بها الضرائب الواجبة عليهم كمرسى المهدية و طبرقة وطرابلس وتنس ١(‏ 
على كل ما يدخل إليها وما يخرج منها من بضائع. 

ولقد كان يراعى في تقدير هذه الضرائب حمولة القافلةء فعندما أهدى والي برقه 
أفلح الناشب في عهد الخليفة المعز لدين الله عشرين بعيراً للأستاذ جوذر محملة 
بالهداياء بعث هذا الأخير إلى الخليفة يطلب منه أن يكتب له سجلا بالإعفاء ممن 
الضرائب يكون بيد المتصرف في هذه الجمال حتى لا يدفع عليها ضريبة عند أبواب 
المدن والرحاب» لأن حملها كان تقيلاء فأمر له الخليفة بما أراد ". ويمكن أن نستدل 
على مدی مقدار الأموال التي كانت تدخل بيت مال الدولة من الضرائب التي كانت 
تفرض على المتاجرء ما بلغه دخل باب واحد من أبواب مدينة المنصورية وفي يوم 
واحد بلغ ۲٠‏ ألف درهم "ء مع أن هذه الرواية قد جاءت في صيغة تشكيكيت 
فراويها قال والله أعلم بالصواب. إلا أنها على الرغم مما تنطوي عليه مسن مبالغفة 
تعکس مدی ما کان یدخل بیت المال من أموالء كما أن تقدير ابن حوقل لإيراد الدولةء 
وبناء على قول الذين كانوا يتولون بيت المال بلغ ما بين ۷٠١‏ لف و ۸٠١‏ ألف 
دينارء ويقول أنهم لو أرادوا بسط أيديهم لبلغ الضعف» يبين أن الدولة الفاطمية كان 
بيدها أن تستغل كل الموارد المالية من خراج وعشر وصدقات ومراع وجوال 
ومراصد بالمقدار الذي تریده. ١°‏ 

لقد مسّت هذه الضرائب الحجاج كذلك؛ فالخليفة عبد الله المهدي فرض عليهم أن لا 
يسلكوا طريقاً إلى الحج إلا طريق المهديةء ليدفعوا بها مغرماء وربما يكون هذا 
الإجراء من الخليفة الفاطمي ليزيد من النشاط الاقتصادي في عاصمته حتی یستطیع 
أن يجبي من المال ما استطاع. وكانت هذه الضرائب تلاحق الحجاج أينما توجهوا في 


0 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ . كانون الثاني ۔ حزیران _ ٠۱۹۹٩‏ بوبة مجاني 
ی ی ا 


بلاد المغرب» فعندما خرج أبو يزيد النكاري حاجاً كان يطالب بالضرائب في كل 
موضع يمر به مما جعله يقول: «ليس لله علينا أن نشتري حجة».9١‏ 

ولا بد أن هذه الضرائب التي مست أبا يزيد قد مست أباه كذلك الذي كان تاجرا 
يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة ء على الرغم من عدم إفصاح أبي يزيد عن 
ذلك» لهذا أعلن ثورته على السلطة الفاطمية التي مسّه جورها وشططها الضريبسي. 
فقام ليلغي هذه الضرائب عن الرعية. 

وكانت ثورة أبي يزيد في مظهرها عامة على الرغم من صيغتها المذهبيةء 
جمعت إلى جانبه السنة التي متها جور السياسة الضريبية الفاطمية كذلك ء 
وجاءت أسبابها اقتصاديةء فالجور الضريبي مس كل أهل المغرب من غير الشيعةء 
لهذا توحدت أهدافهم وأجمعوا على إسقاط الخلافة الفاطميةء وعمل أبو يزيد على 
تخريب المصدر الذي كان سبب ثراء الفاطميين بإفساده المزروعات في منطقة 
الأوراس منطلق ثورته""ء كما أنه بإعلانه الثورة أشاع عدم الأمن في المنطقةء 
وبذلك كان يحد من تنقل التجار ونشاطهم» وعليه فلا يمكن للدولة أن تفرض الضرائب 
عليهم. 

ومما يؤكد الدوافع الاقتصادية للثورة نص الحوار الذي دار بين الخليفة المنصور 
وصاحب الحمار عندما قبض عليه» ومما جاء في هذا الحوار: (... فقال الإمام تكلم 
أمامنا بملء فيك» ما الذي نقمت فيه على أمير المؤمنين ؟ فسكت» فقال له الإمسام: 
«عم» تكلم! فسكت أيضاًء فقال له الإمام: «والله لتقولن» فرفع المارق رأسه ثم قال: 
نعم كان أبو القاسم كريما حوله قوم سوء هجنوه» فقال الإمام: بماذا؟ء فسسكتءفقال 
الإمام: لتقولنء قال المارق: هذه القبالات التي فيها الجور على .المسلمين فقمت منكرا 
لذلك أريد إصلاح أمور الناس» قال: فهل علمت أن ذلك عن رأي أمير المؤمنيسن 
وأمره؟قال المارق: لا أعلم» إلا أنهم قد فعلواء قال: فهلا كنت تشكو ذلك إلى أمير 
المؤمنين وتطلعه إن غيّر المنكرء كان الذي أردت وإن لم يفعل اتخذت بذلك عليه 
الحجة»). ^ 


. أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


إن الناظر في هذا النص يتبين له أن الرواية الفاطمية الرسمية تريد أن تحمل 
موظفي الدولة مسؤولية فرض الضرائب الجائرةء وأن الخليفة لم يكن يعلم ذلك» ومما 
يؤكد ذلك قول الخليفة القائم للاتباع عندما خرج صاحب الحمار عليهء إن هذا الخروج 
كان بسببهم لأنهم لم يمتثلوا لأوامره ويقصد بالاتباع "كتامة" ١.‏ 

وقام الخليفة المنصورء وبعد أن انتصر على أبي يزيد في القيروان سنة٥ ٣۳‏ ه_ 
ا أفريقية بعدة إجراءات مالية مغايرة لما كان يتبعه من قبلء فتضدّق على 
الفقراء» وأمر قاضي القيروان المالكي محمد بن .أبي منظور بتوزيع هذه الصدةة"ء 
وکان الخليفة المنصور قد ولاه قضاء القيروان ليسكن به نفوس أهل ا لا 
يدفعهم إلى الثورة عليه مرة أخرى". 

لقد ضمّن الخليفة المنصور الإجراءات المالية التي اتخذها للتخفيف عن الرعيسةء 
خطبته التي قراها حاجبه جعفر بن عليء فأعلن عن إعفاء جميع الناس من الجبايية 
لسنة ١٠ه‏ المسلم والذمي على حد سواء لكي يساعدهم على إعادة 3 تعمير أرضهم» 
وعودة الذين تركوا أراضيهم من أهل البواديء كما وعدهم بالرجوع في المستقبل إلى 

اکان الشرع في جباية الضرائب» فلا يأخذ إلا المشر والصدقةء الطعام من الطعاي» 
الشاة نلعت و لتزن من البق و ابعر من الل كما وغد باط ها الجن 
وإحياء الحق ولاتة الظلم والباطل (.. 
هذه الإجراءات التي اتخذها الخليفة المنصور وفي الخطبة نفسها التي قرأها حاجبه 

جعفر تبيّن.بأنه. اتخذها بعد النصر»ء حتى لا يفسر الجهّال على حد تعبيره بأنها استمالة 
٠‏ لقلوب .الرعية وخوف من العدو بل هذا ا لله على ما من به عليه من 
نصر على العدو". 

ومن الثابت بالنسبة للسياسة الفاطميةء أن ثورة صاحب الحمار لم تستطع أن 
تجعلها متغيرة. فعلى الرغم من شدة الثورة وظهورها بمظهر العنف والقوة حتى 


1۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ بوبة مجاني 


كادت أن تقوض الدولة بهجومها على عاصمتهاء وإقدام الخليفة على إلغاء الضريبة 
السنة حتى يعود الناس إلى بواديهم» وبذلك يعود للأرض عمارهاء هذا الإجراء ينم عن 
تمسك الدولة بثوابتهاء وهو توفير الأموال لتحقيق المشروع السياسي. فعندما لا تنتسج 
الأرض فإن بيت المال لا يعمّرء وبذلك تعجز الدولة عن تحقيق أهدافهاء كما أن إلغاء 
ال ف اة وة را بوي مله بر ي درت درك وا م ها 
مع الوضع بذكاء حتى يتمكن الإمام من الوصول إلى أهدافه. ولقد أثبت الخلفاء 
الفاطميون مع كل المشاكل التي واجهتهم» أن المتغيرات التي تعاملوا بها مع هذه 
المشاكل جعلتهم يحققون الثابت في مشروعهم السياسي» لهذا نجد الخليفة المنصور ما 
إن سكنت الأرضاع جتى فام بشزيد آهل الجبال تجتبا فام ية شورة ط2ا كنا 
أعاد للدعاة الإسماعيلية حلقاتهم المذهبية التي كانوا يعقدونها في المساجد بعد أن منعهم 
وأخرجهم من المغرب وقتل الغلاة منهم . وهذا يبيّن أن الإجراءات التي اتخذها ' 
المنصور لإخماد الثورة لم تكن إلا إجراءات وقائية مؤقتةء لكي يتمكن من تحقيق 
أهدافه العلياء بل بهذه المتغيرات تمكن من تثبيت الثابت في هذه السياسةء وهو إقاممسة 
الدولة الشيعية وبإمامة أبناء محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. ‏ 


ومما يدعم ما ذهبنا إليهء الإجراءات التي عالج بها الخليفة عبد الله المهدي الشورة 
التي قامت ضده بسبب سياسته المالية في مدينة طرابلس» بالسبماح لواليها ماكنون ابن 
ضبارة الأجاني ببسط أيدي كتامة على الناس"ء فأخذوا أموالهم وتطاولوا حتى على 
الحرم مما أدى إلى الثورةء فبعث لهم الخليفة تو العهد القائم بأمر لله سنة٠۰٣‏ ها 
فقضى علي الثائرين» وغرمهم ما أنفق على الجيش وهو مبلغ أربعمائة ألف.دينار ""ء 
على الرغم من أن الرواية الشيعية تكتفي فقط بذكر أن القائم قتل أكابرهم الذين عقدوا 
على الخلاف واستصفى أموالهء". ) 

وكان المتغير الذي عولجت به ثورة طرابلس في بداية حياة الدولة الفاطمية أعنف 
من المتغير الذي عولجت به ثورة صاحب الحمارء لأن الثورة لم تكن بالقوة والشمول 


1۳ 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


التي كانت عليه ثورة صاحب الحمارء وقد أراد الإمام بهذا المتغير أن يثبت لكل من 
يفكر بالخروج عليه أن المال مال الإمام» ومن يرفض ذلك» ويستعمل القوة يتحمل 
أتعاب هذه القوة المالية التي يستعملها ضد الإمام. 
وجعل تفاني رجال الدولة من دعاة كبار موظفين في خدمة الثابت والعمل على 
تحقيقه» يرجون لسياسة صاحب الحمار الجائرة تجاه الرعية ليثبتوا أن الذي خرج 
لإلغاء جور الأئمة أثبت أنه هو الجائر. وتتفق الرواية الشيعية مع الرواية السنية بأن 
أبا يزيد كان أكثر جورا في أخذ الأموال من الفاطميين» فتذكر الرواية الشيعية أن 
رجلا جاء مستغيثا بأبي يزيد ليخبره بأن كتامة خلال الأربعين سنة التي كان يسؤدي 
الضرائب فيها ما أخذوا منه غير ألف دينارء والسجلات التي كانت معه أت بها 
قوله. أما أصحاب آبي يزيد أخذوا منه وفي ساعة واحدة ما يزيد على أربعة آلاف 
دينار »كما سبوا له نساء حرائر“ء كما أنه كان يدفع الضرائب للفاطميين وهو في 
داره مع أسرته وأمواله لم تسلب منه»ء بينما أصحاب أبي يزيد أخذوا أمواله وخربوا 
بيته وفرقوا أهله"". وتجمل هذه الرواية الشيعية الرواية السنية بالقول بان أبا يزيد 
أخذ لشخص بالمسيلة ٠٠‏ مثقالا وابنتين بكرا وبذلك تمكنت الدولة الفاطمية من 
جعل ثابتها أمرا مشروعاًء بل واجبا دينيا والذين أشاعوا عنها الجور والظلم هم 
الظالمون وهم الجائرون ويريدون اغتصاب شرعيتها في السلطة. 
ومن الوسائل التي تمكنت الدولة الفاطمية أن تخقق بها الثابت في اسنها وهو 
إقامة سلطان للإمامة الإسماعيلية في بلاد المشرق» وإعفاء الأولياء وكبار الدولة من 
الضرائب التي كانت تفرضها على عامة الناس. فقبيلة-كتامة التي أقامت الدولة 
بسيوفها في المغرب والمشرق لم تكن تدفع الضرائب التي تدفعها بقية فئات المجتمسع. 
ولم يفكر الخليفة الفاطمي في أن يجعل عليها ضريبة في الديوان إلا بعد أن اسستعد 
للإنتقال إلى مصر. فبعث إلى شيوخهم يخبرهم بأن الخليفة يريد أن يعين عمالا في 
كتامة يقومون بجباية صدقاتهم ومراعيهم» وتحفظ هذه الأموال في بلاد كتامة ولا 


٤ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ بوبة مجاز 


يأخذها إلا عندما يكون بحاجة إليها"ء غير أن شيوخ كتامة عدوا هذه الضرائب 
جزيةء وجاء ردهم على المعز بأنهم مسلمون على مذهب السلطة التي أقاموها للأئمة 
في بلاد المغرب» وسيوفهم بطاعتهم في المغرب والمشرق» وهم بذلك أصحاب فضلى 
عليهم» لهذا رفضوا هذه الضرائب» وجاء رد المعز عندما حضروا إليه» وبطلب منهء 
كالتالي: " بارك الله فيكم» فهكذا أريد أن تكونوا وإنما أردت أن أجربكم فأنظروا كيف 
أنتم بعدي إذا سرنا عنكم إلى مصر عل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحت ممن 
يرومكم؟ والآن سررتموني بارك الث فيكم" ". وکان هذا التأويل لموقف كتامة في 
الحقيقة امتحاناً لهاء إن كانت ستظل على طاعتها وتبعيتها للسلطة بعد أن خرج أغلبها 
في الجيش الذي فتح مصر والشام» وبذلك قل عددها وضعفت قوتها في بلادها فيتمكن 
الخليفة من فرض الضرائب عليها كغيرها من القبائل المغربيةء غير أنه لم يجرؤ 
٠‏ عندما أخذ الأموال التي كانت عند المشايخ والدعاة بإيكجان» مما أدى إلى خروجهم 
عنه ووقوفهم مع أبي عبد الله إلداعي. 

ولقد نظرت كتامة إلى هذه الضريية على أنها جزيةء بينما سماها الخليفة صدقة 
فهل كانت كتامة ترى في أن الضرائب الفاطمية الإ ماعيلية ية لا تفرض إلا على 
المخالفين لمذهبهاء وبذلك هي مسلمة مؤمنة لأنها تدين بالمذهب الإسماعيليء وعليه لا 
يجوز فرض ضريبة عليهاء مع العلم أن المذهب الإسماعيلي أمر بأخذ الزكاة والخمس 
من الاتباع. ۰ 

وكانت كتامة ترى في خدمتها العسكرية للدولة أنها كفيلة بإعفائها من كل 
الضرائب» فهي التي أقامت سلطانها بسيوفها في المغرب والمشرق» وهذا ما فهم مسن 
رد شیوخها. 

وعندما خرج المعز إلى القاهرة ومن خلال ما جاء في نص الوصية لخليفته على 
المغرب حيث قال له: «إن نسيت ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفسع 


f٥‏ 1 م٠٠‏ مجلة دراسات تاريخدة 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


الجباية عن أهل الباديةء ولا ترفع السيف عن البربرء ولاتول أحدا مسن 
إخوتك...»". لم يستثن المعز كتامة في هذه الوصية من الضريبةء إلا لأنها سسوف 
تكون معه في المشرق تحمي بسيوفها سلطانه. وما تبقى من كتامة في بلادها بات لا 
يشكل أي خطر عليهء لأنها أصبحت تحت سلطة خليفته الصنهاجيء وبذلك كائت 
كتامة متغيرا من متغيرات سياسة الدولة الفاطمية. ۰ 


لم تكن كتامة هي فقط التي أعفيت من الضرائب» قد أعفى الخلفاء الذين ناصروا 
الدعوة وعملوا على الترويج لها وإنجاحهاء مثل أبي القاسم المطلبي القيروانيء الذي 
رافق المهدي إلى سجلماسةء وكان سفيرا بينه وبين أبي عبد الله الداعي بإفريقية 9*). 
ومن الذين أعفوا من الضرائب كذلك من رجال الدولة الأستاذ جوذرء فعندما أهداه 
والي برقة أفلح الناشب عشرين بعيراً محملاً بالهداياء كتب إلى الخليفة يطلب الإعفاء 
من الضرائب فأعفاء(*“). غير أن وضع الصقالبة كان يختلف عن وضع كتامة في 
السياسة الفاطميةء فالصقالبة خدمتهم إجبارية بسبب عبوديتهم» بينمها خدمة كتاممسة 
تطوعاًء وبها ملكو الصقالبة ولم يملكوها بالصقالبة"*ء“وكان إعفاء بعض الصقاابة 
استثنائياً بينما إعفاء كتامة كان شاملاًء ودام طيلة المرحلة المغربية. 


وعلى الرغم من المهارة التي أبداها الفاطميون في شؤوون المسال» إلا أن من 
خلفائهم من كان يشكو صعوبة التحكم في هذا الجانب» بسبب صعوبة رصد حقيقة ما 
كان يجري بين الرعية والعمال ومعرفته. فلقد كانت الرعية تبدي رضاها عن العمال 
عندما يكفون أيديهم عن أخذ الأموال» وإذا أخذوها كانت تكثر فيهم الشكاوىء غير أن 
كف اليد كان يرى فيه الأئمة ذهاباً لحقوقهم وفسادا للأحوال"ء لأن هذه الأموال التي 
كان يجمعها الأئمة كانت تدفع منها أجور العاملين على حفظ الأمن في كل أنحاء 
الدولةء فكان التاجر يسافر بمتاجره وبأمواله حيث يشاء دون خوف من لصوص أو 
قطاع طرق» لأن عين الدولة كانت ساهرة ليل نهار على الحفاظ على الناس 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ - کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠ ۱۹۹٩‏ بوبة مجان 


وأموالهم““ء ولم يكن حرص الأئمة على أخذ واجب الأموال على الناس إلا حفاظضا 
على مصالحهم» لأنهم ينظرون بنور الله ويحكمون بأحكامه""ء فحفظ الأمن كان يوفر 
الاستقرار الذي يمكن الدولة من تحقيق مشروعها السياسيء أي العودة إلى بلاد 
المشرق لإقامة إمامة شيعية على المذهب الإسماعيلي وهو الثابت الدائم في 
الإيديولوجية الإسماعيليةء لأن الإمامة عندهم أصل من أصول الدينء بل هي عقيدة 
يجب إقامتها وغدت بذلك ثابتاً يتمثل في إمام معصوم» وعالم عصمة الأنبياء وعلمهم 
مالك لكل شئ على الأرض وما تخرجه» لأن صلاح الدين والدنيا متوقف عليهء لأنه 
الحافظ للشريعة التي بلغها الرسول ## وهو حجة فيهاء وما السياسة المالية التي اتبعها 
الخلفاء الفاطميون إلا تنفيذ للإيديولوجية الإسماعيليةء ولهذا لا يمكن دراستها منفصلة 
عن أصولها المذهبية. 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


۴ 


-۹ 


الخوامش 


القاضي النعمان: دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام على 
أهل بيت رسول الله عليه وعليهم أفضل السلام» تحقيق آصف فيضيء دار 
المعارف» القاهر۹5٦۱۹ء .۳٦١/١‏ 

نفسه 

نفسه ۳۷۱-۳۷۰/۱. 

نفسه ۹/۱. 

عندما أقر المعز لدين الله بعد توليه الخلافة القاضي النعمان في منصبه قاضيا 
للقضاةء بان ينظر دون غيره من القضاة في أمر أوليائه وجنده وعبيده.انظر 
القاضي النعمان: اختلاف أصول المذاهب» تحقيق مصطفى غالب» دار الأندلس 
للنشر والتوزیع بیروت۸/۱۹۸۳۰٤.‏ 

القاضي النعمان: الدعائم .۳٠٠/١‏ 

القاضي النعمان: الهمة في آداب اتباع الأئمةء تحقيق مصطفى غالب دار 
مكتبة الهلال» بیروت۰٥۹۸٠/1۲وما‏ بعدها 

القاضي النعمان: الهمة في آداب اتباع الأمة /۷. 

نفسه /۲۱. 


.٥۹ سورة النساء: آية‎ -١ 


.۲٠١/ القاضي النعمان: الهمة‎ -١ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان .1۸-1۷ ۔ انون الثاني ۔ حزیران ۔ 1۹۹٩‏ بوبة مجاني 


۲- د.سهيل زكار: الفكر الإسماعيلي في تطوره الأفريقي» ملتقى القاضي النعملن 
الأول المهدیة۱۲۰-١۱‏ اوت ۱۹۷۰ء تونس .۳٠/۱۹۷۷‏ 

.۷٠١/ةمهلا القاضي النعمان:‎ -٣ 

.٠٠ةيآ سورة التوبة:‎ -١ ٤ 

-١‏ النعمان: المصدر المتقدم نفسه /۷۹ فرض القرامطة على الأتباع هذه 

لرا ج ها جس با لك ارد سوه كان رجا اة اورف 

نهاية الأرب» نشر د.سهيل زكار قسما من الجزء ٠١‏ ضمن مجموعة 
النصوص تحت عنوان "الجامع في أخبار القرامطة في الاحساء والشام 
والعراق والیمن"» طا دار حسان للطباعة والنشر» دمشق۱۹۸۷۰»ج۳/۲٠٤.‏ 

1- نفسە/ 0 ۸. 

۷- سورة الأنفال: آية۱. 

۸- انظر التفاصيل حول ذلك عند د. محمد أمين صالح: النظام المالي والاقتصلدي 
في الإسلام» مكتبة نهضة الشروق» القاهرة٤۲/۱۹۸١١-١١٠.‏ 

۹- القاضي النعمان: الهمة/٠۸.‏ 


Le Califat au Maghreb,296-362 H-973 :F.DECHRAOUI. تنفسه‎ -١ ١ 
Histoire politique et institution, Tunis,1981,P.329 


-١‏ القاضي النعمان: نفس المصدر السابق. 

۲- سورة الأنفال: آية/٠٤.‏ 

-٣‏ فرض القرامطة هذه الضرائب على الاتباع وقدروها بدينار واحد علسى كل 
زان درك الحلت وهي رة الهج رة تم فرضوا فريشة البلغة وهي دة 
دنائير بناء على تأويل الآية: «... قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»» سورة 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية 


البقرةء آيه ١١١‏ كما فرضوا ضريبة أخرى بعد أن ضمنوا أن الاتباع يدفعون 

لهم كل الضرائب السابق ذكرها وسموها (الألفة) وهي أن يجمع الناس أموالهم 
في موضع واحد وأن يكونوا في ذلك أسرة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه 
وأخاه فيما ملك يملكه.انظر النويري: نهاية الأرب ج٠ ٤١٤-٤١١/٠‏ وهناك 
ضريبة أخرى تحدث عنها محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي: كتاب 
كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطةء دار الطليعةء بيروت١۱۹۸۳ء‏ وهي 
ضريبة النجوى يدفعها المعتنق للمذهب ومقدارها ٠١‏ دينار انظر الجامع في 
أخبار القرامطة ؟/°1-DACHRAOU1«1°-F: Op-cit,P.328‏ ` 

“٤‏ د.الحبيب الجنحاني: دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي 
للمغرب الإسلامي/۲١٠-٠ه٠.‏ 

“٥‏ قسم الإسماعيلية العالم إلى اثنتي عشرة منطقة وسموها جزرا جمع (جزيرة) 
بعدد أشهر السنة وروعي في هذا تقسيم العامل الإثني والهدف السياسي فجعلوا 
مثلا مصر والشام والمغرب جزيرة واحدةء انظر أبو منصور اليماني: كتاب 
البيان لمباحث الإخوان» تحقيق مصطفى غالب» ببميروت١٤٤١١٠/١٠‏ عادلة 
علي الحمد: قيام الدولة الفاطمية في بلاد إفريقية والمغرب» دار مطابع 
المستقبل» الإسكندرية 1۹/۱۹۸۰۰ 

-٣‏ محمد بن محمد اليماني: سيرة الحاجب جعفرء نشر ايفانوف» مجلة الجامعة 
المصريةء القاهرةن١١۹١٠/۸١٠ن‏ ويذكر في ص.۹١٠‏ أن أحمال الأموال 
كانت تدخل في سرداب على الجمال حفر هذا السرداب في الأرض في جوف 
دار الإمام سلميةء وبلغ طوله اثني عشر ميلا. 

۷- القاضي النعمان: الافتتاح/۷١٠.‏ ' 


\ 0° 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-7۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹۹‏ بوبة مجاني 
و ا 


۸- القاضي النعمان: المجالس والمسايرات» تحقيق محمد اليعلاوي»ابراهيم شبوح» 
الحبيب الفقهي› الجامعة التونسية» تونس٠۹۷۸‏ ۰۹/۱. 

۹- نقسه /۱۹. 

-٠‏ مجهول: الاستبصار في عجائب الأمصارء تحقيق سعد زغلول عبد الحميد» 
الدار البیضاء» .۲٠۳/۱۹۸۰‏ 

-١‏ القاضي النعمان: الافتقاح/۲۸۸المقريزي: اتعاظ الحنفا/١١٠ء‏ الداعي إدريس 
القرشي: عيون الأخبار وفنون الآثارء نشر القسم الخاص بالمرحلة المغربية 
د.محمد اليعلاوي تحت عنوان: تاريخ الخلفاء الفاطميين في المغسرب› دار 
الغرب الإسلاميء بیروت ۱۹۱۷/۱۹۸٥۰‏ . 

٣س‏ تقي الدين المقريزي: كتاب المقفى الكبيرء نشر محمد اليعلاوي» طاء دار 
الغرب الإسلامي› بیروت» ۸۷/۱۹۸۷. 

۳- مجهول: الاستبصار/۲١٠.‏ 

.٠١٤/حاتتفالا القاضي النعمان:‎ -٤ 

- نفسه/۱۲۹. 


36- Georges Marçais :La Berbérie Musulmane et TF Orient au - 
Moyen ãge, Paris 1946, P/143 
37- IBD. 


۸- القاضي النعمان: المجالس .٤٠٤/‏ 

۹- الدولة العباسيةء الفاطميون ١١١-۸٤٤ه/١٠۷-١٠٠١م/‏ الأهلية للنشر 
والتوزیع» بیروت۱۹۸۱۰/٤۲۲.‏ 

~٠‏ د. محمود إسماعيل: محنة المالكية في إفريقيةء نشر ضمن مجموعة أبحاث 
تحت عنوان: مغربيات» المكتبة المركزية» فاس۹۷۷۰٠/۷۲.‏ 


1٥1 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المغربية SP‏ 


1- د. الحبيب الجنحاني: دراسات مغربية/٠۷.‏ وحول الضرائب في بلاد المغوب 
خلال العصر الفاطمي» انظر جورج مارسيه: بلاد المغرب وعلاقتها بالمشرق 
هیکل» راجعه مصطفی أبو ضيف أحمد» الإسكندرية .٠۷١-١١۹٤/۱۹۹۱‏ 

.٠۷٠/ينانبللا محمد بن الحارث الخشني: طبقات علماء إفريقيةء دار الكتاب‎ “١ 

۳- ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» تحقيق 
ومراجعة كولان وليفي بروفنسالءط» دار الثقافة» بیروت۱۹۸۳۰١٠/۷۳٠.‏ 

.٠۷١/١قباسلا الخشني: نفس المصدر‎ - ٤ 

.٠۷۳/١ ابن عذاري: نفس المصدر السابق‎ -٥ 

.۱۸۱/١ نفسه‎ “٦ 

۷ - الخشني: نفس المصدر السابق 1۸٠۱1۹-۱ء‏ د. الحبييب الجنحاني: نفسس 
المرجع السابق٠٠/۷٠.‏ 

۸- العزيزي الجوذري: سيرة الأستاذ جوذر» تحقيق ونشر محمذ كامل الحسين 
وعبد الهادي شعيرة»› القاهرة .٠٥/٠١۹١٤‏ 

-٩‏ د. محمود إسماعيل: مغربيات/۷۲. 

۰- ابن عذاري: البیان ۱٤١-۱٤١/۱‏ . 

.٠٥۸/١ ابن عذاري: البیان‎ -١ 

۲- صورة الأرض» مكتبة الحياة» بيروت/٤۹.‏ 

۳- العزيزي الجوذري: السيرة ٠١-٠۲١‏ ويذكر أن المبلغ الذي كان ينبغي أن 
يدفعه جعفر سبعون ألف دينار. 


-٥ ٤‏ لفسه. 


1o۲ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔.حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ 1 . . بوبة مجائي.. 
e‏ 


.۱١٤/هسفت‎ -٥ 

.۷٠/ضرألا ابن حوقل: صورة‎ -٠١ 

۷- نفسه/۷۱. 

۸- نفسه/١۷-٠۷.(١)‏ ابن حوقل: صورة الأرض/۸5. 

.۷۸٨۷1)۷۱1 نفسه/‎ -۹ 

.٠٠١-٠١۹.ص العزيزي الجوذري: السيرة/٥٠ وانظر كذلك‎ -٠ 

.٠٠١/راصبتسالا مجهول:‎ -١ 

- ابن حوقل: صورة الأرض/٤٠.‏ 

۳- أبو العباس بن أحمد سعيد الدرجيني: كتاب طبقات المشائخ بالمغرب» تحقيسق 
ابراهيم الطلاي» مطبعة البعث» قسنطينة١٠/۷٠.‏ 

٤‏ - عبد الرحمن بن خلدون: العبر وديوان المبتدأً والخبرء دار الكتاب اللبنانيء 
بیروت۰ ۸٤/۷۰۱۹۸۱‏ الداعي إدريس: عيون الأخبار/٠٠٠.‏ 

-٥‏ راجع حول هذا الموضوع بحث د.محمد إسماعيل: محنة المالكية في إفريقية 
في مغربیات/۷٥.‏ 

.۲٦۹/قباسلا الداعي إدریں: نفس المصدر‎ -٣ 

۷- الداعي إدريس: نفس المصدر السابق/١٤٤.‏ 

۸- نفسه: ۳۷۲ هو أبو عبد الله محمد بن أبى المنظضور عبد الله بن حسان 
الأنصاري(ت۳۳۷ه)ء انظر ترجمته في أبو بكر المالكي: رياض النفوس 
في طبقات علماء إفريقية والقيروان»ء تحقيق لعروسي المطوي» والبشير 
البكوش» دار الغرب الإسلامي» ٠١۸/۲١٠۹۸٠‏ القاضي عياض اليحصبي 


1o 


أثر الضرائب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحاتها المة 


السبتي: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهسب مالك دار 
مكتبة الحياةء دار مكتبة الفکر جیروت» طرابلس»۳۳۹/۳. 

۹- المالكي نفس المصدر السابق۲/١٠٠٠.‏ 

٠ح‏ القاضي النعمان: المجالس/۲۹٤.‏ 

-١‏ الداعي إدريس: نفس المصدر السابق/٠۳۸‏ إلى جانب هذه الإجراءات المالية 
اتخذ المنصور إجراءات أخرى تخص النشاط الدعوي فقتل الدعاة ونفى 
بعضهم إلى الأندلس وغيرها من البلادء وأذن للفقهاء والمحدثين بالجلوس 
للفتوى للناس وأعلن أن كل الإجراءات الدعومذهبية لم تكن بعلمه. انظر 
القاضي عبد الجبار الهمداني: تثبيت دلائل نبوة سيدنا محمد 4 نشره د.سهيل 
زكار في الجامع لأخبار القرامطة١/١٠٠‏ كما ولى القضاء مالكيا تنفيذا لما 
قررته العامةء القاضي عياض: المدارك ۳۳۹/۳ 

. الداعي إدريس: نفس المصدر السابق/۳۷۹‎ “٣ 

۳- القاضي عبد الجبار الهمداني: نفس المصدر السابق .٠۲٠/١‏ 

-٤‏ نفسه. 

.۱٦۸/١ ابن عذاري: البیان‎ -٥ 

-٣‏ ابو محمد ابن عبد الله بن محمد التيجاني: الرحلةء تقديم حسن حسني عبد 
الوهاب» الدار العربية للكتاب» ليبية» تونس۰/۱۹۸۱۰٤٠.‏ 

۷- القاضي النعمان: الإفتتاح/٠٠".‏ 

۸- الداعي إدريس: نفس المصدر السابق/٠٠".‏ 

۹- القاضي النعمان: المجالس/٣۳۳۸-۳۳.‏ 

.٠۰٦/راصبتسالا مجهول:‎ “٠ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ بوية مجاني 
Ds DODD ED OCDE OED OL SOOO EOE OOOO DDD EDO Û‏ 


-۸١‏ المقريزي: اتعاظ الحنفا/1۸-۹۷. 

۲- المقريزي: اتعاظ الحنفا/۹۸. أورد القاضي النعمان نص حوار دار بينه وبين 
الخليفة المعز في إحدى مجالسه تناول موضوع معرفة الحاكم أو الإمام بأمور 
رعيته مهما بعدت المسافة بينهماء ويستدل في ذلك بقصة النبي سليمان والهدهد 
التي كان يرى الجاحظ بشأنها أن النبي سليمان لم يكن يعرف من أمر ملكة سباً 
شيئا إلى أن أتاه الهدهد بأخبارها. فالخليفة المعز يرى إذا كان الحاكم العادل 
يستطيع أن يعرف أخبار رعيته» فكيف بالنبي. انظر القاضي النعمان: 
المجالس/۳٦۲-٤٠٠.‏ 

۳- نفسه/۱۰۱. 

.٠۹۹/۱ محمد بن محمد اليمني: سيرة الحاجب جعفر/۱۲۳ءابن عذاري: البیان‌‎ -٤ 

.٠٥/ةريسلا الجوذري:‎ -٥° 

.۲٤١/سلاجملا القاضي النعمان:‎ -٣ 

۷- تفسە/۱. 

۸- القاضي النعمان: المجالس/۳۳۸-۳۳۷. 


.٠/ةمهلا القاضي النعمان:‎ -٩۹ 


E- 


أثر الضراتب في ثوابت ومتغيرات سياسة الخلافة الفاطمية في مرحلتها المقرنية 


-۹ 


قائمة المصاطر والمراجخ المختمدة 


. القرآن الكريم. 


إنىماعيل محمود: مغربيات؛ المكتبة المركزيةء فاس:۱۹۷۷٠.‏ 


التجاني أبو محمد بن عبد الله بن محمد: الرحلةء تقديم حسن حسني عبد 
الوهاب» الدار العربية للکتاب» لیبیا تونس‌ ١۹۸۱‏ 
الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي 
للمغرب الإسلامي» دار الطليعةءبیروت۱۹۸۳. 

الجوذري العزيزي: سيرة الأستاذ جوذر؛ نشر وتحقيق محمد كکامل حسين 
و عبد الهادي شعيرةء القاهر ة٤ ٠۹۰٣١‏ . 

الحمد عادلة علي: قيام الدولة الفاطمية في بلاد إفريقية والمغرب» دار مطابع 
المستقبل» الاسكندرية۹۸۰٠.‏ 

ابن حوقل أبو القاسم النصيي: صورة الأرض» مكتبة الحياةء بيروت.' 

الخشني محمد بن الحارث بن أسد: كتاب طبقات علماء أفريقيةء دار الكتاب 
اللبنانيءبیروت .۱۹۸١‏ 


ابن خلدون عبد الرحمن: العبر و ديوان المبتدأ والخبرء دار الكتاب اللبنانيء 
بیروت ۱۹۸۱ . 


-١‏ الدرجيني أبو أحمد بن سعيد: كتاب طبقات المشائخ بالمغرب» تحقيق ابراهيم 


الطلاي» مطبعة البعث قسنطينة. 


1٥٦ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ بوبة مجاني 
س اهبا 


-١١‏ زكار سهيل: الجامع في أخبار القرامطة في الاحساء والشام والعراق واليمنء 
طا دار حسان للطباعة والنشر› دمشق ۱۹۸۷ . 


۲- : الفكر الإسماعيلي في تطوره الإفريقي» ملتقى القاضي النعمان الأولء 
المهدیة ٠٥/۱۲‏ اوت ۱۹۷۰ ءتونس .٠۹۷۷‏ 

-۷٠١/٤٤١-١۳۲ شعبان محمد عبد الحي: الدولة العباسية- الفاطميون‎ -٣ 
. ۱۹۸٩۹ ام؛ الاهلية للنشر والتوزيع؛ بیروت‎ «oo 

٠١٤‏ - صالح محمد أمين: النظام المالي والاقتصادي في الإسسلامء مكتبة نهضة 
الشروق» القاهرة٤۹۸٠.‏ 

-٠١‏ ابن عذاري المراكشي: البيان المغر بالأندلس والمغرب» تحقيق ومراجعة 
کولان وليفي بروفنسال»ط۳ دار الثقافة بيروت ۹A۳‏ . 

aA‏ القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتيك ترتيب المدارك وتقريب المسالك 
لمعرفة أعلام مذهب مالك دار الحياةء دار مكتبة الفكر بيروت» طرابلس. 

۷- القاضي النعمان: دعائم الإسلام وتذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام على 
أهل بيت رسول الله 4# تحقيق آصف فيضي» دار المعارف القاهرة۹۹۸٠.‏ 

۸- : كتاب افتتاح الدعوة» تحقيق فرحات الدشراوي تونس الجزائر ۱۹۸۳. 

۹- : اختلاف أصول المذاهب» تحقيق مصطفى غالبءط"» دار الأندلس للنشر 
والتوزیع»› بیروت 1A4‏ 


٠‏ - المجالس والمسايرات» تحقيق محمد اليعلاري» ابراهيم شبوح والحبيب الفقي› 


تونس ۱۹۷۸ . 


oY 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضار ي 
منة الخمد الحماد ي إل نماية المد 
الحفصی فی المخرہے 


الدكتور صالح محمد فَياض أبو دتاك 


قسم التاريخ » جامحة اليرموك 


مجلة دراسات تاريخية العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني حزيران  ٠۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۷ ٠ا‏ - كالون الثالي _ جزيرن اا 


مدينة عنابة ودورها السياسي والجحضاري منك العهد الجمادي 
لى نهاية العهد الحقصي في المغرب 


ملخص البحث 


تناول البحث موقع المدينة وأهميته باعتباره محور من محاور الشمال 
والجنوب» كما تناول ثروات المدينة الزراعية والحيوانية والمعدنيةء الأمر الذي 
جعلها محط أطماع الدول المجاورة لها. 

وامتاز ميناؤها بحركته التجارية النشطة من استيراد وتصدير» ومن تنافس بين 
الجمهوريات الإيطالية وفرنساء واسبانيةء في الحصول على الاميتازات التجارية 
ومن ضمنها صيد المرجان. 

وتعرض البحث إلى الناحية العمرانية والثقافية في المدينةء مسن حيث بناء 
المساجد والحصون» وتوسيع المدينة وتغير أسمائها بتغير الأزمنة والحوادث 
التاريخيةء وقدوم عدد من العلماء وخاصة من الأندلس» ممن أثروا الحياة العلميسة 
فيها أمثال عبد الملك أبو مروان»ء كما كان لهم الفضل في استغلال الأراضي وتوسيع 
رقعتها الزراعية وخاصة زراعة الزيتون» والمتاجرة في المنتجات الزراعية مما 
أكسبهم الثراء والغنى» فاستخدموا جزءا من ثرواتهم في افتداء الأسرى مسن 
المسلمين» ممن يقعون في يد الأعداء. 


١١٠ 1٦١‏ مجلة دراسات تاريخية 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


Dr.Saleh Muhammed Fayyad Abu Dayyak 
Associate Professor of Islamic History 


Department of History- Yarmouk University 


Abstract 


The city of Innabah; it’s political and cultural rule, From the era 
to the end of the Hafssi era 


This study described the strategic position of the city of Innabah; 
its agricultural and mineral wealth, which made it an attractive spoil 
for its neighbors. ٠ : 


The city had a bousy port which witnessed a commercial actives 
on a large scale. France, Spain, and the commercial Italian cities 
competed to get commercial privileges in the port, form its rulers. 


The study also discussed the cultural and architictural 
developments in the city. Many learned men “ulama” migrated to the 
city from all over the Muslim world, especially from al- Andalus. Few 
of them, like, Abd-al-Malik-abu Marwan contributed to the 
development of agricultral land, especially in plauting olive trees, 
which resulted in a surplus of agricultral produce and enabled the 
farmers to trade their products. These economic developments 
enriched the city and its rulers, who used part of their weath to 
ransom Muslim Prisoners caught by their enemies. 


۲ 


3 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني حزيران  ٠۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 


عاشت مدينة عنابة فترات متتالية من تاريخها الطويل» عرفت أثناءها تبدل الأماكن 
وتغير الأسماءء تبعا للظروف السياسية والأحوال الاقتصادية التي امتازت بها كل فترة 
من هذه الفترات» وارتبط اسمها بأسماء عدد من الأماكن في الشرقء فجبل عناب 
الواقع في طريق مكةء وكذلك موضع عنابة الواقعة على بعد ثلاثة أميال من الحسينية 
الواقعة في الطريق المؤدية إلي مكة('. 

والعناب ثمر معروف» وواحدته (عنابة) وقد يسمى ثمر الأراك عنابأء ويقال كذلك 
(السنجلان) بلسان الفرس"ء ويسمى باللغة الفرنسية (٥0ازد()‏ وباللاتينية 
«"(Zizyphum)‏ وأشجار العناب» أشجار شوكيةء متعددة الأنواع» بعضهها زينة» 
وبعضها أشجار مثمرة» وثمرها يصلح للتداوي» ينفع في السعال ووجع الكليتين 
والمثانة0). 

ويبدو أن كتب الجغرافية العربية وكتب الرحلات السابقة للقرن التاسع الهجري ‏ 
الخامس عشر الميلادي» التي وصلت إلى علمي» لم تورد اسم (عنابة) الجزائر ضمن 
الأماكن المذكورة في الشرق آنفا بل ذكرت اسم بونه» حتى البكري الذي يصف بونه 
أكثر من غيره لا يذكر اسم عنابة ضمن الأسماء التي تعاورت على المدينة أثناء 
تطورهاء كمدينة زاوي» و(بونة الحديثة). وقد يستدل من ذلك أن هذا الاسم جدي_د 
نسبيأء أو أنه لم يكن معروفاً أو شائعاً حتى يدون في تلك المؤلفات» لكن ابن خلدون 
على الرغم من عدم إشارته لا في كتابه ولا في مقدمته إلى (عنابة) إلا تحت اسم 
بونةء فإن التعبير (بلد العناب) قد ورد في كتابه عند حديثه عن بطون الهلاليين 
وهجرتهم وعن استقرارهم» فيشير إلى أن أعز بطون الأثبج وأعلامهم» كانت مواطنهم 
بين بلد العناب وقسطنطينة. وقد تكون التسمية الجديدة قد أطلقها هولاء المرب 
الوافدون على المنطقةء لما رأوه من كثرة شجيرات العناب في إقليمها"ء ثم لم تبث 
ن انسحبت التسمية على المدينة ذاتها لكثرة تجارتها بثمر العناب في الداخل 
والخارج(“. 


1۳ 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 
مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري متا العود الوادت إلى اوا جوا ی ج کے 


وإذا كانت كتب الجغرافيين والمؤرخين قبل القرن التاسع لم تنل كلمة عنابة حيزا 
في كتبهم» فإن كلمة بونة قد شاع ذكرها عندهم» وارتبط اسمها هي الأخرى بأسماء 
أماكن عديدة مثلما ارتبط اسم عنابة من قبل. 


بونا بفتح أوله وثانيه وتشديد نونه» والقصر» ناحية قرب الكوفةء يقال لها تل بول 
البونت بالضم والواو والنون ساكنان والتاء فوقها نقطتان» حصن بالأندلس وربما 
النت» تون» مدينة باليمن»ء زعموا أنها ذات البئر المعطلةء والقصر المشيد» وون 
بفتحتين» ويروى بسكون الواو. بليدة بين هراة ويغشور» وهي قصبة ناحية باذغيش 
بينها وبين هراة مرحلتان» قال: سمعتهم يسمونها بينة"). عرفت بونه في العصور 
القديمة تحت اسم (هيبو» هيبون)''ء الواقعة على رحب وادي سيبوس عند السفوح 
الشرقية لمرتفعات ايدو غ تنبسط حولها سهول خصبة على امتداد أربعين ميلا طولاء 
وستة وعشرين ميلا عرضا؛ أي ما يساوي ٤٠٦‏ كلم طولاء٠٤كلم‏ عرضاء وعلى هامش 
هذه السهول تبداً المرتفعات النوميدية في الظهور» حيث الغابات الكثيفة والأشجار 
المثمرة» ويطل جبل (ايدو غ) عليها من الخلف» الغني في الثروة المعدنية كالحديد 
والنحاس إلى جانب الرخام مما ساعد في تعدد الموارد الاقتصادية(''. 

ويبدو أنه قد أقيمت فيها كنيسة القديس اغسطين العالم النصراني»ء وهذا الذي دعا 
البكري أن يسميها باسمه مدينة افشتين"'. وعندما فتحها المسلمون بقيادة حسان بن 

8 

النعمان سنة ۷۸ه/1۹۷ء"'ء في عهد الخليفة عبد المنك سنة ۸٦ ٦١‏ ه/٤۷۸‏ 
1۸۷م وإِن رأى بعضهم أن فتحها تم على يد °^ عقبةء ولكن الأرجح لدى 
المؤرخين أن حسان هو الذي فتحهاء وعند فتحها استقر المسلمون بجوار الخرائب 


الرومانية بالقرب من وادي (سيبوس). وينكر بعض المؤرخين بأن المدينة (هييون) 


مجلة دراسات تاريخية العددان 1۸-1۷ كانون الثاني _ حزيران  ٠۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
سس ی k€eUCK‏ ا 


ق لهم أن الجذر العربي لمدينة هيبون هو أوبو Hh‏ وون i‏ فت 
يعب عباباًء ومعناها المياه المتدفقة 'ء وقد يصدق الاسم» لأن المنطقة المجاورة لها 
منخفضة» ويغمرها الماء بشكل دائم» وقد استخدمت فيما بعد لزراعة الأرز. وربما 
دت مثل هذه السبخات إلى وجود الرطوبة فيهاء مما جعلها غير ملائمة للبيضان» كما . 
و البكري"'. 

وهناك المدينة الجديدة التي تبعد عن المدينة القديمة ثلاثة أميالء والتي سميت بعد 
اقتطاعها لزاوي بن باديس بمدينة زاوي» وكان قد أقطعه إياها المعز بن باديس» رابع 
سلاطين بني زيوي» وصلته به أنه حفيد أخيه بلكين» وقد نزل لاجئًا من الأندلس سنة 
٠ه/۱۹٠‏ ١ءء‏ وبعد أن حكم مملكة غرناطة من سنة ٤٠١ ٤٤١‏ ه/۹۸۲ 
۹٠١١م‏ عندما قدم إليها من المغرب» وعنه يقول ابن خلدون عند لقاء المعز به: 
'ولقيه بأحسن الب والتجلةء وأنزله أرفع المنازل من الدولةء وقتمه على الأعمام 
والقرابةء وأسكنه قصره...)(''. 

وتتمتع المدينة بموقع ممتاز بين تخوم مملکتين صنهاجیتین شرقية وغربية» مملكة 
الشروان راء والقة أن بجانة غربا وف أفار الى هذا أن الفدا تقولة: لن نة 
على آخر سلطنة بجايةء وأول سلطنة أفريقية"'"' والنزاع قائم بين السلطنتينء الأمهر 
الذي سهل له السيطرة غلبھا» ونو ان ذاك الوقت وقت إقطاع» وهذا ما عناه البكوري 
بقوله: "اليوم..." يعني في وقت متأخر» والبكري دون كتابه في سنة ٤٤۰‏ ه/۹۷٠۱م‏ 
واقطاعه إياها سنة ٤٤١‏ ه/۱۹٠١١ءم.‏ 


أطلق الإغريق على الكنعانيين اسم 'فينيقيين" وأول مرة كان ذلك في (الأوديسية) وبعد الك لدى 
هكاتيوتس المؤرخ - الجغرافي اليوناني ( ٤۹٠-٥٦٠‏ ق.م.)» تم شاعت فيما بعد.. ولا نعثر على 
هذه التسمية 'فينيقية" في وتائقنا القديمةء وبالتالي التسمية خاطئة ولا يوجد شعب فينيقي مختلف عن 
الكنعانيين. رئاسة التحرير 


1© 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العود الحمادي إلى نواية العود الحفصي في المغرت _ 


وعندما قدم العرب إليهاء كان سكانها من قبائل أوربة ومصمودةء ونفرة» وولهاصة 
البربرية. وذكر موقعها ابن حوقل بأنها تقع على نحر البحر"ء وأما عن الرأي القائل 
بأنها بنيت في أواسط القرن الرابع الهجري» فهذا يرجع إلى الظروف التي مرآت بهاء 
فعندما غزاها النورمان» كان لا بد من تجديدها وتسويرهاء ولأنها واقعة على نحر 
البحر على الجهة الغربية ما بين أفريقية وصقليةء أكسبها أهمية خاصةء فكان ميناؤها 
يعد ثغراً هاما في الشرق الجزائري بحركته التجارية النشطةء حيث يصدر الخشب 
المصنوع وغير المصنوع» والنارنج والأرزء وحرير قابس» والمواشي وخاصة البقر 
بقر قالهء وقموح الولاية كلها إلى جانب السمك والإسفنج والمرجان»ء ويستورد من 
الشرق» الزليج الذي يستخدم في بناء الجوامع والقصورء والكاغد الذي سهل مهمة 
التأليف وساعد على نشر التعليم بشكل أوسع"). 


وتلتصق بونه بأرصفة المرجانء وإن صلتها التجارية البحرية مرتبطة بصقلية 
وسردينية الغربية حتى الباليارء فأسبانيةء وأقصى المغرب""»ء وكان ممن الصعب 
الملاحة في هذه المناطق؛ لعدم توافر شواطئ صالحة للملاحةء ومراسي أمنية تقي 
المراكب من العواصف. وبونة ‏ عنابة ‏ هي المحطة الآمنة التي لا بديل عنهاء 
والتي تستقبل السفن من بلدان مختلفةء مثل: المغرب» أسبانيةء جزر البليار»ء قبل 
توجهها نحو المشرق. ويرجع ذلك إلى الخصائص الطبيعية لموقعهاء حيث يطمئن 
الملاح إليهاء ويرى فيها الملجاً الأمين في وقت تقل فيه الملاجئ. والذي يقسف على 
برها يرنو إلى البحر كله بنظرة واحدة» على خليج واسع بين رأسي (غارو) و (روزا) 
وانتصاب جبل ايدوغ الشامخ والذي يبلغ ارتفاعه ۸١٠٠م»‏ وحمايت ها من الرياح 
الغربية والشماليةء يجعلها من المراسي الفريدةء ونظراً لما تحويه من إمكانات 
اقتصادية جيدة» جعلت ابن حوقل في القرن الرابع الهجري» يصفها بالتمييّز بحجمها 
الوسط حيث يقول: 'مدينة مقتدرة» ليست بالكبيرة ولا بالصغيرةء فيها خصب ورخص 


E EET 


1٦ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران _ ۱۹۹۹٩‏ ___ صالح محمد فياض أبو دياك 
د ی ت کد 


أما البكري الذي زارها في الربع الأخير من القرن الخامس للهجرة / الحادي عشر 
للميلادء بعد وصف ابن حوقل لها بقرن» يقول: "...ذات ثمر وزرع...كثيرة اللحم 
OA E E‏ 

وعندما استولى النورمان على صقلية سنة ٥٤۸‏ ه/۳١٠١م»‏ قاموا بعدها بغفزو 
عنابة في الفترة التي انتقلت بها من مملكة بجاية الحمادية إلى السلطة الموحديةء وبعد 
خروجهم منهاء قام أهلها ببناء ما تهدم منها وتسويرهاء مما دعا البعض إلى القولء 
بأنها بنيت في أواسط القرن الرابع الهجريء وأنها سورت بعد سنة 
WARTS‏ 

ولكن رغم ضعفها وقلة عمرانهاء إلا أن خيراتها كانت وفيرةء وقد أشاد بذلك أبو 
الفدا من أهل القرن الثامن الهجري بقوله: "...بها من أنواع الفاكهة ما يعم أهلهاء 
وأكثر فواكهها من باديتهاء والقمح والشعير في أوقات الإصابات...كثيرأ جدا...*. 

ويصفها الوزان بعد قرنين من الزمان عند مروره فيهاء فيقول: "...تشتمل مدينة 
عنابة على ۳٠٠١‏ أسرةءوسكانها طيبون...وفي الجانب الشرقي قصبة عظيمة» محصنة 
تحصيناً بناها ملوك تونس» ويسكنها الولاةء وتمتد الأراضي المزروعة خارج المدينة 
إلى مسافة ١٠٤ميلاً‏ طويلاًء ١٠ميلاً‏ عرضاء وهذه الأراضي صالحة للحبوب»....""". 

يستنتج من الحديث عن موقعهاء ما كانت تزخر به من إمكانات اقتصادية وفيرةء 
لأنها كانت محط أنظار» خصوصا ما فرضه عليها قدرها من وقوعها ما بين محوري 
المشرق والمغرب وبالعكس» محور الشمال والجنوب وبالعكس» بكل ما تحويه هذه 
المحاور من سلام وحروب» ومن تأثيرات بشرية وحضاريةء ويبدو ممن استقرائنا 
لحركة الحضارة والموجات البشرية» إن محور الشمال والجنوب وبالعكس في 
العلاقات ما بين صقلية ‏ أفريقيةء كان دائما أقوى وأعنف من العلاقات المشرقية ‏ 
المغربية لتقارب طرفي البحرء وسهولة التواصل» والتاين الحضاري والبشري 


1۷ 


مدينة جابة ودورها السياسي والحضاري منذ العمد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي فى المغرت _ 


والمطامع الاقتصادية لكل طرف من أطراف البحر وارتباطه بالطرف الآخر. فقد كان 
الطرف القوي هو الذي يسيطر على الطرف الأضعف» سيطرة الدمج» حتى في تبلدل 
السلعء فأسماك صقلية مع زيت جربةء وما يقدمه الساحل الأفريقي من مرجان وجلود 
وصوف وأبقار ورخام وحديد ونحاس وغيرها من المنتجات» التي تصدر إلى محور 
الشمال ليصل إلى أسواق سردينية التي هي بدورها تصدر نحاسهها وفضتها إلى 


أفريقية('". 


وباستقرار الإسلام في المغرب» اختل توازن محور الشمال» وظهر للوجود محور 
الجنوب» ولما كان المسلمون هم القوة العظمى عسكريا واقتصادياً وروحيأًء فإن حركة 
الم كانت من ساحل الشمال الأفريقي إلى الشمال الأوربيء وكانت بونة ‏ عناببة _ 
أول نقاط الرباط والحصون التي اتخذها الأغالبة على ساحل المغرب» لتكون حارسة 
للساحل من الهجوم البيزنطيء ومشحونة بالمقاتلين والأسلحةء ومجهزة بالسفن استعدادا 
للغزوء وهذا ما نستدل عليه من قول البكري' ‏ والمقدسي» بأنها كانت مسورة في 
القرن الرابع الهجريء ومعنى ذلك أن من تعاقب عليها من الأغالبة والفاطميين ومن 
جاء بعدهم كانوا حرصاء على تحصينها لأهمية عمقها الحربي في البحر المتوسط. 
ويثبت هذا الاستدلال ما ذكره ابن حوقل عنها: "...فيها عامل قائم بنفسه» ومعه ممن 
البربر عسكر لا يزول كالرابطة"". 

والبكري يؤكد مناعة الأسوار» بقوله: "..منه كانت تخرج الشواني غازية إلى بلاد 
الروم» وجزيرة سردانية وكرسقة وما ولاها..."". 

وتف ان دورها الجهادي مع الدول المسيحية الواقعة على البحر المتوسط وخاصة 
حده الشمالي لم يفقدها دورها التجاري القديم» فهي ‏ كما ذكرنا _ محطة تجارية 
هامة على خط مبادلات السلع المشرقية المغربية وبالعكس» ومن ثم فإنها كانت إحدى 
محطات العمل التجاري للأندلسيينء فأكثر تجارها منهم» يأتون إليها منذ زمن بعيد 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-0۷ - كانون الثاني _ حزيران _ ۱۹۹۹ صالح محمد فياض أبو دياك 


حينما كانوا يمروّن منها ذاهبين إلى الحج فيمكثون فيها عند العودة أو الأاهاب طلبا 
للعلم» وقد يمكثون للعمل بصيد الأسماك والمرجان» وهذا ما جعل وجودهم حاضراء 
وكان من أبرز علمائهم سيدي أبو عبد الملك مروان وليد قرطبة. والرازي الذي 
تسمت باسمه» ولكنه كان أميراً على الأندلس قبل قدومه إليهاء وعندما بدأت حركة 
الاسترداد قدمت أعداد كبيرة منهم إما من موانئ الأندتس: أو الموات الاوربية 
الأخرى» كميناء مرسيلية في جنوب فرنسة. لذا كان موقعها محط أنظار» ومركز 
صراع بین الدول» فقد تعرضت لهجوم من الخليفة عبد الرحمن اهن 2 
٠٥‏ ه/٦٥4م‏ أثناء خلافه مع الفاطميين» وبعد قرن من الزمان وبالتحديد 
سنة٦١٠٤ه/‏ تعرضت لهجوم بحري موحد من قبل القوات البحرية من بيزة وجنوة»› 
التي قامت في الهجوم عليها انتقاماً منها لأنها محور النشاط التجاري البحري ومصدر 
مكاسبه» فأراد أهل المدينة إبعاد المسلمين من الجناح الغربي للبحر المتوسط بسبب 
منافستهم الاقتصادية للمدينتين ولغيرها من المدن الإيطالية وذلك سنة۷٠١ام.‏ وهنا 
يمكننا القول بعودة الحياة والنشاط إلى شعوب محور الشمال النصراني» يقابله ضعصف 
في المحور الجنوبي المسلم» وظهور شعوب جديدة على مسرح السياسة كللنورمنديين 
الذبن انتز غو ا تدر يجا جزيزة ية من الفملمين مذ عام 66۴ ۸١‏ ف = 
١‏ _ ۹۲١١م»‏ وكذلك مالطة»ء وبعملهم هذا افتتحوا الحروب الصليبية عبر البح 
المتوسط؛ وبدأها الاسبان في الأندلس؛ بدعم من نصارى أوروبة كلها في حوض 
البحر المتو سط قصد مراقبة الملاحة فيه» واحتلال موانئ الأقطار المغربية ضد 
المسلمين واستغلال خيراتهاء واستبعاد شعوبها. ولم تمض إلا سنوات قليلة على سقوط 
غرناطة حتى انطلق هؤلاء ينفذون خططهم بكل قوةء فاحتلوا عنابة سنة 
۷ه/١١١٠م‏ ولكنهم لم يمكثوا بها طويلاء بدليل أن الحسن الوزاني زارها سنة 
۱٥۱۹/۳‏ فلم یذکر شیئا عن وجودهم فیا" . 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


وسعى النورمنديون إلى الاستحواذ على المغرب العربي» منتهزين صراعاته 
الداخليةء والهجرة الهلاليةء التي استولت عليها بقيادة زعيمهم“ مسعودء وقد ذكر 
ذلك الإدريسي بقوله: 'ولها إقليم وأرض واسعة تغلبت العرب عليها" ‏ دون أن يذكر 
ثروات هذا الإقليمء وكان أبرز القبائل التي سيطرت على الإقليم قبيلة مرداس(“ء 
ولكن الأمير الحمادي خلصها منهم» الأمر الذي دعا إلى تشييدها بالعمران المتسم 
بالحصون الدفاعيةء كما ورد عند شيخ الربوة“. ومهما يكن من أمر فإن _ عنابة _ 
کانت ضمن مشروع روجر ا الذي رأى فيها مخنق جنوب صقلية وتونس» 
لهذا أرسل فليب المهداوي لاحتلالها عام ۹ھ / م واسمه يدل علیسه» فهو 
مسلم من المهديةء لكنه تنصرء وقد ساعدته القبائل الهلاليةء فأسر سكانهاء عدا 
علمائهاء وسمح لهم بالالتجاء إلى المدن و وأناب روجر عنه في حکكمها 
الأمير حارث الحمادي» لكن الأمر لم نط فف ا الموحدون. وأخذوها منه سنة 
١ه/٠١١١مء‏ لكنها لم تهنا بعيشهاء لأن الأوربيين سكان الشمال للبحر مصرون 
على إخراج المسلمين منهء فنهجوا أسلوبا حربيا جديداء تمثل في القرصنة؛ التي 
أصبحت تشن الهجمات على الموانئ الإسلاميةء فتنهب وتسلب وتحرق وتدسرء 
وتتخطف الناس لتبيعهم عبيدا وإماء أو يفتدون بمال كتير . 


ويبدو أن المشرق الإسلامي لم يكن غافلاً عمًا يجري في المغرب على الرغم مما 
يعانيه من محن؛ وكأنها نصهر النفوسء وتوحد الأهداف وقد أشار ابن جبير إلى 
مأساة وتعاطف المشارقة معهم على المستوى الشعبيء لأن الأمة الإسلامية آنذاك 
شعرت أنها أصيبت ببلاء عظيم سواء كان في المشرق أو المغرب» وعليها مواجهته 

من أين أتىء وأي إصابة» سواء كان مغربيا أو مشرقياء وفي هذا يقول: ومن الفواجع 
التي يعانيها من حل _ بلاد الكفر أسرى المسلمين يرسفون في القيود ويصرفون في 
الخدمة الشاقة تصريف العبيدء والاأسيرات المسلمات كذلك في أسواقهن خلاخيل الحديد 
فتفطر لهم الأفئدة...""). 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزيران  ٠۹۹٩۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
an nk e e‏ © ت 


وهذا الحال الذي يصوره في عام ۷۸١ه/۸۲١١م»‏ حيث ابتدأً رحلته في هذا 
التاريخ» ويشير إلى أن مسلمي الشام ذكورا وإناثا من أهل اليسار كانوا يوصون بقسم 
من مالهم في افتداء المغاربةء وأشار إلى وضع رجل مغربي من بونة ‏ عنابة ‏ كان 
يعمل في بجايةء وقد وقع أسيراء ففداه تاجر شامي» له تجارة مع بلاد الفرنجة. ولم 
يقتصر الأمر عليه وعلى أمثاله من المشارقةء فقد قام مصطفى فردناش" شيخ 
الأندلسيين الذي لجأ إلى عنابة في حملة لطردهم» فأخذ يزرع الزياتينء فنمت ثروته 
بسبب معرفته الجيدة بالأساليب الزراعيةء وتولي فدية المسلمين المأسورين عند 
النصارى» وكان له تجارة مع أوروبةء فيقوم ببيع السكر وبذور الكتان والاتجار 
بالأقمشة الرقيقة الناعمة المسماة في التعبير العامي ب (الشاشية). وبسقوط الدولة 
الموحدية في المغرب» انقسم المغرب على نفسهء وشكلت فيه ثلاث دويلات دولة 
المرينيين بفاس»ء ودولة الزيانيين بتلمسانء ودولة الحفصيين الذينن هم فرع من 
الموحدين بتونس» وبهذا التقسيم أصبحت مدينة بونة ‏ عنابة ‏ موضوع نزاع بين 
الأمراء الحفصيين المؤيدين لتونسء أو الموالين للمرينيين بفاس, إلا أنها كانت 
ولعامین ۷٦۲  ۷٦۰(‏ ه۸١۳٠‏ ١٠۳١م)‏ مركز حكم الأمير الحفصي الفضل 
الذي يعد من مؤسسي الدولةء وهذا الأمر أصابها من قبل في أواخر الدولة الموحديةء 
حينما انتزعها منهم يحيى بن غانية الميورقي الملقب بالصحراوي» والذي حكمها لمدة 
عامین ٦۰۱  ٥۹۹(‏ ھ۱۲۰۲ _ م( . 


وفي القرن السابع الهجري/ الثالت عشر الميلاديء اختل ميزان القو ى البحريةء 
فأخذت القو ى البحرية الإفرنجية في الصعود» والقو ى الإسلامية وخاصة الحفصية في 
الهبوطء من حيث الصنع والعتادء وقامت أساطيل جنوة وبيزه وأرغون بتطوير 
صناعة سفنها تطويرا جيدا من حيث النوعية والكميةء استعدادا لغزو المغفرب 
الإسلاميء المنقسم على نفسهء ورأت في هذا الانقسام فرصة طبية لاقتناصهء خاصة 


الار غو نيين الدين رأوا في المغرب عامة. وتونس اة مار ی لات وامتدادا 


17۷1 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


لهم» فقام نائب ملك برشلونة المعيّن من طرفه على صقلية بشن غاراته على المغسوب 
الكبيرء وبطبيعة الحال لم تسلم بونه من هذا ل ی و أسوارهاء وأخذوا 
عدا يوا ن أهلها انر ى و في غاد ١ه‏ ١ا‏ هاجير ا اة وعاة 
وأسروا من الأخيرة ومن ضواحيها عددا لا يستهان به(““. 

في هذا الوقت زارها الرحالة المغربي العبدريء في طريقه لتأدية فريضة الحج» 
فرأى ما فيها من ضعف» وما هو عليه الأسطول الفرنجي من قوة وازدهارء فوصف 
حالها في رحلته حيث قال: "..وجدها بطوارق الغير مغبونةء مبسوطة البسيطء ولكنها 
بزحف النوائب مطوية مجنونةء تلاحظ من كتب فحوصاأً ممتدة» وتراعى من البحر 
جزر ومدء وتغازلها العيون من وجود النوائب» وتأسى لها النفوس من الأسهم 
الو ات 

وأشار إلى القرصنة من قبل الفرنجة في البحرء وكيف أن بونة أثناء مروره منها 
قد مر "...بها زورق للنصارى لا تبلغ عمارته عشرين شخصاء وقد حاصروا البلد 
حتى قطعوا عنها الدخول والخروج» وأسروا من البر أشخاصاً فأمسكوهم للفداء 
بمرسى البلد'. واعتبر العبدري. وله الحق في ذلك أن من أغرب المسموعات أن 
رين شخضا كمون دة وها يدل على انحظاط مرها وول خو با م 
كثرة الغارات عليهاء ونظم العبدري منظومة شعرية واصفاً فيها رحلته فقال : 

وبونة قد أبانت من أبانت صروف الدهر من سام سري 

ولكن عندما نزلت القبائل حولها ذات العصبة الواحدةء وتكاثر عددها ساعدها في 
الدفاع عن نفسهاء إلى جانب ما منحها اله من موانع طبيعية فكانت مسالكها وعرة 
ويبدو أنها توسعت زمن الهجرة الهلاليةء لأن نزولهم فبها أدى إلى ضيقهاء الأمر الذي 
دعا إلى فوشها وج فة من هن الات اة ا اترك علي من مول 
صالحه للزراعة والرعي. وفي ابتعادها عن المدينة القديمة هيبو مكن أهلها في الدفاع 


17۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ - كانون الثاني ۔ حزيران _ ٠۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 


مجلة دراسات تاريخية - العددان 11۷ ولون لي ر د 


عنهاء ولعل من نزل فيها زمن الهجرة الهلاليةء وضع نصب عينيه الانطلاق في 
الغزو البحري لا التجارة فقط. 


والواقع رغم ما تعرضت إليه بونة من محن جرها عليها موقعهاء وجعلها محط 
آمال الدويلات الأوربية كلهاء تتخذها نقطة انطلاق لتوسيع تجارتها مع المغضصرب 
الكبير» بعد أن وقعت اتفاقيات تجارية مع الدولة الموحدية إيان حكمها لهاء وكانت 
جنوة من أوائل المدن التي وقعت مع الموحدين معاهدة تجارية سنة ٥٤۸‏ ه/۳١٠ام»‏ 
کت فا اھ که رة ف اعرف اإفادنی برا وبکر اى ان و کا 
من البضاتع الواردة إلى بجاية العشر وإلى غيرها ثمانية في المائة. 


وتوسع نطاق الدول الأوربية في المجال السلمي» فدخلت البندقية الميدانء ووقعست 
اتفاقها عام 1۲۹ ه/۲۳۱١م‏ وعملت بيزة على توسيع قاتا مخ الخنس ر 
وحصلت على ضمانات أكثر عام ١١۷ه/١١أ٠ام»‏ وجددت جنوة اتفاقها عام 
٤ھ/‏ ۱۲۳م وتقدمت الأرغون إلى السلام مستبدلة بالخصام الوئام» ووقعت 
اتفاقية سنة ٦۷٠١‏ ه/١۲۷١م»‏ وأيدت الإتفاقيات گلا ورات فا مار اى رها ما 
يسمى بالامتيازات» وقد تضمنت الإتفاقيات في فوا افر ية تامسن الملاخة 
والتجارة اذلف وتجديد أسس التجارة بين الطرفين» وضمان إقامة الاه ربيين 
الأجانب في الموانئ المغربيةء وأن يكون لكل جالية أوربية"“ (أمة) قنصلها وفندة ها 
لحماية بضاعتهاء وإقامة أفرادهاء وأن تضمن المسؤولية الفرديةء وأن لا تؤخذ الجالية 
بجريرة دولتهاء وإن أخذوا بذلك عد مأخذا على الدولة المضيفة. 

وهکذا كان لتلك الدول الأوربية المعاهدةء فنادقها في بونةء كما كان لها فنادقها في 
تونس» وبجاية وصفاقس» وجربةء وهذه الاتفاقيات حت من جموح صاحب برشلونة 
وة ندا لم ب بدا من ذلك اة و روه ا ده 
۱ه/۱۲۹۱م» بعد تخلخل قواته وضعفهاء انقلب ميزان القوى لصالح المسلمين. 


Y۳ 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


فقد شرع أهل بجاية في القيام بما أسماه ابن خلدون بالجهاد البحريء وقد تميزت به 
مدينة بجاية أكثر من غيرها من مدن الساحلء وإن كان لمدينة عنابة جزء كبير ممن 
المشاركة في هذا الميدان. ويصف ابن خلدون جهادهم البحري الذي شاركهم فيه 
الأندلسيون انتقاماً من الفرنجة بشكل عام» ومن الأسبانيين الذين أخذوا يقتطعون 
ممتلکاتهم بشكل تدريجي» تحدوهم الآمال بالانتصار» مما أدى إلى شحذ هممهم فيقول: 
"...تمت عزائم كثيرة من المسلمين بسواحل افريقية لغزو الأسطول» ويتخفذون له 
أبطال الرجالء ثم يركبونه إلى سواحل الفرنجة وجزائرهم» على حين غفلة فيختطفون 
فيها مأ قدروا عليهء ويصارعون ما يلقون من أساطيل الكفرة فيظفرون بها غالباء 
ويعودون بالغنائم والسبي والأسرى» حتى امتلأت سواحل الثغور القريبة ممن بجايية 
بأسراهم تضج طرق البلاد بضجة السلاسل والأغلالء عندما ينتشرون في حاجاتهي 
ويغالون في فدائهم بما يتعذر منه أو يكاد.... وهذا الأمر يرجعه ابن خلدون إلى 
منتصف القرن الثامن الهجري» الرابع عشر الميلادي» إذ يقول: "...منذ ثلاثين عاماً 
وكان يتكلم عن الحملة على المهدية...٠'“.‏ 

وكان لا بد للحكام من مباركة ما قدمت به الأمة من تنظيم لكسب رضاهاء فباركته 
الدولة الحفصيةء والواقع أن هذا التنظيم حري بالدراسةء لما كان له من آثار امتسدت 
حتى المشرق»ء وشملت معظم السواحل فيه. 

ولقد رأينا ضغط الدول الإسلامية على سواحل الفرنجة منذ أيام البيزنطيين 
والنورمان کان متواصلا ومتواترا فالمسلمون الأولون» ثم الدولة الأموية والعباسيةء 
وما ينوب عنها في الجناح الغربي (الأغالبة)ء وتلاها في هذا الجناح الفاطميون»› 
والزيريونء والموحدون» مما أدى إلى يقظة الأمم الإفرنجية ممثلة بحكامها التي أخذت 
تترقب الفرص» لأخذ ثأرها ورد اعتبارهاء وقد ظهر هذا واضحاً في هجومهم عام 
۲ه-۳۸۹م؛ ولكنه فشل» ثم قامت سفن فالنسية وميورقة في الهجوم على 
دليس» وعلى المهديةء سنة ١٠٠۸ه/۱۳۹۷١م»‏ وفشلوا في الحملتين". 


Y4 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني حزيران  ٠1۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 


وربما كان من العوامل التي أثارت مناوفهم» بروز القوة العثمانية وفتحها 
القسطنطينية بقيادة محمد الفاتح» لذلك سارعت دول الفرنجة إلى تجديد اتفاقياتها مع 
دول الغرب» وقد رأينا ذلك آنفا. وكان الأوربيون يتكالبون على سلع الموانئ المغربية 
مواد ا كان من الاج اتن ار ها بورد ودر و الك ان وة ب عة 
كانت محط آمال المرسيليين والجنويين» الذين كانوا يشترون القمح والسمن 
ويصطادون المرجان وخاصة في مرسى الخزر ‏ القالة. ورغم أن هذه الحركة 
التجارية في صالح اقتصاد العنابيين إلا أنهم لم يثقوا بهم» فقد عارضوا المرسيليين 
الذين أنشؤوا حصنا دفاعيا لهم ضد القراصنة من بني جلدتهم ليسهل عليهم جممع 
المرجان والاستئثار به دون الجنويين. 

ويعود ميزان القوى البحرية للفرنجة بشكل عام إلى الصعود» ويستمر حتى يصل 
إلى أوج قوته بجانب خصمه الأسطول الإسلامي» عندما طرد المسلمون من الأندلس»ء 
وظهر المد الاستعماري الأسباني البرتغالي على السواحل المغربييةء ومنها عنابة 
ليبطلوا مفعول غزاة البحر المغاربة الذين كانوا ينطلقون منها إلى نيس وجنوة 
وبروفانس» فشعر العنابيون مثلما شعر غيرهم من المغاربةء بأهمية الصناعة البحرية 
فعملوا على تنميتها حتى غدت لها قوانين وأعراف وتميز واضح عن غيرها من الذين 
كان لهم دور بارز في القتالء وفي الصناعةء وفي الخطط الحربيةء بدافع الانتقام 
والأمل في العودة إلى الأوطانء حتى انضم إلى رجال هذه الصنعة بعض المغامرين 
الأوربيين طمعاً في الكسب المادي. 

ونخلص من حديثنا إلى أن مدينة عنابةء كانت دائمة النشاط البحري الإسلامي 
بشكل عام والمغربي بشكل خاص في صراعه مع القوى البحرية الإفرنجية الأوزبية 
التي تريد السيطرة على الحوض الغربي للبحر المتوسط هذا الدعم الذي يتناسب ممع 
موقعها وتقاليدها الحربية البحريةء ولذلك عندما وجدت نفسها تخون أهلهةوتخرج عن 
تقاليدها لخيانة الحكام الحفصيين لهاء ثار أهلها عليهم» وانضموا إلى خير الدين وأخيه 


1Yo 


5 


عروج أو أروج بن يعقوب المدلي التركي» فانطلقا منها بحملة حربية نحو تونس عام 
۲ه/٥۳٥۱م»‏ وبقیت وفيّه لهما حتی عند انهزامهما أمام شارلكان» فقد ثارت على 
السلطان حسن الحفصي لموقفه المتخاذل والمنحاز للأسبان الذي أرجعوه إليهاء 
وتعهدوا له بحماية سلطانه مقابل عمالته» وفي هذا يقول صاحب الحلل: 'ومنها ركب 
البحر في عشرين غرابا". وقصد ميورقه ومنها عاد إلى الجزائرء وظلت المدينة 
رافضة له» حتى منيت بغزوة أسبانية بقيادة المركيز (دومونديخار)" ووضع فيها 
حامية مكونة من (٠٠1مقاتل)‏ وبقوا فيها خمس سنين» ليعود الأتراك إليها ومعهم 
بربروس؛ والذي يمكن استنتاجه أن بونة ‏ عنابة ‏ وغيرها من مدن الشرق 
الجزائري» تقلبت في موجات الحكم منذ العهد الزيري إلى العهد الحفصي إلى التبعية 
لبجايةء إلى العهد العثماني» حيث أضحت من ضمن إيالة الجزائر. وهذا يعود إلى 
أهمية موقعها ومينائها المتميز بحركته التجارية إلى جانب خصب تربتها ووفرة 
المعادن فيهاء كل هذا جعلها ملجاً للبحارة من الأنواءء ومطلباً للقراصنة والغزاقت 
ينطلقون منها صوب الشواطئ الأوربية سواء القريبة منها أو البعيدة" ‏ عنهاء مشل 
شواطئ اسبانية الذين يصلون إليها عبر المحيط الأطلسي أو عبر البحر المتوسطء 
وربما اتخذها بعض الغزاة مشتى يستريحون في مينائهاء ويراقبون منها نشاط 
القراصنة في البحر» وإن كان قليلا في فصل الشتاء.ومع هذا كلهء فإن سجلها في 
العمليات البحرية قليلء فهل كان ذلك لأنها لم تكن مركزاً كبيراً من مراكز الغزو 
الرئيسة التي كانت للقرصنة أو للغزو الإسلاميء أو لأن التعاون بين غزاة البحر 
المسلمين» جعل للموانئ كلها دور واحدأء دون أن يكون لكل ميناء سجل خاص بء 
وبالتالي لا يظهر عمل كل ميناء بشكل مستقل» أي لأن الوثائق البحرية لم تدرس كلها 
على الصعيد العربي» وأنا أميل إلى هذا الرأي. ولكن ما حصلنا عليه من معلوممات 
تفيد أن في كل صيف من كل عام» كان يخرج مركب محمَل بالشحم والسمن إلى 
المراكب الجهادية دعما لرجالهاء ولعل هذا المركب هو الذي كان يسمى بمركب (زكاة 


1۷٦ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني حزيران _ ٠۱۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
س س kk ® eee o ne eee oC‏ اس 


الشرق)» ولعل المقصود منه ‏ الشرق الجزائريء» ويمكن القول أن عنابة في محوري 
علاقاتها كانت مركز تفاعل مع الشمال الأوربي ومع المغرب والمشرق» الإسلاميينء 
فكانت تستقبل القوافل البشرية التي تحمل معها عقائد دينيةء مضامين فكريةء وثووات 
اقتصاديةء وتجارب حياتية كل هذا أكسبها نضجا وقوةء ولكته في الوقت ذاته» حملها 
رزءأً أو تعباً بسبب ما كانت تقوم به من دور جهادي في الدفاعء وذاك الدور الذي لم 
ينقطع لوصول الطمع الأوربي إليهاء ولم يقتصر الأمر على الصراع المادي بل 
صحبه صراع فكري عقائدي» بسبب اختلاف الأفكار والعقائد الواردة إليهامع 
الوافدين عليهاء والتي تمازجت معها حتى أصبحت جزءأ من تراثهاء وهذا الاختلاف 
مثل صراعاً حضارياً طويلاً بين الشرق والغرب» كثيرأ ما تخلله صراع دموي» 
تتحكم فة رامل الشقيدة رعرامل الافتصان رلكنها حر كك من هذا كله بمسحة جبدة 
تتحلى بألوان منتجاتها وأعمالهاء فاللون الأحمر للعناب وللمرجان» أحمر نجيع الجهاد 
عن العقيدة والوجود إلى جانب سنابل القمح» كل هذا وغيره جعلها زاهية في ذاكرة 
التاريخ إلى الآن. 

ومن ولاتها زمن بني زيري» المنصور بن علناس الذي ثار عليه (البار) وإلى 
قسنطينة فخلفه وعين بدلا منه أبا يكني بن محمد بن القائد حمادء ثم ثار أبو يكني على 
المنصور سنة ٤۸۷‏ ه/ وكان ذلك باتفاق مع تميم بن المعز الذي أمده بجيش من 
عنده بقيادة 'أبو الفتح"٠‏ وتبين بأن أبا المكني كان متواطئًاً مع المرابطين'ء ولكن في 
هذه الفترة جاء الموحدون وخلصوها مما منيت به من صراع ولاة الزيريين مع 

وحظيت المدينة بموت السلطان أبي زكريا الحفصي فيهاء سنة ٤١‏ ه/ ودفن 
بجامعها ثم نقلت رفاته إلى قسنطينة. لكن قبل موته استقبل بيعة يغمراسن عن طريق 
والدته التي أتت بنفسها وقدمت البيعة له سنة ٠٤٠ه/""‏ وعين بعد بيعته حاكما 
لتونس» أبا علي عمر بن أبي موسى والياً على عنابة ثم نقله في نفس السنة والياً على 


٠۲٠ N‏ مجلة دراسات تاريخية 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


المهديةء وأضافها إلى ابنه زكريا مع جملة من أضاف إليهء من الجزائرء وبجاييةء 
وقسنطينةء والزاب. 

ولما جاء السلطان ابو یحیی ابو بکر ۷٤۷  ۷۱۰(‏ ھ/ ۱۳٣٣١‏ ١٤۱۳م)١‏ 
عين أولاده على المدن الرئيسة لدولته» فعين الفضل ‏ ابنه - على عناببةء ولكنه 
التحق بعدها بتونس سنة ۷٤۹‏ ه - ١٤۳١م.‏ وبفضل تعاون قبيلة الكعوب معه» 
خلصتها من طاعتها للسلطان أبي الحسن المريني» وأعلنت ولاءها له. 

وتميزت المدينة بنشاط اقتصادي ملحوظ يعود إلى خصوبة تربتها ووفرة 
محاصيلهاء وتوفر الثروة الحيوانية فيهاء وما نجم عنها من مصنوعات جلدية وألبسة 
صوفية» وسمن ولبن إلى جانب العسل» وإلى الثروة السمكية والإسفنج» والثروة 
المعدنية من نحاس وحديد ورخام» ومرجان الذي يعد من أجود الأنواع»؛ ويحدشا 
ياقوت في معجمه عن كيفية صیده» فیقول: "يتخذ لاستخراجه صليباً من خشب طوله 
قدر الذراع ثم يشد طول ذلك الصليب حجرء ويشد فيه حبلء ويركب صاحبه في 
قارب ويبعد عن E SGT‏ المسافة ينبت المرجان» 
فيرسل ذلك الصليب في الماء إلى أن ين ينتهي إلى القرار»ء ثم يمر القارب يمينا و سمالا 
ويستدير إلى أن يعلق SESE‏ اللسليب ثم بقتلعه بقوة وير ميه إليه» فيخوج 
وقد علق به دك الصليب جسم مشجر إلى القصر» وما هو أغبر المشر» فإذا حل عنه 
قشره» خر ج أحمر لون فتفضله الصناع..."". 


أما ابن حوقل» بعد ما تصفها بالاعتدال في حجمهاء وبمقدرتها الاقتصادية واصفاً 
خص ب تربتها ومنتجاتها حیث يقول: "...فیها خصب ورخص موصوف› وفواكکه 
وبساتين قريبةء وأكثر فواكهها من باديتهاء والقمح بها والشعير في أكثر أوقاتها مما لا 
قدر له...يزرع بها الكتان...وبها من العسل والخير والميسر ما تزيد به على مادناها 
من البلاد المجاورة لها...وأكثر سوائمهم البقرء ولهم إقليم واسع» وبادية وحوزة فيها 


Y۸ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزيران  ٠1۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
A‏ 


نتاج كثير...". وفي هذه الفترة يزورها المقدسي ويشير إليها بسطور قليلةء فيقول: 


a #‏ 1 . ۰ َه 3 " 1 
وبونة بحرية سورة بها معادن حديد شربهم من الآبار.... 


أما البكري الذي زارها في الربع الأخير من القرن الخامس للهجرة» الحادي عشر 
الميلادي» بعد وصف ابن حوقل لها بقرن» يقول: "مدينة بونة أوليةء وهي مدينة 
افشتين العالم بدين النصرانية وهي على ساحل البحر في نشز من الأرض منيع مطللى 
- على مدينة سبوس وتسمى اليوم مدينة زاوي وبينها وبين المدينة الحديثة نحو ثلاثة 
أميال» ولها مساجد وأسواق وحمام» وهي ذات ثمر وزرع» وقد سورت بونة الحديثشة 
بعد الخمسين وأربعمائة. وفي بونة الحديثة بئر على ضفة البحر منقورة في حجر صلد 
يسمى بئر النثرة» منها يشرب أكثر أهلها وبغربي هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتين 
وهو منتزه حسن. ويطل على بونة جبل زغزوغ وهو كثير البرد/ ومن العجائب أن 
فيه مسجد لا ينزل عليه شيء من ذلك الثلج» وإن عم الجبل كله. ومدينة بونة برية 
وبحريةء كثيرة اللحم واللبن والحوت والعسل» وأكثر لحمانها البقر إلا أنها يصح بها 
السودان ويسقم البيضان» حول بونة قبائل كثيرة من البربر مصمودة وأوروبة 
وغيرهاء وأكثر تجارها اندلسيونء ومستخلص بونة جباية بيت المال عشرون ألف 
EE‏ 


ويصفها أبو الفداء في القرن الثامن الهجري نقلاً عن ابن سعيد المغربي الذي 
يقول: "...بها من أنوا ‏ الفاكهة ما يعم أهلهاء وأ ثر فواكهها , ن بادية هاء و اقمح 
وامعير بي أوة ت الإصابات...كثير جدأء ويزرع بأرضها الكتانء والعسل بها موجود 
ممكن» وكذلك السمن» وأكثر سوائمهم البقرء ولها أقاليم وأرض واسعة...". 

ويصفها الحسن بن الوزان في وقت متأخر عند مروره منها فيقول: "...تشت 
مدينة عنابة على ٠٠٠١‏ منزل»ء وسكانها طيبون...وفي الجانب الشرقي منها قصبة 
عظيمة» محصنة تحصينا بناها ملوك تونس»ء ويسكنها الولاةء وتمتد الأراضي 


1۷⁄۹ 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


المزروعة خارج المدينة إلى مسافة ٤٠‏ ميلا طولاء ٠١‏ ميلا عرضاً وهذه الأراضي 
الح اللو و نف كفرا من البقر والضأن» وتنتج هذه المواشي من اللسمن 
كميات يبيعها أصحابها في سوق عنابة بثمن قليل لوفرتها. وكذلك الأمر بالنسبة للقمح» 
وتأتي سفن عديدة كل عام من تونس وجربة وسائر موانئ القطرء وكذلك من جنوة 
لتشتري القمح والسمن من عنابةء حيث تستقبل استقبالا حسنا...*. 

نستنتج من وصفها عند مختلف المؤرخين في مختلف الأزمنة ما كانت تزخر به 
من إمكانات اقتصادية وفيرةء جعلها محط الأنظارء وجعل للعامل الاقتصادي تاأثيراً 
كبيراً في حياتهاء مما انعكس على علاقاتها مع جيرانها في المجالين السياسي 
والعسكري» وارتبطت بعدة اتفاقيات ومعاهدات سبق الإشارة إليهاء فبالإضافة إلى 
ملاءمة مينائها للملاحةء خصب تربتها ووفرة إنتاجها من المحاصيل والثروة الحيوانية 
والسمكيةء وهذا ما أشار إليه صاحب الاستبصار بقوله: "وهي أنزه البلاد وأكثرها 
کاو 

فقد كان لها بركة واسعةء تكثر فيها الأسماك من مختلف الأنواع» إلى جانب ما 
ذكر من الأنعام ومنتجاتهاء والخيول ذات النوعية الجيدةء فقد بلغت جبايتها في إحدى 
السنوات - كما ذكر البكري _ عشرين ألف دينارء أودعت في بيت المال. على أن 
SS‏ 
عند انحباس الأمطار؛ أو انتشار الأوبئة التي كانت تتعرض لها بسبب انفتاحها على 
الخارج» وقدوم العديد إليها من أجناس متعددة ومناطق مختلفةء وربما حملوا إليها 
الأمراض» إلى جائنب رطوبة الجو وكثرة البرك فيهاء مما دعا البكري إلى أن قول 
عنها لا يصح فيها البيضانء ويصح بها السودان'ء إلى جانب الهجمات الخارجية 
المستمرة التي أشرنا إليهاء وما ينجم عنها من حروب وتدمير» وقتل وسبي» وتخطف 
يتبعه خوف واضطراب وعدم استقرار» كل هذا يؤثر في السكان» وبالتالي يضعف 
الإنتاج» إلى جانب الغزوة الهلالية التي اجتاحتهاء ولعل الهلاليين بطبيعتهم البدوية 


A 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني حزيران  ٠۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 


الرعويةء قد أثروا سلبا في الحياة الزراعية وخاصة في سهل عنابةء وانعكس هذا على 
العمران» وهذا ما أشار إليه الإدريسي بقوله: 'ولها أقاليم وأرض واسعة تغلبت العرب 
عليها..."'. لأنهم كانوا أصحاب نجع أكثر من أي شيء آخر» ولكن فيما بعد انطلقوا 
للغزو في ركوبهم البحرء ومهروا في التجارة» وخاصة تجارة السلع الناجمة عن ذلك. 

وكان وجودهم قد ساعد على نمو الثروة الحيوانية وزيادة منتوجاتهاء فبالإضاففة 
إلى ما ذكر من المنتجات الزراعيةء كان لديها الأصواف والجلود» مما جعلمهامن 
المدن المشهورة بحياكة الملابس" والأقمشة ونسج الأغطية والبرانس والمعاطف 
والزرابي والبرادع» الأمر الذي دفع الوزان أثناء زيارته لها أن يخص النساجين 
بالذكر أكثر من غيرهم» ولكن هذا لم يمنعه من ذكر صناعة السروج والأحذية 
والحافظات» والصناعات الجلدية الأخرى» ويبدو أن أصواف عنابة قد أخذت شهرة 
واسعة في هذا الوقت» من حيث جودتها وكثرة كمياتهاء وكانت تسمى بأصواف 


وظهر عدد من الأسواق فيها عند زيارة الوزان لهاء فهناك سوق الحوكة» جمع 
حائك ويقابله بتونس آنذاك سوق البرانسةء وسوق الحمامين ويسمى الحجامين وليسس 
الخفافينء وسوق الدرازين» وسوق النجارين» وسوق الفخارين» وسوق الخرازين ‏ 
ا ا ا ا و 
الأسواق الأخرى كسوق الحبوب» وسوق المواشي» وهما اللذان أصبحا بابين للمدينة 
في العهد العثماني» باب المرسى من جهة الشرق» ويؤدي إلى الميناء» وباب الغسرب 
من جهة الغرب» ومنه تبدأً الطريق المؤدية إلى قسنطينةء وقد أشار إلى أسواق 
المدينة دون ذكر أسمائهاء البكري الذي زارها في القرن الخامس الهجري إلى جانب 
اادد الا 

وتميزت عنابة بكثرة الغابات منهاء غابات جبل ايدوغ وبني صالح والقالة 


وسيبوز» وقد امتازت بجودتهاء واستخدمت أخشابها فى الصناعات اليدوية وفى بناء 


A1 


ية عا ووه اتراي وا لحار د القوا اداد الف نان الفوة الحفي فى الف 


السفن» مما ساعد على نمو الأسطول الحفصي بمختلف قطعه وأنواعه واختلاف 
NASER‏ 


واحتوت جبالها على معادنء كان من أبرزها معدنا النحاس والحديدء فالنحاس كان 
يستخرج من عين باربار لسفوح جبل ايدوغ الشماليةء أما الحديدء فتقع مناجممه في 
أماكن متفرقةء مثل قطع الحديد الذي يعرف الآن ببو حمزةء ومناجم مجاز الرسول»› 
وعين أم الرخاء وحريزاز ومعجوبة". 

وبهذين المعدنين إمتلأت أسواق عنابةء لأن الصناع كانوا يقومون باستخراجهما 
٠‏ من المناجم وتصنيعهماء ولكن فيما بعد انصرفوا عنهماء لتوفرهما بكثرة في أسواقها 
وفي الأسواق المحلية في المدن الأخرىء عن طريق القرصنة. 

وكان لوجود المواد الأوليةء والصناعات الحرفيةء والثروات الحيوانية والزراعية 
تكالب عليها من الدول الأجنبيةء الأمر الذي أوجد نوعاً من التقاليد والعلاقات التجارية 
بين هذه الدول وأهل المدينة أخذ ينمو ويتطور حتى أصبح مكتملا في بداية العصور 
الحديثةء وقد انعكس هذا التطور والخلق التجاربي على السكان الذين عرفوا بالوداعة 
وحسن الاستقبال لكل غريب» ومسافر كما ذكر الوزان“". 

كما انعكست الحروب على البنية السكانية سلبا وإيجاباًء فقد هاجر ‏ كما ذكرنا _ 
عدد من الأندلسيين إلى المدينة مارسوا الصناعة والمهن اليدوية المختلفة إلى جانب 
التجارة وركوب البحر الذين برعوا فيه منذ وقت مبكر""ء وكان لنشاطهم مزايا 
متعددة انعكست على حياة المدينة بجميع جوانبهاء عكس ما حدث لها أشاء الهجرة 
الهلاليةء وما اتسمت به القبائل من الشدةء وممارسة الأعمال الأقل نشاطاً وتأثيرا في 
الميزان التجاري» لكنهم فيما بعدء أخذوا يبحثون عن فرص تتناسب معهم» فوجددوا 
بمهنة القرصنة وما نجم عنها من بيع وشراء خير وسيلة لهم. 


A۲ 


مجلة دراساب تاریخبه ۔ العددان 1۸-1۷ ۔ کانوں الیانی ۔ حریرات ۔ ۱۹۹۹ صالح محمد فياض ابو دباك 


أما عن الجانب العمراني المتمثل في المساجد والتي ورد ذكرها عند البكوي دون 
ذکر أسمائها وتواريخ بنائهاء لکنه ذکر هو وصاحب الاستبصار اسم مسجد يقع على 
جبل ايدو غ أو (زغو غ) المطل على المدينةء واللذان وصفا موقعه بشدة البرد وتساقط 
الثلو ج على الجبلء دون السقوط عليه ء كالشامة. 


ويبدو أنه سس زمن الدولة الزيرية الصنهاجية المتمثلة في حكومتي القيروان 
والقلعةء والذي أشرف على بنائه وتأسيسهء رجل علم وصلاح وجهادء وهو أبو الليث 
البوني» من عائلة معروفة في الوسط الاجتماعي ب (البوني) إلى أيامنا هذه وقد 
اختلف في تاریخ بنائهء فالجیلالي یری حسب ما ورد في تقييد أحد كتب الشيخ أحمد 
بن قاسم البوني أنه بني سنة٥۲٤ه/.‏ ويشارکه في ذلك بو عبدلي الذي اعتمد هو 
الأخر على نفس المصدرء ويرى الجيلالي أن هندسته المعمارية شبيهة بالهندسة 
المعمارية التي وجدت زمن الأغالبة والفاطميين والزيريين أواخر القرن الراببع 
والخامس الهجربين؛ بينما يرى بورويبة العالم الأثري أن تاريخ بنائه يرجع إلى القرن 
الثالث الهجري / التاسع الميلادي. 

ومهما يكن من أمر فإنه يمثل في تصميمه مسجدأ ورباطأًء والرباط ملحق للمسجد 
من جهته البحرية؛ واستمر قائماً إلى أن حذث انفجار في إحدى السفن بميناء عنابة 
اء 16 اذ إلى حذرت اشر ار فة لاط اه جرى ك اة ازا 
قولا: "البنية لأبي الليث» والشنعة لأبي مروان" وهم يقصدون بالشنعة أو الشهرة أو 
السمعةء حيث لا يعرف هذا المسجد الجامع في الوسط العنابي إلا بجامع أبي مروان 
الذي وصل إلى بونة _ عنابة ‏ سنة ٠٠٠‏ ه/١١١١يء‏ قادما من تونس والذي أخذ 
يدرس فيه» وعندما توفي دفن بحجرة بجانب المئذنةء وقبره كان موجودا أيام الاحتلال 
الفرنسي للجزائر(“. 

وهذا المسجد يبلغ طوله ۰٠,٠۳م»‏ وعرضه ۰٠.۹٠م‏ على بيت صلاة طوله 
٠‏ مني على سواري من الرخام مجلوبة من المباني القديمة تعلوها تيجان قديمة 


AY 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي قي المغفرب 


وإسلاميةء إلا أن التيجان الإسلامية من أنواع مختلفةء تيجان ذات صف أو صفين من 
أوراق الاكنتس منها تحتو ي على صفين من ثماني أوراقء ومنها ماكان صفها 
العلوي مكونا من أربع أوراق» وصفها السفلي مکونا من ثماني أوراق. 

وما يلاحظ في صلاة جامع سيدي أبي مروانء هو أن الأقواس كلها على شكل 
حدوة الفرس» وترتكز على التيجان بواسطة ثلاثة عنأصر معماريةء الكتف» والركيزة 
والطنف» ووجود هذه العناصر الثلاثة بين الأقواس والتيجان يرجع إلى أن السواري 
المستعملة جلبت من مبان قديمةء ولم يكن ارتفاعها كافيا بالنسبة إلى الجامع. 

والمحراب ‏ بيت الصلاة مشكاة نصف دائرية القعرء تعلوها قبة نصفية فقدت 
زخرفتها كلهاء» وعلى يمين ويسار المحراب نجد ساريتين موضوعتين على مقعد 
إحداهما مزينة بتاج إسلامي الشكلء وكان لجامع سيدي أبي مروان وقت الاحتلال 
قبتان موضوعتان في طرفي الاسكوب الأوسط العمودي لجدار المحراب فهدمت هاتان 
القبتان في عهد الاحتلالء ولكن هناك صورة عنهما. 

فهناك قبة موجودة عند ملتقى الأسكوب الأوسط لبيت الصلاة والرواق الجنوبسي 

إن هذه القبة تتكؤن من الخارج من قاعدة مربعة يعلوها حزام أسطواني الشكل شم 
لقبة بذاتها مزينة بأخاديد تشكل معرجات» فلم توجد زخرفة من هذا النوع إلافي 
بنائين مغربيينء أحدهما قبة جامع القرويين بفاس» وقبة بين القهاوي بسوسة. 

أما القبة من داخلها فترتكز على الجدار الذي يفصل بيت الصلاة عن الصحن مسن 
جهة الجنوب» ومن جهة الشمال على مجموعتين من السواري كل مجموعة تحتوي 
على ثلاث سواري» وفقدت المجموعتان من السواري اللتان كانتا ترتكز عليهما القبة 
الموضوعة أمام المحراب» وفوق القاعدة المربعةء نجد أربعة عقود زوايا موضوعة 
كما يدل عليها اسمها في الزوايا الأربع للقاعدةء تسمح بالمرور من القاعدة المربععة 
إلى الحزام الأسطواني. 


A4 


مجلة دراسات تار خية ‏ العددان 1۸-7۷ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹۹٩‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
مجاه درا ا ر ا ت 


أما القبة في ذاتها فكانت على ما يبدو مزينة بأخاديد» ولجامع سيدي أبي مروان 
مئذنة مبنية في الزاوية الشمالية الشرقية للصحن» بجانب ضريح أبي مروان. 

وفي أيامنا هذه تشتمل هذه المئذنة على خمسة بروج موضوعة بعضها فوق 

إن ارتفاع البرج الأول اليوم يساوي ١٠,۷٠م»‏ وطول ضلع قاعدته المربعة 1,٤م.‏ 

وينتهي هذا البرج بسطحية محاطة بجدار تعلوه شرفات»ء ونصعد إلى E‏ 
بسلم عرضه ١۹سم»‏ يدور حول نواة مركزية غير خاوية ويؤدي إلى بيست صلاة 
صغيرة» نرى فيها محراباً ذا مشكاة نصف دائرية القعر عرضها ١اسم»؛‏ وجوفها 
۲ سم» وارتفاعها م.والملاحظ أنه لم يوجد بيت صلاة من هذا النوع إلا ببرج خلف 
سوسة الذي يرجع تاريخه إلى القرن الثالث الهجري / التاسع الميلاديء فله شكل 
ثماني الأضلاع ارتفاعه ۲م» يعلوه برجان» أحدهما أسطواني الشكل»ء والثاني على 
شكل مخروط وهذا الشكل هو شكل المئذنة حالياء ومن بروجها الخمسة لم يرجع إلى 
عهد الزيري إلا البرج السفلي» وقد أجريت ترميمات للمسجدء وعثر في زماننا علسى 
دنائير ذهبية ترجع إلى عصر المرابطي"“. 

وفي العهد الحفصي أيام السلطان أبي زكريا بن اسحاق»ء شيد حصن القصبة فسوق 
أكمة مقابلة للمدينة ومطلة على الناحية الجنوبية منها والتي يبلغ ارتفاعها (١٠٠م)‏ 
وكان يحيط بهذا الحصن سور منيع يبلغ طوله (١٠م)ء‏ وفي داخله قصر متين البناءء 
وأدخلت الحامية الجنوية عدة إصلاحات في الحصن عندما كانت تقيم به أثناء الاحتلال 
الإسباني للمدينةء ونظراً لأهميته الحربيةء فقد اتخذه الأتراك العثمانيون مكان استقرار 
للدفاع عن المدينةء وكان عدد الحامية العثمانية فيه المسماة ب (النوبة) ما بين ٠٠١‏ 
٠١‏ شخصاء وليس كما تدعي المصادر الأوربيةء بأن الإمبراطور شارلكان هو 
الذي بناها سنة ١٤۹ه/١٠١١م»‏ قصد توطيد احتلاله للمدينة". 


1A0 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري مند العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


وعمل جور ج مارسه دراسة علمية على جامع سيدي أبي مروانء وأنهى مقاله 
مبديا إعجابه بالمسجد والمدينة التي حوت آثار الوثنية والمسيحية والإسلامية الدالة 
على إشعاع الفن الإسلامي الأفريقي . 

ومن الناحية الثقافية: فقد نمت في بونة _ عنابة ‏ بذور تقافية ترجع جذورها 
إلى القرن الرابع قبل الميلادء حيث كانت المركز الديني الثاني بعد قرطاجةء وكان 
أبرز مفكريها القديس أوغسطينء ونظر! لأهميته» سميت المدينة باسمه»ء ومارست 
المدينة على مدى التاريخ دوراً هاما من التواصل الثقافيء متلما مارسته في الميدان 
التجاريء وكان من أبرز من قدم إليها بعد قيام ثورة الربض» يحيى بن يحيى بن 
كثيرء_المكنى بأبي عيسىء أصله من البربر من بني الليث ولذلك سمي ب (الليشي) 
وهو من قرطبةء روى الحديث عن زياد بن عبد الرحمنء وزياد روى عن مالك بن 
ا 

تفرع للتدريس في جامع قرطبةء وله عدة أقوال وممارسات تنم عن أساليب تربوية 
جيدة منهاء سأله مرة وزير من الوزراء عن مسألة دون الالتزام بقواعد المجلس»› 
فأنكر عليه ذلك قائلا له: "إذا جلست مجلس السائل والمجيب أجيتك بما أردت". 

وكتب إليه أمية بن الحكم بن هشام» يسأله حنث جرت في مجلس راحة له» فكتب 
إليه: "لا ينبغي الأمير أن يسأل العلماء عن ما خطر في مجلس» مما لا ينبغفي أن 
يخرج عنه فإنه أزين به". 

وقدم طالب من طلاب العلم من أهل قابس» تبدو عليه خشونة البداوة والجهل؛ على 
مجلس ابن القاسم» وكان يحيى يجلس في مجلسه» فوبخه ابن القاسم على تصرفاتهء 
ومن ضمن ما قال له» أنه لا يأتيني أحد من ضيعتكم عليه سمات العلى» فلما خلا 
المجلس» قال له يحيى: 'ياأبا عبد الله كان منك اليوم إلى القابسي شيء أنكرته» لو كان 
لا يأتيكم إلا العالم» ما أتاكم أحدء ولكن يأتي الجاهل فيتعلم ومن لا يحسن فترفق به 
حتى يحسن". فقال له ابن القاسم: "لست أعود إلى مثلها إن شاء ايش'. 


1۸٦ 


مجلة دراسات تاأريخية العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزيران - ٠۱۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان ۷| 1 - انون الثاني _ جزيران اا ت 


ويبدو رحمه الله أنه كان يرى ممارسة التدريس وبناء المؤسسات التعليميةء هم 
منحى من مناحي الحياةء لذا بني المسجد عند قدومه إلى المدينةء أما متى ققدم وما 
الأسباب لقدومه» فإننا لم نحصل على ما يفيدء ويبدو أنه توفي في قرطبة عن عمر 
يبلغ اثنين وثمانين عاماً في مدينة قرطبةء ودفن في مقبرة بني عباس إحدى 
مقار چ : 

أما أبو عبد الملك مروان بن محمدء ويسميه المؤرخون أحيانا أبو مروان عبد 
الملكء بن علي الأسدي القطان القرطبي المعروف بالبوني» نسبة إلى مدينة بونة ‏ 
عنابة ‏ ويكنى ب (محي الدين)» سكن مدينة قرطبةء وفيها روى عن أبي محمد 
الأصيلي والقاضي أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن فطيس وغيرهاء وارتحل 
إلى المشرق» فأخذ هناك عن أبي محمد الأصيلي والقاضي أبي الحسن القابسيء لازم 
أبا جعفر أحمد بن نصير الداودي مدة خمس سنين»› وأخذ عنه معظم تأليفه» وما عنده 
من علم رواية ودرايةء وكرس أبو عبد الملك نفسه لخدمة العلم» فمارس التأليف 
والتدريس» ألف مختصراأً لكتاب موطاً مالك» واعتمد عليه الناس وعلى الموطاً ذاتهء 
وممن تحدث عنه مادحاً إياه أبو القاسم بن محمد» فقال: 'لقيته بالقيروان وشهد معنا 
المجالس عند أهل العلم بهاء وكان رجلا حافظاً ناقداً في الفقه والحديث»ء وقرأت عليه 
بعض تفسير الموطاء وأجاز لي سائره» وسائر ما رواه...". 

وشهد له الكثير من العلماء بغزارة علمه خاصة في الفقه والحديث» حيث قام 
بتدريسها في المسجد الذي تسمى باسمه وتوفي سنة ٤٠۹‏ ه ودفن بحجرة قرب مئذذة 
الجامعء وقبره كان موجودا أيام الاحتلال فزن للجزائر. 

من مؤلفاته في أسرار الحروف» رسائل الشهود في الحقائق على طريقة علم 
الحروف» شرف الشكليات وأسرار الحروف والورديات» خصائص السر الكريم في 
قال بشم ان الزخفن الرهيم: 


AY 


مدينة عنابة ودورها السياسيى والحصاري مند العهد الحمادى إلى نهابه العهد الحعصى في المعرب 


وله كتت في الأذكار والأدعية والتصوف منهاء التوسلات الكتابية والتوجهات 
العطائيةء قوت الأرواح مفتاح الأفراح. 


وله في النجوم» رسالة في أحكام النجوم» وله شرح (ن والقلم) الرسالة النونية في 
الحقيقة الإنسانية. ومن أبرز مؤلفاته: شمس المعارف ولطائف العوارف حقق وطبع» 
ويحوي أربعة أجزاءء وهو شبه موسوعة في السيمياءء جمع فيه صاحبه ما تفرق في 
سائر كتلهء وقد انعكست تقافة المؤلف بما فيها من جوانب وألوان على هذا الكتاب. 


وإن دلت هذه المؤلفات على شيء» فإنما تدل على خصوبته الفكريةء وجديته فسي 
العمل» وعلی مزاجه المتفائلء واقباله على الحياةت عرفت مولفاته بالتخصصية إلى 
جانب الشمولية والإحاطة في المسائل المطروحة. 


أحمد بن محمد بن علي العنابي؛ المكنى بأبي العباسء نحوي. مقرئ» رحل إلى 
المشرق؛ واستقر في القاهرة مدةء لازم أثناءها أبا حيان النحوي. وقرأً عليه النحو 
وأتقنه وخاصة الثمانء وقام على خدمته إلى أن توفي وبعد وفاته غادر القاهرة 
متوجهأً إلى دمشق» نزل بالخانقاه الأندلسيةء وولي مشيخة النحو بالمدرسة القاهريةء 
وتصدر للتدريس بالجامع الأموي بدمشق؛ قال عنه ابن الجزي: 'وانتفع به الناس 
العربية"ء وقرأً عليه القراءاتء عمران بن ادريسس الجلجولسي» وأحمد البائياسيء 
وشعبان الحنفي» توفي سنة ۷۷۹ه/٤۳۷١.().‏ 

علي بن عبد الله الانصاري البوني المكنى بأبي الحسنء وهو من فقهاء المالكيةء 
عرف بالدراية والعلم والأمانة والحفظ والصيانةء مارس القضاء في بجاية» لم نعثر 
على تاریخ ومکان وفاته» لکنه من اهل القرن السابع الهجري/ التالت عشر 
الميلادي““. 


ارتحل عدة رحلات؛ وحدث عن أحمد بن العزات الرازي زطبقنته»ء وعنه أخذ 


A^ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 14-1۷ _ كانون الثاني حزيران  ٠۹۹۹‏ صالح محمد فيّاض أبو دياك 


الطبراني وغیره ممن هم من اتل اصبهانيء توفي بأصبهان سنة ٠‏ ۲/۳۱ م. 
من مؤلفاته: تفسير القرآن» المسند المعلل في الحديث“. 


وهناك العديد من العلماء ممن استوطنوا المدينة وأغنوا انتاجها الثقافي ابتداء بأبي 
عبد الملك مروان من أصحاب القرن الخامس الهجري إلى القرن التاسعء وواصلت 
المدينة رحلتها التقافية حتى العصر الحديث الذي كان من أبرز علمائه أحمد ساسي 
۳ _- ۱۱۳۹ ه/ ۱١٥١۲‏ ١۱۷۲م‏ وما يهمنا منه أرجوزته التي ألفها في ثلاثة 
آلاف بيت» ثم اختصرها إلى الألف وسماها بالألفيةء وفيها يرجز ما ذكره علي بسن 
فضلون من علماء البلدة الواردين عليها من المشرق والمغرب منذ القرن الخامس إلى 
القرن التاسع الهجري» وقسم منظومته إلى أبواب وفصول» الباب الأول في ذكر علماء 
وصلحاء بونة حرسها الله تعالى آمين» الذين ذكرهم العلامة ال ررخ (علي بن فضلون) 
ممن کان في البلد أو قريبا منه» يقول: 


أسأل ربي الحفظ والاتقان بالعارف القطب أبي مروان 
نور القلب شارح الموطاأً وبين أهل العلم ما تغطى 
وقال بعمض شرح (البخاري) وليسس ذا بعجب ياقاري 
ذكره عياض والخلواننسي واتعن لمان ابتاخلاني 


وقد أشاد بمترجميه وإنتاجهم» فذكر منهم ابن رحمون الذي رحل إلى تلمسان» 
وأخذ عن الإمام ابن مرزوق» باعتباره النموذج الأول من نماذج العلماء الواردين في 
منظومته» وفي ذلك يقول: 

وبابن رحمون أي الفضلسى مالظ الخا بي 


وأما النموذج الثاني» فيتمثل بابن زكريا الكسيلي يقول فيه: 


۱۸۹ 


عينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نواية العود الحفصي في المغرت _ 


مولفاتنه غدت عدب دة 


تزيد في العدد فوق الأربعين 


العلم العلامة الجليلسي 
كثيرة نافة سسديدة 


اونظ رقت فب اللن 


وقبل أن ينتهي من ذكر تراجم علي بن فضلون الذي ذكرهم في منظومته» شار 


إلى أوصافهم ومكاناتاتهم فقال: 

فبعضهم في المصر شعره وشى 
وبعضهم في لغة قد نبع 
وبعضهم قاض وبعضهم مفتسي 
وبعضهم لف في الفرائض 
ولاببن فضلون بذا مناممهه 


وبعضهم فاق على المراكشي 
ولكرامة الرجال بالغ 
وبعضهم درس ذو وقت 
ففاق فيها صنع كل رانض 
غلا بشهاافي مص فا 


علم ونبل وتقى لاجهل 


ثم يعقب _ الناظم _ على هذه الأبيات» بمقارنة المترجمين مع معاصريه»ء فيقول: 
وآلآن يسكنون فوق المنبر لا يقبلون النصح حتى مز يسرى 
لم يق فيها ناثر أو شاعر يحڍ ى ٠‏ ه الله ذوي المشاعر 
وفي العللوم أفلسوا لأنهم من كسبها قد أفلسوا 
ليت الجدود نظروا إليسهم ولو رأواهم لبكوا عليهم 


وقبل ان ينتهي من مترجمي علي بن فضلون» ويعقب عليهم بمترجميه»ء نبه على 
ذلك بقوله: 


وبابن فضلون على زين الخلف وهو الذي ذكر كل من سلف 


14۹۰ 


مجلة دراسات تاأريخية العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزيران  ٠۱۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
مجلة دراسات تاريخية _ العددان ۷ا "1۸ _ كانون الثاني _ جزيران - ااا صح ن 


والأرجوزة طويلة تبلغ ألف بيت كما ذكرناء ولذا اقتصرنا على هذه المقتطفات 
والمختصة" بعلماء المدينةء ونظرأ لعدم حصولنا على مؤلف ابن فضلون وما فيسه 
من تراجم أوردنا هذه المقتطفات لتعطي صورة ولو موجزة عن حال المدينة الققافي 
في فترات زمنية متعاقبة. 

وبعد هذه لقطات من تاريخ هذه المدينة بمختلف العصور ذكرت بدون إطالةء لعدم 
اتساع المجال» آملين من,المؤرخين العرب» أن يسهموا في نشر ترأثها وتراث غيرهل 
من المدن العربية الإسلاميةء وأبرز أدوارها في مختلف ميادين الحياة» مظهرين 
الإيجابيات لنقتدي بهاء والسلبيات لتجنبها ولتكون لنا درساً وعظة. 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


ك 
۲ 
۳ 
چ 


¥ 


نائج البحث 


ين البحث سبب تسمية المدينةء وأسباب تغيرها في مختلف المراحل التاريخية. 
بين أهمية موقعها من الناحية العسكرية والتجارية. 

ين أهميتها الاقتصاديةء بما تحويه من منتجات زراعية أو حيوانية أو معدنية. 
ين أثر الاقتصاد وانعكاسه على المجتمع» مما أثر في البنية السكانيةء وجعلها 
مرا من عناصر متعددةء جاءت إلى المدينة بدوافع وأهداف مختلففة» مما 
أكسبها حيوية ونشاطاء وبقي ميزانها التجاري قائماً رغم ما عانت من حروب 
وويلات» لم تؤثر في اقتصادهاء إلا في فترات وجيزةء عند القحط وانتشار 
الأوبئة. 

بين صراع القوى عليهاء وجعله محاور» محور الشمالء ومحور الجنوب» 
مبرزا أهمية هذا الصراع من الناحية الفكرية والعقائديةء ومن ناحية المادية 
الاجتماعية. 

تأثرها في السلب أو الإيجاب في عملية القرصنةء وشعور الأمة مشرقها 
ومغربها بالمحن والنكبات دون التمييز بينهاء الأمر الذي دعاها أن تساعد 
بعضها بعضاً بقدر استطاعتهاء وبالوسائل المتاحة لها آنذاك. 

دورها في المرابطة والتعليمء قدوم عدد من العلماء والأجلاء إليهاء خاصة من 
الأندلس ممن عملوا على بناء المؤسسات الدينية العلميةء ومزاولة التعليم فيهاء 
کمسجد سيدي ابي مروان. 

تفردها عن غيرها بوجود المرجان في سواحلهاء مما أدى إلى تكالب دول 
الفرنجة عليها لكسب استثماره وتسويقه. 

موقف الأهالي المشرف في مناصرة عروج وأخيه ضد الملك الحفصي» الذي 
باع نفسه للاسبانء» ووضعها تحت تصرفهم» مما دفعهم للدفاع عنها رغم 
ضعف إمكاناتهم. 


مجلة دراسات تاريخية العددان 1۸-٦۷‏ _ كانون الثاني _ حزيران _ ٠۹۹۹‏ صالح محمد فياض أبو دياك 
مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 10-1۷ _ كانون الثاني _ جزيرات - ااا حا ت 


الهوامش 


-١‏ الحموي» ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي› معجم البلدان› دار إحياء التراث 
العربى» ط بیروت› ۹ ھ/1۹۷۹م»› ج٤‏ ص۹١۰۱‏ ابن منظور› لسان 


العربءط ‏ دار صادر بیروت ٩۹۰۷۰‏ آم٬‏ ج٥»‏ ص۲۱٦۰‏ مأادة (عنب). 
ا نفس المصدر والصفحة. 


3- Grand Larousse Encyclopédique-Art (Jujubier) 


٤‏ الدمشقي› ابو البقاء عبد الله بن محمد البدري المصري»› نزهة الأنام شي 
محاسن الشام› EE‏ القاهرة ٤١‏ اھ ص۲۷۰ . 


-٠‏ البكري» أبو عبيد الله عبد العزيز» المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب» ط 
مک ال کے فد کے ت شض 4ة کے ۵ 

-٦‏ ابن خلدون» عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي» تاريخ ابن خلدون»› 
المسمى ب (العبر وديوان المبتدأ والخبر...) ط ‏ بيروت» د ت٬جا‏ 
ص۲۳٠‏ ولقد ورد التعبير (ولد العناب) وصحيحه (بلد العناب). 


7- Shaw (Th), Travels or observation Relating to several Parts of 
Barbary and the Levant (Oxford - M. DCCC XXX. VIII “1838” 
P95). ۰ 


۸- سرهنك ‏ اسماعيل» حقائق الأخبار عن دول البحار (مصر ۳۲۱١ه)‏ جاء 


ش5 


-٩‏ عبد الحق صفى الدين عبد المؤمن البغدادي» مراصد الاطلاع على أسماء 
الأمكنة والبقاع» ت علي محمد البجاوي»ء ط ‏ دار المعرفة - بگيروت - 


٠۴۲‏ مجلة دراسات تاريخية 


مدننه عغیاه ودورها السباسى والحصارى مىد العهد الحمادى إلى نهانه العهد الحمصي في المعرب 


a Na A OLAN O) 


10- Luis Keschi: Hippone ã travers les siècles (Bull. De HAC. D. 


A 


1 


- ٦ 


۷¥ 


Hlipponc) no 38: 1961.‏ 
البكري» المغرب...ص؟°. 
ابن خلدون ٠‏ العبر.. ٠٤<‏ ص .١۸۷‏ أبو دياك صالح محمد فياض. الوجيز في 
تاريخ المغرب والأندلس. من الفتح إلى بداية عصر المرابطين وملوك 
الطوائف» ط _ لبنان. 1۹۸۸م ص٤٤‏ ١ء‏ ص١١‏ . 
الكعاك. عثمان» عنابة قبل الإسلام. الأصالة السنة )٥(‏ العدد  ٠١(‏ ١٣)ء‏ 
الخر ار كا س ) 


شينيتي ‏ بشير» هيبون القديمةء الأصالةء (س/٥)»‏ (ع/٤ ۳‏ ١۴)ء‏ الجزائر 
NTN a‏ 


ابن منظور› لسان العرب» ج۲ ص ۲۰۹ مادة (عنب). 

البكريء المغرب› 0° 

يفرق البكري بين المدينة القديمة وهي مدينة (أفشتين) أي (القديس أغسطين) 
العالم بدين النصرانية وهي على ساحل البحر في مرتفع من الأرض منيع 
ويسميهاء زاوي وبين مدينة جديدة بنيت على بعد ثلاثة أميال من السابقة 
و سمیت (بونة الجديدة)ء وقد سورت بعد سنة 0/۰ . آم» (شيخ الربوة) 
في (نخبة الدهر) ص ٠٠ء‏ لا يعترف إلا بهذه المدينة ويعتبر أن بناءها كان 
بعد سنة ۰ھ راجع» البكريء المغرب...ص٤°  ٠١‏ شيخ الربوةت 


شمس الدين الأنصاري الدمشقي» نخبة الدهر في عجائب البحرء ط ‏ المثتى 


بغداد» 3 ات ص٣۲۳‏ . 


۱۹٩ 


محله دراسات ناریخية ۔ العدداں 1۸-1۷ ۔ کانوت النانی ۔ حریران - ٠۹۹۹‏ صطالح محمد فياض أبو دياك 
محله دراسات تاریخبه ۔ العدداں 1۷ 1۸ ۔ کانوں ای رر ا کے 


۸- ابن خلدون. العبر... ٦+‏ ص۱۷۲۹ .٠۸١‏ 

۹- أبو الفداءء اسماعيل بن محمد بن عمر» تقويسم البلدانء ط - دار الطباعة 
السلطانيةء باريس سنة۰٤٤۱۸م»‏ ص١١ .١‏ 

.٥١ البكري» وصف المغرب...ص‎ -٠١ 

-١‏ ابن حوقل» أبو القاسم النصيبي» صورة الأزض منشورات - دار مكتبة الحياة 
بیروت» ۱۹۷۹م» ص ۷۷. 

-١‏ مؤلف مجهول. الاستبصار في عجائب الأمصار» ت سعد زغلول عبد 
الحميدء ط ‏ دار النشر المغربيةء سنة٥٠1۹۸.‏ ص۲۷٠ء‏ المقدسي» محمد بن 
أحمدء أحسن التقاسيم» نشر _ غازي طليمات» منشورات وزارة الثقاففة 
والإرشاد القومي ‏ د شق ۱۹۸۰م» ص۸١۰۲‏ البيكري» وصف 


المغرب...ص٤ ٠‏ _ ١٠ء‏ الكعاك» عنابة قبل الإسلامء الأصالةء ص١٤.‏ 


23- Braudel, La Méditerranée et Le Monde Méiterranéen ã |` époque 
de Philippe Il, Paris 1949, P. 83; Sahw. Op. Cit., P. 97. 


24- Alazard, Bencheneb. Boyer et autres, Algérie (Paris. S.D) chapl: 
p.26. ۰ 


° ابن حوقل»› صورة الأرض»› ص۷۷ . 
٦‏ ۲- البككريء المغرب...ص°°. 


¥ جولیان - اندري» تاریح افريقية الشماليةء تعريب ‏ محمد مزالسي» البشير 


سلامة» تونس مم› ج۲» ص۰٥۰۱‏ الجيلالي _ عبد الأرحمن» مسجد 


سيدي بومروان العتيق بعنابهء الأصالة (س/٥)ء‏ (ع/٤٠‏ - ١۴)ء‏ الجزائر 
1م» ص٤۱۹‏ . 


۸~ او الفداء تقویم البلدان› ص٤٤‏ 8 


140° 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العود الحمادي إلى نهاية العود الحفصي في المغرب _ 


۹- الوزانء الحسن بن محمد الزياني المعروف ب (ليون الأفريقي) وصف 
أفريقيةء ترجمة س عبد الرحمن حميدة» ط ‏ الرياض› سنة۱۳۹۹ىم» 
A‏ 


30- Ch. André Julien, Histoire de L'Afrique du Nord (Paris 1966) 1, 
p.82. 


۳١‏ المقدسي» أحسن التقاسیم» ط ‏ لیدن» ۱۹۰۱م» ص ٠۲۲١ ۲۱١‏ البكويء 
المغرب..ص٤°‏ _ .٥٥١‏ 
- ابن حوقل» صورة الأرض» ص۷۷. 
۳ - البكري» المغرب...ص°٥°°.‏ 
“٤‏ نويهض _ عادل»ء معجم أعلام الجزائرء منشورات المكتب التجاري» ط(١)‏ 
بیروت ۱۹۷۱م» ص٣۲‏ ۰٣٬وعن‏ زاوي؛ راجع» ابن خلدون» العبرء ج 
A Na‏ 


35- L. Cardaillac: Morisques en Provence. dans M. de Epalaza-R. Petit, 
Op. Cit.. p:94. 


۹ ابن خلدون› العبرء ج ص١٤٠‏ الجيلالي ‏ عبد الرحمن محمد» تاريخ 
الجزائر العام ط(؟)ء الجزائر»ء بيروتٽت»› ٤ھ‏ / 1۹۷0 جا ص ۲۹۲۳. 

۷- الوزان» وصف أفريقية» ص٣۳٤‏ . 

۸- لقد كانت بطون دريد من أعز بطون الأثبج وكانت مواطنهم ما بين بلد العنلب 
وقسنطينةء واستوطن المدينة نفسها بنو مرداس من بني هلال والكعوب وكذلك 
(عوف) من بني سليم هذا مع العلم أن سكانها قبل الهجرة الهلاليية كانوا_ 
خاصة زمن البكري ‏ من كتامة ومصمودة وولهاصة وأوربة ويبدو ن 
عوف قدمت إلى المدينة قادمة من تونس في القرن الثامن للهجرة, راجع» ابن 


۱۹٩ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-7۷ - كانون الثاني - حزيران _ ۱۹۹۹ صالح محمد فياض أبو دياك 
م درا ر س 


في القديم والحديث› الجزائر» د ت» ج۲» ص۱۷۸ 
٩‏ ريسي نزهة المشتاق»› ط ‏ بریل» ۱۹۹۸م» ص١١١ .١١١‏ 
٠‏ - الميلي» تاريخ الجزائر» ج۲» ص۷۸٠.‏ 
١‏ - شيخ الربوة» نخبة الدهر» ص°٠"٠.‏ 
۲ - ابن جبير› رحلته» ط ‏ لیدنء سنة۱۹۰۷م› ص۲۰۷ ۲۰۸. 


۳ - لى زع ف أنه ترك له عقباً فى عنابة أم لاء عنه وعن غيره من الأندلسيينء 
نعر تر ٿي م وعں عیرہ مں 


L. Cardaillac: Morisques en Provence, dans M, de Epalaza-R. Petit, 
Op. Cit., p:94. 


-٤‏ جوليان» تاريخ أفريقية الشمالية» ج۲ ص۲١٠ ۱۸١‏ وما بعدها. 
0~ الميلي»› تاریخ الجزائرء ج٣‏ ص۲۹۳ . 
٦‏ - العبدري»› بو عبد الله محمد بن محمد الحيحي» رحلة العبدريء» ت محمد 


۸ من القصيدة. 


۷- الميلي» تاريخ الجزائر» ج۲ ص٥٠٠٠‏ . 
Julien. Op. Cit: 11,p.123. ۰‏ -48 
۹ - ا تاریخ أفريقية الشمالية» ص ۹٠ء‏ المبلي› تاريخ الجزائر» ج٠٠‏ 
ص۹٣۲‏ . 
۰- ابن خلدون»؛ ج٣‏ ص۳۹۹ ہے .٤٤١‏ 


۱- لفسه»› ص۳۹۹ . 


ننف کل + 


14۷ 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب 


۳ كانت الحملة ردا على مهاجمة غزاة البحر المغاربة لتوريبلانكا 
«Torreblanca‏ راجع»؛ الميلي» تاريخ الجزائر» ج۲ ص۳۹۳. 
-٤‏ الوزان» وصف أفريقيةء ص۳۳٤ .٤٠٤‏ 


55- Peyssonnel Des Fontaines: Voyages dans la Régence de Tunis et 
d’Alger, Publiée par M. Dureau de la Malle, Gide, Paris, 1838, T. 
11, p:219. 


-٦‏ ابن انسراج محمد بن محمد الأندلسيء الحلل السندسية في الأخبار التونسية 
تونس ۰ ام» ج۱ القسم )٤(‏ ص٩١٤۱.‏ 

۷- اُرسل المرکيز موندیخار رسالة إلى الإمبراطور شارلکان في ۸/۲۹/١١٠٠٠يم,‏ 
يصف له وصول الأسطول إلى عنابة الذي وصلها بعد )١(‏ أيام من وصول 
دون الفاروء والرسالة طويلةء يشير فيها إلى ترك )٠٠١(‏ جندي في القصر و 
و(١٠٠)‏ جندي في المدينةء عنه راجعء مدني أحمد توفيقء حرب الثلاثمائة 
سنة بين الجزائر واسبانية» ط(۳) الجزائر ٤۱۹۸م»‏ ص۲۳۹ وما بعدها. 


۸- لقد أشار معظم جغرافيي العرب إلى غناها بمعدن الحديد (معجم البلدانء جا 
ص۳١١٠‏ الادريسي نزهة المشتاقء ص۷١١‏ ابن حوقلء ص؛ ١ء‏ أبو الفداء 
التقويم ص ١١‏ ١ء‏ المقدسي ص٦۲۲)‏ وهي لازالت إلى الآن تشتهر 
باستخراجه من مناجم (الوینزه) ويضاف إليه الفوسفات من الكويف. والزرني 
نم منجم کاریز اس. 

۹- لقد تحدث (بید روسالازار) في کتابه المؤلف في القرن السادس عشر عن 
بعض حملات غزاة البحر المسلمين واتجاهاتهاء وهي توضيح خط السير 
المشار إليه آنفاء فقد بين أن ثلائة مراكب تابعة لأسطول (طرغد) كانت قد 
اتخذت قاعدتها في سهل تونس وجنوبي جربةء ففي عام ۰٥٥۱م‏ خرجت من 
قاعدتها لتتوقف قرب مدخل خليج نابولي حيث عملت على مراقة مؤخرة 


۹۸ 


مله دراسات باریجىه ۔ العدداں 1۸-1۷ ۔ کانوت الیانی ۔ جریران ۔ ۱۹۹۹ صطالح محمد فاص أنو داك 
ا 


الأسطول الأسباني الذي تحرك نحو صقليةء وقامت المراكب الثلاثة بالاستيلاء 
على سفينة تموين» ثم فرقاطةء ثم على مركب محمل بالحجاج الى روماء وبعد 
ذلك انفصل أحد المراكب وعاد إلى جربة» بينما تابع المركبان طريقهما نحو 
الشمال إلى قرب مصب التيبر فجزيرة ألبةء إلا أن واحدا اضطر للعودةء فأتى 
عنابةء ومنها إلى الجزائر حيث باع غنيمته» أما المركب الثالث المتبقي فقد 
تابع وحده» وغزا كورسيكة» واتجه إلى اسبانيةء ثم عاد إلى بنزرت عن طريق 
سردبنية فعنابة ‏ وبعد ذلك إلى الجزائر. راجع: 
Hispania Vientrix, Medina de Lcampo. 1552 (d'après Braudel. P.727).‏ 
-٠‏ بو عبدلي - المهدي» تاريخ بونة الثقافي والسياسي عبر العصورء الأصالةء 
(س/°)ء (ع/٤۳ »))١‏ الجزائر یولیو ٦۱۹۷م‏ ص۲۱۲ ۲۱۳. 


-١‏ ابن خلدون» يحيى أبي زكرياء بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الوادء 
ت عبد الحمبد ‏ حاجيات الجزائر ۱۹۸۰ء ص °٠'؟.‏ 


- ابن قنفذء أبو العباس أحمد بن حسين بن علي بن الخطيب القسنطيني» الفارسية 
في مبادئ الدولة الحفصيةء تحقيق ‏ محمد الشاذلي النيغفرء عبد المجيد 
تركي» ط ‏ الدار التونسية للنشر» 1۹٦1۸‏ ص٥٠‏ '. 


۳ الحمويي»ء ياقوت› معجم البلدان› ط ‏ دار صادر بیروت»› سنة ۷ ام» ج۰۷ 


را 

٤‏ - ابن حوقل» صورة الأرض»› ص۷۷. 
-٥‏ المقدسي» أحسن التقاسيم» ص٠۲۲‏ . 
1- البكري» المغرب... ص٤٥‏ _ .٠١‏ 


۷- لأبو الفداء تقويم البلدان» ص .٠٤١١‏ 


مدننه عتانه ودورها السياسي والحصارى مىد العهد الحمادي إلى نهابه العهد الحفصي في المعرب 


۸- الوزانء وصف أفريقية. ص٣۳٤‏ ہے .٤٣٤‏ 

.٠١۷ص مجهول» الاستبصار»‎  فلؤم‎ ٩ 

-٠‏ البكري» المغرب...ص°°. 

.٠١۷ص تفس المصدر والصفحة»؛ الادريسيء نزهة المشتاق»‎ -١ 
. ٤۳۳ص لاوزان» وصف افريقيةء‎ -۳ 


۳ الكعاكء عنابة قبل الإسلامء الأصالةء (س/٥)ء‏ (ع/٣٠ ‏ ١٠)ء‏ يوليو 
۹۷٦‏ ١م›‏ ص۰۸ . 


74- Madame Chollet: Bone de 1830 a 1831, Diplome d'Etudes 
superieures Alger, 1952, ch.d, p.4. 


°" البكري» المغرب...ص١٥ه٥.‏ 


76- H.R.| dris: La Bebérie orientale sous les Zirides, X-X 
11siecle,T.11, p,494. 


77- Baron Bande: L'Algerie, T.1.M. Cholett, 5. Point, les sources 
minières de la province de Bone. 


۸- الوزان» وصف أفريقية» ص۳۳٤‏ . 

۹“- البكري» المغرب» ص٤٥‏ _ ١ه٠.‏ 

-٠‏ نفس المصدر والصفحة. 

»)۳١ - ۳٣/ع(‎ ء)٥/س( الجيلالي» مسجد سيدي بومروان» الا‎ -۸١ 
الجزائر ١۹۷١م نفس المرجع» ص1۸ وما بعدها.‎ 


1“ بوربيه ‏ رشيدء عنابة من الفتح الإسلامي إلى أواخضر العهد الموحدي»› 
الأصالةء (س/٥)ء‏ (ع/٤۳‏ کے °(« الجزائرء ٣م‏ نفس المرجع» ص۸٦‏ 


محله دراسان ناريحيه - العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزيران _ ٠۹۹۹‏ __صالح محمد فياض أنو دياك 
OOO nna Ahn Dna‏ 


وما بغدها. 
Pellissier: Annales Algériennes, T. I, Paris, p. 227.‏ -83 
Mélanges Marçais, Maisonneuve, Paris 1950, p. 80.‏ -84 
-۸o‏ الخشنيء محمد بن حارث»› أخبار الفقهاء والمحدثين› تحقيق› ماري ا لويسا 
آبيلاء ولويس موليناء ط ‏ المجلس الأعلى للأبحاث العلمية - مدريد» سسنة 
-۸٦‏ جيلالي عبد الرحمن محمد/ تاریخ الجزائر العام› ط(۲)» الجزائر ‏ بيروت 
٥‏ ام» جا ص٤۱٤۰‏ بلغراد ‏ محمد» من أعلام عنابة الأصالة (س/٥)ء‏ 
(ع/٤۳‏ ڪ «(o‏ الجزائر سنة 1م ص٤٤۲‏ وما بعدهاء نويهض ‏ 
عادل» معجم أعلام الجزائرء ط(۱) بیروت»› ۱۹۷۱م» ص۲۸ _ .٠١‏ 
۷- نفسه» ص۳۷ .' 
~A^A‏ الغبريني»› أبو العباس أحمد بن أحمدء عنوان الدرايةء فيمن عرف من العلماء 


في المائة السابعة ببجاية» ت رابح ‏ بونار» ط(۲)ء الجزائر؛ 1۹۸۱م؛ 
ص۲۱۸ ت عادل نویهض»› ط(۱) بیروت ۱۹م؛ ص۱٣۲‏ . 


۹- الكعاك» عنابة قبل الإسلام» الأصالة» (س/٥)ء‏ (ع/٤٠‏ - ١)ء»‏ ص؟1"۲. 


۹۰“ بو عبدلي»› تاریخ بونه...۰ نفس المرجع»› ص۹٣۲۱‏ ومابعدها. 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب ' 


ثبت بأسماع المطادر والمراجغ 


الإدريسي؛ محمد بن عبدال. نزهة المشتاق»› ط ‏ بریل .٠۹۸٩١‏ 

البكري؛ أبو عبد الله عبد العزيز. المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغفرب» ط 
مكتبة المثنی ہ بغدادء د ت. 

الجيلالي؛ عبد الرحمن محمد. تاريخ الجزائر العام» ط(۲)» الجزائر»› 
بیروت»› ٤۱۳۸ھ‏ ١٦۱۹م»‏ ج۱. 

ابن جبير ؛ محمد بن أحمد. رحلته» ط ‏ لیدن» ۱۹۰۷م. 

جوليان ‏ أندري. تاريخ أفريقية الشماليةء تعريب -محمد مزالي» البشير 
سلامة» ط س تونس ‏ ۱۹۷۸م. 

الحموي؛ ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي. معجم البلدانء دار إحياء التراث 
العربي» ط ‏ بیروت» ۱۳۹۹ه/۱۹۷۹م» ج٤.‏ 

ابن حوقل؛ أبو القاسم النصيبي. صورة الأرض» منشورات ‏ دار مكتبة 
الحياة» بیروت» ۱۹۷۹م. 


ابن خلدون؛ يحيى أبي زكريا. بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الوادء 
ت س عبد الحميد _ حاجيات»› الجزائر ‏ ۱۹۸۰م» 

ابن خلدون؛ عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي. تاريخ ابن خلدون»› 
المسمى ب (العبر وديوان المبتداً والخبر....) ط ‏ بیروت» د - ت» چا 


-٠‏ الخشني؛ محمد بن حارث. أخبار الفقهاء والمحدثين» ت ماريا لويسا آبيلا 


ولويس موليناء ط ‏ المجلس الأعلى للأبحاث العلمية مدرید ‏ ۹۲۲١م.‏ 


۰۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ كانون الثاني ۔ حزيران _ 1۹۹۹ __ صالح محمد فياض أبو دياك 
e‏ 


-١‏ الدمشقي؛ أبو البقاء عبد الله بن محمد البدري المصري. نزهة الأنام في 
محاسن الشام› ط ‏ القاهرة» ١١١٠١ه.‏ 

۲- أبو دياك؛ صالح محمد فياض. الوجيز في تاريخ المغرب والأندلس من الفتح 
إلى بداية عصر المرابطين وملوك الطوائف› ط ‏ لبنان» ۹۸۸١م.‏ 

۳- ابن السراج؛ محمد بن محمد الأندلسي. الحلل السندسية في الأخبار التونسيةء 
ط ‏ تونس» ۱۹۷۰م» ج۱ . 

٤‏ - سرهنك ‏ اسماعيل. حقسائق الأخبار عن دول البحار» ط - مصر؛ 
۱ه ج۱. 

-٠١‏ شيخ الربوة؛ شمس الدين الأنصاري الدمشقي. نخبة الدهر في عجائب البحرء 
ط ‏ المثنی»› بغدادء د ت. 


1- العبدري؛ أبو عبد الله محمد بن محمد الحيحي. رحلته» ت محمد الفاسي»ء ط 
الرباط» د ت. 


۷- عبد الحق؛ صفي الدين عبد المؤمن البغدادي. مراصد الاطلاع على أسماء 
الأمكنة والبقاع» ت علي محمد البجاوي» ط(۱) دار المعرفة»› بيروت 
۲ه / م› جا. 


۸- الغبريني؛ أبو العباس أحمد بن أحمد. عنوان الدرايةء فيمن عرف من العلماء 
في المائة السابعة ببجاية» ت رابح ‏ بونارء ط(۲) الجزائر»› ١۱۹۸ء‏ ت 
عادل نویهض»› ط(۱) بیروت ۹ م. 


۹- أبو الفداء؛ اسماعيل بن محمد عمر. تقويم البلدانء ط - دار الطباعة 
السلطانية» باريس»ء ١٤۱۸م.‏ 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الحمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المفرب 


-٠‏ ابن قنفذ؛ أبو العباس أحمد بن حسين بن علي بن الخطيب القسنطيني. الفارسية 
في مبادئ الدولة الحفصيةء ت محمد الشاذلي النيفرء عبد الحميد تركيء ط 
الدار التونسية» ۹۹۸١م.‏ 

-١‏ ابن منظور؛ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. لسان العرب» ط ‏ دار 
صادر بیروت› ۷ م. ج٥.‏ 

۷- المقدسي؛ محمد بن أحمد. أحسن التقاسيم» نشر _ غازي طليماتء منشورات 
وزارة الثقافة والإرشاد القومي› دمشق › ۰ م. 

۲۳ مؤلف مجهول. الاستبصار في عجائب الأمصارء ت سعد زغلول عبد 
الحميد» ط س دار النشر المغربيةء 6٥9‏ مم. 

.٠ج الميلي؛ محمد مبارك. تاريخ الجزائر في القديم والحديث. ط د ت»‎ -٤ 

-٥‏ مدني؛ أحمد توفيق. حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر واسبانية - ط(۳) 
الجزائر ٤۹۸١م.‏ 

-٦‏ نویهض؛ عادل. معجچم أعلام الجزائرء› منشورات المكتب التجاري» ط(۱) 

۷- الوزان؛ الحسن بن محمد الزياني المعروف ب (ليون الأفريقي). وصف 
أفريقيةء تعريب ‏ عبد الرحمن حميدة» ط - الرياض»› ۹ه. 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۸-1۷ - كانون الثاني _ حزيران _ ٠1۹۹۹‏ __صالح محمد فياض أبو دياك 
oC‏ س ت 


الجلات 


(٥ بلقراد محمد. _ من أعلام عناببسة»› الأصالة (س/٥)» (ع/“۳ ي‎ -١ 


الجزائر ١۱۹۷م.‏ 

۲- جيلالي ‏ عبد الرحمن محمد. محمد سيدي بومروان العتيق بعنابةء الأصالةء 
(س/٥)»‏ (ع/٤ ۳‏ ١)ء‏ الجزائر ١۱۹۷م.‏ 

۳- بوريبه - رشيد. - عنابة من الفتح الإسلامي إلى أواخر العهد الموحدي› 
الأصالة» (س/)» (ع/٤۳‏ - )۳١‏ › الجزائر ۱۹۷۹م. 

-٤‏ شيني بشير. ‏ هيبون القديمةء الأصالة» (س/٥)ء‏ (ع/٤٠  )۴١‏ الجزائر› 
م 

-٥‏ بوعبدلي ‏ المهدي. تاريخ بونه الثقافي والسياسي عبر العصور الأصالة› 
(س/٥)ء‏ (ع/٤۳ )۳٠۰-‏ » الجزائر ۱۹۷۱م. 

ء)١‎ - ٠٣/ع(‎ ء)٥/س( عثمان. عنابة قبل الإسلام»ء الأصالسةء‎  كاعكلا‎ -٦ 
.م۱۹۷٦ الجزائر‎ 

المراجح الأجنبية 


1- AlLazard, Bnchenneb. Boyer et autres, Algérie (Paris, S.D). 


2- Braudel, La Mediterranée et Le Monde Mediterranéen ã L? 


époque de Philippe I, Paris 1949. 


3- Peyssonnel des Fontaines. Voyages dans La Régence de Tunis et 
d.’ Alger, Publiées par M. Dureau de La Malle, Paris, 1838, T,11. 


مدينة عنابة ودورها السياسي والحضاري منذ العهد الجمادي إلى نهاية العهد الحفصي في المغرب _ 


4- Baron — Bande. L, Algerie, T. 1.M. chollet, 5. Point, Les sources 
Minieres de La province de Bone. 


5- Pelissier, Annales Algériennes T.I. 
6- Ch. Andre Julien. Histoire de L’, Afrique (Paris 1966) T: 1. 


7- Shaw (Th). Travelsor observation Relating to Several Parts of 
Barbary and the Levant (Oxford - MDCCCVIII “1738”). 


8- Hispania Vientrix. Medina del Campo. 1552 (d, après Braudel). 


9- Luis Lesehi, Hippone ã travers les siècles, Bull. De L’ Ac. De 
Hippone, No. 36, 1961. 


10- H. R. İdris, La Berbérie Orientale sous les Zirides au XII siècle, 
T.11. 


11- L. Cardaillac. Morisques en Provence, dans M, de Epalza. 


الدبلوماسية الروسية في محر و بلإد الشام 
خلال النصف الأول من القرن التاسخ عشر 


د محمد حبیب صالح 


قسم التاريخ . جامعة د مشق 


محله دراسابت باریجە ۔ العدداں 1۷ ۔ 1۸۔ کانوں الیانی ۔ خریراں ۔ ۱۹۹۹ محمد حس صالح 


محله دراسات اريجنه - العددان ١۷‏ ٠٠ا‏ و ي ر = 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف 


الأول من القرن التاسح عشر 


١ء‏ الصراع الدولي للسیطرة على مصر وبلان الشام ۱۷۹۸١١٠١۸٠م:‏ 


مع نهاية القرن الثامن عشرء وبداية القرن التاسع عشر, ازدادت حدة الأزمة 
الاقتصادية و السياسية التي كانت تعيشها الدولة العثمانية نمنذ سنوات عديدة. ولعببمت 
لفل اروف وة انذاك ورا كرا وموئرا في دا ك؛ شع ا اور 
البورجوازية الفرنسية عام ۹٩م‏ وما نتج عنها من أفكار تقدمية ديمقراطية انتشرت 
في أوساط الشعوب والأمم الخاضعة للسيطرة العثمانيةء بالإضافة إلى الثورة الصناعية 
التي كانت قد بدأت في انكلترة» وانتقلت عبر المانش إلى بقية البلدان الأوروبيةء 
وخصوصاأً إلى فرنسة. فقد ترك هذان العاملان على وجه التحديد عظيم الأثر على 
التطوّرات الاقتصاديةء والسياسيةء داخل الدولة العثمانيةء وتطلبت الإنجازات الكبيرة 
التي حققتها الثورة الصناعية والزيادة الهائلة في إنتاج البضائع الصناعيةء البحث عن 
اأسواق جديدة لتسويق وتصريف هذا الفائض الكبير› ومصادر جدبدة للمواد الأوليية 
اللازمة للصناعات المختلفة. وبما أن الدولة العثمانية كانت تعتمد في دخلها القومي 
بالدرجة الأولى على الاقتصاد الزراعي» وعاجزة عن الصمود في وجه الاقتصاد 
الصناعي المتطور للدول الرأسمالية الغربيةء وفي وقت كانت فيه هذه الدول بأمس 
الحاجة الى المنتجات الزراعية التي تنتجها الولايات العثمانيةء وخرسشا ف مقر 
وبلاد الشام» فقد تحولت هذه المنطقة إلى ساحة تتصارع فيها القوى الرأسمالية 
العظمى» وتسعى للسيطرة عليها كل بطريقتها الخاصة. 


ه٤٠‏ مجلة دراسات تاريخية 


الديلوماسبه الروسته وى مصر وبلاد السام خلال اليصف الأول من القرت الباسع عسر 


من ناحية أخرى أدت عملية التنافس بين الدول الرأسمالية العظمى للسيطرة على 
اسو اق مصر وبلاد الشام. إلى إحداث أزمة حقيقية للدولة العثمانية من خلال ازدياد 
الثورات. وحركات التحرر الهادفة إلى التخلص من نير الظلم العتنماني. وكانت 
ضغوطات الإقطاعيين في الارياف على الفلاحين ومصادرة منتجاتهم الزراعية بغية 
بيعها للشركات التجارية الغربيةء وزيادة حذة الظلم الذي عانى منه الحرفيون والتجار 
في المدن من أهم أسبابي"'. 

ادت المنافسة القويةء والتزاحم بين انكلترة وفرنسة إلى زيادة حدة التوتر في 
الأوضاع الدوليةء خصوصاً خلال فترة الحروب النابليونية. وكانت علاقة نابليون 
بونابرت مع .السلطان العثماني سليم الثالث غاية في التعقيدء والكراهيةء في وقت كان 
فيه بونابرت يسعى إلى أضعاف موقف انكلترة في مصر» وبلاد الشامء وانتزاعها من 
العثمانيين. وفي سبيل تحقيق هذا الهدفف» توجه إلى مصر على رأس حملة عسكرية 
في ۰ حزیران ۱۷۹۸م تمکنت من السيطرة عليهاء ثم حاول نابليون السيطرة على 
بلاد الشام مع مطلع عام ١۷۹١م‏ غير أنه فشل في تحقيق مهمته هذه بعد المقاوة 
التي أبدتها مدينة عكا بفساعدة الأسطول الإنكليزي من البحرء فعاد نابليون إلى مصر؛ 
ومن هناك أبحر في ٤آب‏ ١۷۹١م‏ إلى فرنسة. 

أدت السياسة الفرنسية الجديدة تجاه مصرء وبلاد الشامء ومحاولة السيطرة عليها 
بالقوة العسكريةء إلى حدوث تغيير كبير في السياسة الروسية تجاه الدولة العثمانية. 
وكانت سياسة سانت بطرس بورغ قد تمحورت» منذ عهد القيصر الروسي بطرس 
الأكبر حول هدف رئيسي غير معلنء يرمي إلى إعادة إحياء الإمبراطورية البيزنطية 
المسيحية الشرقيةء والسيطرة على كافة الأراضي التي تقطنها الشعوب السلافيةت 
واعتبرت روسية نفسها الوريث الشرعي لهذه الإمبراطوريةء وبالتالي فقد سعت 
السياسة الروسية منذ ذلك التاريخ لتحقيق هذه الهدف. وشكل شعار الوصول إلى المياه 
الدافئة ستاراء تخفي وراءه المطامع والتطلعات الروسيةء في السيطرة على مناطق 


11۰ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني - حزیران ۔ ۱۹۹۹٩۹‏ محمد حبیب صالح 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان ۷ا ٠اا‏ دلو ي لر س 


المضائقء وبتحويل البحر الأسود إلى بحيرة روسية. وقد هر هذا التغيير في 
الدبلوماسية الروسية تجاه الدولة العثمانية في التقارب الذي أنهى مرحلة حقد وعداء 
ارت ن الدولتين ٠٠١‏ عاماء ودفع الخلل الذي حصل في توازن القوى الأوروبية 
من خلال قرار فرنسة السيطرة على مصر وبلاد الشام» كل من روسية القيصريةء 
والدولة العثمانيةء إلى التوقيع في ۴ كانون الثاني عام ۷۹۹٠م‏ على أول تحالف دفاعي 
بين الدولتين مدته ثماني سذوات» تعهدت بموجبه روسية القيصرية بتزويد الدولة 
العثمانية باثنتى عشرة سفينة من أسطولها الحربي» وإمدادها بجيش يترواح عدده بين 
٠٠۷و ۸٠‏ ألف جندي عند الضرورةء مقابل السماح للسفن الحربية الروسية بالمرور 
عبر مضائق البوسفور والدردنيل. 

لقد مكنت هذه الاتفاقية الدبلوماسية الروسية وللمرة الأولى من القفز إلى ماهو 
أبعد من منطقة المضائق» والتفكير بإيجاد مصالح لروسية في الشرق العربي»ء وكانت 
الاتفاقية بمثابة رسالة موجهة إلى الدول الغربية بأن الدبلوماسية الروسية تسعى جاهدة 
إلى شغل مكان مناسب لها في المسألة الشرقية. ومنذ ذلك التاريخ» أصبحت عملية دفع 
الدولة العثمانية لعقد مثل هذه الاتفاقات» عن طريق استغلال الأوضاع والتطورات 
المتتابعة على الساحة الدولية والمتعلقة بالدولة العثمانيةء هدفا للدبلوماسية الروسية كما 
سنر ی لاحقاً. 

في ٠‏ كانون الثاني عام 1۷۹۹م» أي بعد مرور يومين فقط على التوقيع علسى 
اتفاقية التحالف الدفاعية الزوسية - العثمانيةء سارعت انكلترة إلى التوقيع على اتفاقية 
تحالف عسكرية مشابهة مع الدولة العثمانيةء وذلك خوفاً من ازدياد النفوذ الروسيء 
الذي يمكن أن يقطع الطريق على التطلعات الإنكليزية نحو مصرء» الواقعة علسى 
طريقها التجاري إلى مستعمراتها في الهند الشرقيةء درة التاج البريطانيء وبلاد الشام 
القريبة من منطقة القفقاس» التي كانت تعد هدفاً للتطلعات الإنكليزية في تلك الفترة. 
وقد نصت اتفاقية التحالف هذه على تعهد الحكومة الإنكليزية بالوقوف بشكل مباشسر 


۲1١ 


الدبلوماسية الروسية قي مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


الى خان الو اة اة وحماية كافة ممتلكاتهاء وضد الغزو الفرنسي لمصر وبلاد 
الشام» مقابل أن يتعهد السلطان العثماني بإغلاق المضائقء وجميع الموانئ في الدولة 
ااه في وجه السفن الفرنسيةء وذلك من أجل تدمير تجارة فرنسة في الشرق 
وخصوصا في بلاد ألشامة والنخر” المتوسطء وإعداد جيش مؤلف من مائة ألف جندي 
لتحقيق هذا الهدف. وبذلك أصبحت الدولة العثمانية عضواً في التحالف الدولي المعادي 
E‏ 

من جانبها بدأت قيادة الحملة الفرنسية على مصر تسعى إلى توطيد دعائمها في 
البلادء والاحتفاظ بهاء في وقت سارت فيه التطورات الدولية وفق خط لا يتماشى 
والمصالح الفرنسية. فعادت روسية القيصرية في عام ١٠۸٠م‏ ووقعت مع الدولة 
العثمائية على معاهدة تحالف دفاعية جديدة؛ مدتها تسع سنوات»› تضمنت بالإضافة إلى 
تعهد الطرفين بالوصول إلى إقامة تحالف دفاعي بين مختلف القوى الأوروبية 
العظمى» التي تعارض التوسع الفرنسي» السماح للسفن الحربية الروسية بالمرور عبر 
مضائق البوسفور والدردنيلء ونقل العتأد العسكري» مقابل تقديم الدعم العسكري 
الروسي للإمبراطورية العثمانية. كما نص البند الثاني من معاهدة التحالف هذه على 
تشجيع حكومة القيصر الروسي لحكومات النمسة وبروسيةء والدانيمارك» والسويدء 
للدخول في التحالف الذي تم الاتفاق عليه مع انكلترة لتشكيل ضغط جماعي على 
فرنسةء ودفعها للعمل مع الدول الأوروبية على إقامة نظام دولي يكفل التوازن» 
والأمن» والاستقرار في أوروبة. ويحافظ على السلام» ويحترم مبادئ القانون الدولي. 

كما نصت الاتفاقية على اعتبار البحر الأسود منطقة مغلقة محرمة على السفن 
العسكرية التابعة للدول الأخرىء وفي حال ظهور أية قوى فيه»ء يعمل الطرفان 
المتعاقدان(روسية والدولة العثمانية) للقضاء عليه بشكل مباشر. 

ڌا لاتفاقات التحالف الروسية _ العثمانية قامت القوات البحرية المشتركة بكلا 
الدولتينء والتي كانت في غالبيتها من قوات الأسطول الروسي بقيادة الأدميرال 


1۲ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان ۷| 10٠‏ دلوا الي ر سس 


أوشاكوف» بطرد القوات الفرنسية من جزر إيوان» وفي ۱ آذار عام ۱۸۰۰م أعلنت 
جزر إيوان السبع جمهورية مستقلة متحدة مع الدولة العثمانية» وتحت حماية روسية 
القيصرية“. 

في ظل سياسة التحالفات الروسية_العثمانية هذه فهمت الحكومة الفرنسية عدم 
جدو ى التمسك بالسيطرة على مصر» وبدأت تسعى إلى نسف هذه التحالفات» وذلك 
بضرب السياستين الروسية والإنكليزية في المنطقةء وأوعزت إلى الجنرال كليبر الذي 
کان قد خلف نابليون في قيادة الحملة في مصر بالتفاوض مع العثمانيين والإنكليز من 
أجل التوصل إلى إتفاق تنسحب بموجبه القوات الفرنسية من مصر. وبالفعل فقد تمك 
كليبر من التوقيع على اتفاقية الجلاء مع الإنكليز يوم ۲١‏ تشرين الثاني عام ١٠۸٠م.‏ 
غير أنه تبيّن بعد ذلك بأن انكلترة رغم توقيعها على الاتفاق مصممة على عدم السماح 
بخروج القوات الفرنسيةء وتطالب باستسلامها. فقرر كليبر توجيه ضربة قوية للجيش 
العثماني الذي كان قد نزل إلى الأراضي المصريةء من خلال خطة عسكرية بدأ كليبر 
تنفیذها یوم ۲۰ أیار ١٠۸٠م‏ انتهت بانتصار ساحق للفرنسيين على العثمانيين. الأمر 
الذي دفع الحكومة الإنكليزية على إنزال قواتها على الشواطى المصرية ربيع عام 
١‏ مء حيث تمكنت هذه القوات من اقتطاع القوات الفرنسية إلى قسمين» فاضطر 
الجنرال مينو الذي كان قد خلف كليبر بعد مقتله في قيادة الحملة إلى التوقيع علسى 
معاهدة الجلاء عن مصر على ظهر السفن الإنكليزية. 


۲ .اثر ا لمنغيرات المحلية والدولية على الدبلوماسسية الروسية في مصر وبلاد الشسام 
ATV a 14۰۲‏ @: 


أدت عملية انسحاب الحملة الفرنسية من مصر عام ١١۱۸م‏ إلى إحداث نوع م 


التقارب بين فرنسة وانكلترةء انعكس بشكل سلبي على الدبلوماسية الروسية في 
المنطقة. وفي ۲۷ آذار عام ۲ م» تم التوقيع على معاهدة السلام الإنكليزية ‏ 


1۳ 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


الفرنسية التي أنهت المرحلة الأولى من الحروب النابليونية. وقد تضمن البند الشامن 
من المعاهدة الحفاظ على أراضي وممتلكات وحقوق الباب العالي بما في ذلك مصر 
وبلاد الشام. في حين دعى البند رقم ۱۹ من المعاهدة الدولة العثمانية للانضمام إلى 
المعاهدة. وبالفعل فقد وافق السلطان سليم الثالث على ذلكء ووقعت الدولة العثمانية مع 
فرنسة على معاهدة للسلام بينهما في Y٥‏ حزیران عام ۱۸۰۲م تضمنت إقامة سلام 
بين الدولتين؛ وإحياء المعاهدات والامتيازات السابقةء والسماح للسفن الفرنسية بدخول 
مضائق البوسفور» والدردنيلء والملاحة في مياه البحر الأسود دون اعتراض(. 


بهذا الشكل تكون فرنسة وانكلترة قد قطعتا الطريق على الدبلوماسية الروسية في 
المنطقةء والتي كانت قد نجحت كما رأينل ووصلت إلى حد التوقيع على معاهدات 
تحالف مع الدولة العثمانية. وكانت عملية امتداد النفوذ الروسي إلى داخل الدولة 
العثمانيةء واستغلال روسية القيصرية لحاجة الدولة العثمانية إلى الدعم العسكري 
والسياسي المباشر ضد فرنسة في مصر؛ وبلاد الشام نابعة من أأهداف» وتطلعمات 
روسية خاصةء وبالتالي كانت الأهداف والتطلعات الدبلوماسية الروسية أحد أهم 
الأسباب والدوافع التي كانت وراء التقارب الفرنسي - الإنكليزي» ثم التوقيع علسى 
الاتفاقات الإنكليزية _ الفرنسيةء والفرنسية _ العثمانية عام ۲٠۱۸م.‏ 

بالإضافة إلى ذلك يمكن القول: بأن اتفاقات السلام العثمانية _ الفرنسية التي 
تضمنت كما ذكرناء السماح للسفن الفرنسية بعبور المضائق» والملاحة في البحر 
الأسود شكلت رسالة تهديد لروسية القيصرية من خلال السماح للسفن التابعة للدول 
الكبرى بعبور المضائق والوصول إلى الشواطئ الروسية الجنوبيةء وكان الهدف ممن 
ذلك إفهام الحكومة القيصرية بعدم السماح لها بالامتداد جنوبا وزيادة نفوذها في 
الشرق العربيء الأمر الذي دفع روسية منذ ذلك التاريخء إلى العمل على استغلال 
الأوضاع» والظروف الدوليةء التي كانت تعيشها منطقة شرقي البحر المتوسط ومصر 
واليونان فيما بعد لتحسين وتكريس نفوذها في هذه المناطق قدر المستطاع. 


1٤ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان ٦۷‏ ۔ 1۸ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹۹‏ محمد حبیب صالح 


ر ص 


في عام ٥‏ م» حسمت مسألة الصراع على قمة السلطة في مصرء التي كانت 
قد بدأت مباشرة بعد انسحاب الحملة الفرنسيةء وشكلت الدولة العثمانيية من خلال 
الباشوات التي كانت ترسلهم إلى مصر» والمماليك المعمين من قبل الإنكليز» ومحمد 
على الذي اعتمد على السكان المحلبين» أطرافها الرئيسية لصالح محمد علي باشا. 
ومع وصول محمد علي إلى السلطةء بدأت مرحلة جديدة من تاريخ مصر والمنطقة 
العربية بشكل عام وتغيرت خلالها المعادلات السياسيةء وتبذلت ونقلبت فيها مواقسف 
الدول العظمى وفقاً للوضع الذي كانت فيه مصالحهاء وظهرت الدبلوماسية الروسية 
في وضع غير مرضص على الإطلاق» الأمر الذي تطلب من سانت بطرس بورع 
مضناعفة الجهود اذراسة أوضاع باد الشام من قبل العديد مسن البعشاات الزوحية 
وبعثات الرحالة الجغرافيين» وإعادة نقييم السياسات الروسية بناء على التقارير ت 
كانت تقدمها هذه البعثات إلى وزارة الخارجية الروسية في سانت بطرس بورع. 

وبدأات روسية القيصرية منذ عام ١٠۸١م‏ تسعى إلى فرض سياساتها على الدولة 
العثمانيةء بعد ما فشلت دبلوماسيتها في الشرق العربي بسبب المعارضة الإنكليزية 
الفرنسيةء والتفاف الدولتين على السياسات الروسية بالتعاون مع الدولة العثمائية. 
وحاولت روسية تمرير دبلوماسيتها الجديدة مع الدولة العثمائية عن طريق استغلال 
الوضع المتفاقم في اليونان» وأقامت أول جمعية سرية يونانية أطلق عليها اسم جمعية 
الأصدقاء (فيليكيا هيتاريا)ء أو جمعية هيتاريا العظمى التي اتخذت من موسكو مقرأ 
لهاء ووضعت هذه الجمعية لنفسها هدف إنقاذ الشعوب الهيلينية من الاحتلال العثمانيء 
وإحياء الإمبراطورية الأرثوذكسية في الشرق. وقد تولى الجنرال هبسلنت وهو ضابط 
يوناني كان يعمل لدى القيصر الروسي ألكسندر الأول رئاسة الجمعية وطرح شعار 
ثورته المعروف (اليونان لليونانيين)(. 

بعد بدء الثورة اليونانية في آذار عام ١۸۲٠م‏ في بحري إيجة والأدرياتيك وكريت 
وقبرص» وفشل القوات العثمانية في القضاء عليها وإلحاق الهزيمة بهاء من قبل القائد 


1° 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن الناسع عشر 


اليوناني الشهير تيودوركول كوثروتز الملقب ب(آكل الأتراك)ء كلف السلطان 
العثماني محمود الثاني والي مصر محمد علي باشا بالقضاء على الثورة اليونانية على 
أن يعطيه حكم جزيرتي قبرص وکریت('. 

لى محمد علي باشا طلب السلطان العثمانيء وأمر بتجهيز حملة عسكريةء تمكنت 
في حزیران عام ۱۸۲۲م من القضاء على الثورة في كريت وقبرص وآل حكم كريت 
لمحمد على باش ''. 

في ۱ کانون الثاني عام ٤‏ ۱۸۲م» وبعد استفحال أ مر الثورة اليونانية في شبه 
جزيرة المورة والتي شارك فيها الكثير من المتطوعين الروس والبلغار» وكتب لها 
الشاعر الروسي العظيم ألكسندر بوشكين القصائد الحماسيةء كلف السلطان خود 
الثاني والي مصر محمد علي باشا مرة ثانية بالقضاء على الثورةء فأرسل حملة 
O TO‏ 
حزیران عام AY‏ م 0 . خلال فترة استفحال أمر الثورة اليونانية حاول ميترنيخ 
النمسة المعارض الرئيسي لهذه الثورةء والذي كان يرى بأنها ستكون السبب المباشر 
في انتشار حركة العصيان وتفشيها وسط السكان السلاف من النمسقويين» قطع 
الطريق على روسية القيصرية التي بدت عازمة على التدخل إلى جانب الثوار ض د 
محمد علي والسلطان العثمانيء وذلك عن طريق إقحام الدول العظمى الأخرى في هذه 
الحرب» وخصوصا فرنسة وانكلترة ة في وقت كانت فيه فرنسة وانكلترةء تتخوفان ممن 
تقوية وزيادة النفوذ الروسي في البلقانء والذي يمكن أن يتبعه امتداد النفودذ الروسي 
إلى الشرق كما حدث في مطلع القرن التاسع عشر كما رأينا. 

من ناأحية ثانيةء حاولت روسية القيصرية الرد على الدبلوماسية النمسقوية 
والالتفاف عليهاء فأقدمت في ٤‏ نيسان عام ١٣م‏ على التوقيع مع انكلترة علسى 
اتفاقية سانت بطرس بورغ التي طالبت فيها الدولتان السلطان العثماني ومحمد علي 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان ۷ ۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ محمد حبیب صالح 


باشا بوقف الحرب في اليونان ضد الثوارء وإعطاء اليونان استقلالها ‏ سرعان مه1 
انضمت فرنسة إلى هذه الاتفاقية. غير أن الدولة العثمانية رفضت تلك المطالب 
مستغلة اعتمادها على قوة محمد علي باشا وصداقته ممع فرنسة ورفض النمسة 
ومعارضتها القوية بسبب تخوفها من امتداد الثورة إلى داخل الأراضي النمساوية"'. 


غير أن زيادة ضغوط الدول الغربية وخصوصاً فرنسة وانكلترة على الدولة 
العثمانية أدت إلى إقناعها بضرورة التفاوض مع روسية القيصرية والتوقيع في ۷ 
تشرين الأول عام ١۱۸۲م‏ على اتفاقيةء اعترفت ا بحق صربية» وملدافيةء 
والأفلاق» بالاستقلال. وبذلك رسخت أقدام روسية في البلقانء وتعمّق نفوذها السياسي 
فيه إلى حد كبير9'. 

في عام ۱۸۲۷م» تقدمت روسية القيصرية بمشروع لحل المشكلة اليونانية وافققت 
عليه فرنسة وانكلترة من خلال اتفاق وقع بين ممثلي هذه الدول في لندن في تموز عام 
۷ مء طالبت فيه السلطان العثماني بمنح اليونان الاستقلال التامء وأنذرته باستخدام 
القوة العسكرية ضده في حال رفضه ذلك. وتخوفت فرنسة وانكلترة من إمكانية التدخل 
العسكري الروسي المباشر في حرب اليونانء في وقت بدت فيه روسية عازمة على 
ذلك» ومن عواقب ازدياد النفوذ الروسي في البلقان والامتداد نحو الولايات العثمانية 
الأخرى في شرقي البحر المتوسط (بلاد الشام)ء فسارعت إلى إرسال أساطيلها 
العسكرية إلى المياه اليونانيةء ودخلت في معركة بحرية مع القوات المصرية 
والعثمانية في ميناء نفارين» انتهت بتدمير الأسطولين المصري والعثماني وانسحاب 
القوات المصرية من شبه جزيرة المورة'. وفي لندن وبضغط من الدبلوماسية 
الروسيةء وقعت فرنسة وانكلترة وروسيةء على اتفاقية في شباط عام ١۱۸۳م‏ طالبت 
فيها هذه الدول الدولة العثمانية بمنح اليونان الاستقلال التام الذي حصلت بموجبه 
اليونان يوم ۲۹ آب ١۱۸۳م‏ على الاستقلال. وقد كتب إنجلز بهذا الخصوص ما 
يلي:'من قرآر مصير الصراع أثناء الثورة اليونانية؟ لا الباشا محمد علي ومؤامراته» 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


ولا المعركة البحرية في ميناء نفارينء ولا الجيش الفرنسي في المورة» ولا اتفاقية 
الذي تجاوز البلقان» ووصل إلى أعماق ماريتسة"'. 


وأخيراً فقد أدى الانتصار العسكري الروسي على الدولة العثمانية في حرب عام 
۷ _ ۱۸۲۹م التي كان سببها المباشر الححرب في اليونانء ثم انتصسار 
الدبلوماسية الروسية في اليونان» وحصول اليونان على استقلالهاء إلى إعادة تقييسم 
سانت بطرس بورغ لدبلوماسيتها في الشرق. وبدأت منذ ذلك الحين مرحلة جديدة في 
الدبلوماسية الروسيةء قامت على أساس التوغل نحو الجنوب خصوصاء وأن الأوضاع 
الدولية كانت في صالح روسية خلال تلك المرحلة كما سنرى. 


۲ء الديلوماسية الروسية أثناء حرب الشام الآولی ۱۸۳۱ء ١١۸١م:‏ 


ازداد اهتمام الدبلوماسية الروسية ببلاد الشام بشكل كبير خلال عامي ۱۸۳١‏ 
۲ م» عندما قام محمد علي باشا بإرسال جيوشه والسيطرة على بلاد الشام بأكملهاء 
خيت تمكنت هذه الجيوش من تخطيم القوة السنكرية الدولة العثمائية؛ وأصبخمت 
القسطنطينية على وشك السقوط بيد القائد العسكري المصري الكبير إيراهيم باشاء في 
وقت لم تكن فيه الحكومة القيصرية في سانت بطرس بورغ راغبة على الإطلاق 
بامتلاك حدود مع دولة محمد علي باشا القوية في الشرق» التي وصل تعداد جيشها 
آنذاك إلى حوالي ٠‏ ألف جندي. ومنهم القيصر نيقولاي الأول» أن السلطان 
العثماني محمود الثاني لن يكون قادرا على مواجهة جيوش محمد علي عندما ستهاجم 
عاصمته» خضوصا وأن انكلترة والنمنة رفضتا مساعدته والتدخل إلى جانبه. فارع 
القيصر فور لجوء السلطان إليه طالبا المساعدةء إلى تلبية طلبه» وقام بإرسال مبعوشه 
الخاص الجنرال مورافيوف إلى القسطنطينية ثم إلى الإسكندرية في تشرين الأول علم 
۲ م» بعد أن خوله بصلاحيات تامة للتفاوض مع محمد علي باشًا وتهديده بللتدخل 


1۸ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان ۷ ۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


الروسي المباشر إلى جانب السلطان العثماني إذا وجد تعنتاً منهء أو إصرار أو حتى 
التفكير بالقضاء على الدولة العثمانية وإقامة دولة جديدة على أنقاضها". 


عندما عبرت سفينة الجنرال الروسي مورافيوف المضائق حاملاً رد القيصر 
الإيجابي على طلب السلطان العثماني بالتدخل العسكري إلى جانبه» سارعت انكلترة 
وفرنسة إلى إرسال أساطيلها البحرية إلى شواطئ بلاد الشام تخوفاً من ازدياد الخطر 
الروسي من خلال التدخل العسكري المباشر في حرب بلاد الشام» لكن السلطان كان 
قد خسر المعركة الأخيرة في قونيةء فتوجه في ۲ شباط 1۸۳۳م إلى السفير الروسي 
في القسطنطينية بوتنينيف وطلب منه إبلاغ القيصر بضرورة إرسال الأسطول 
العسكري الروسي في البحر الأسودء وفيلق مشاة مكون من ٠١ ٠١‏ ألف جندي 
لحماية عاصمة الدولة العثمانية المهددة(*. 

في محاولة منه لإنقاذ الدولة العثمانية من الوضع الخطير الذي أصبحت فيهء 
أسرع الجنرال مورافيوف بالتوجه إلى الإسكندرية حاملاً اقتراحاً إلى محمد علي باش 
ينص على تنازل السلطان عن جنوب بلاد الشام (فلسطين) لمحمد علي. غير أن الباشا 
رفض عرض مورافيوف وبدأً يستعد للإبحار مع أسطوله إلى القسطنطينية لملاقاة ابنه 
إبراهيم. لكن الجنرال مورافيوف نجح أخيرا بإقناع محمد علي باشا بقبول التفاوض 
مع السلطان العثماني» بعد أن هدده بأنه سيجد القوات الروسية في وجهه إذافكر 
بالهجوم على القسطنطينية ". وبالفعل فقد دخلت القوات الروسية المضائق بقيادة 
العميد کوماني في ۸ شباط ۱۸۳۳م ونزلت على البر الآسيوي في وادي هنکار اسکله 
سي مقابل السفارة الفرنسية في القسطنطينية. عندها حاولت فرنسة عن طريق سفيرها 
الجديد الأدميرال روسان إقناع الباب العالي برفض المساعدة العسكرية الروسية وهدد 
روسان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العثمانية في حال رفضها ذلكء وتعهد 
مقابل هذا بإقناع محمد علي باشا بالشروط التي يعرضها خليل باشا مبعوث السلطان 
العثماني إلى الإسكندرية. لكن روسية تابعت إرسال قواتها العسكرية إلى القسطنطينية 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


خلال شهري آذار ونيسان ۱۸۳۳م» حيث تسلم الجنرال مورافيوف قيادتها العامة بعد 
عودته من مصر» في حین تولی الأ ٣یرال‏ رأراريوف قيادة الأسطول. وفي أيار 
٣۳‏ م» وصل الجنرال الباور كونت أرلوف» وتسلم قيادة البحرية والمشاةء وأوكلست 
إليه مهمة قيادة القوات الروسيةء وأعطي صلاحيات فوق العادة('". 


وفهم محمد علي باشا أبعاد اللعبة الروسية وأدرك خطورة وجود جييش روسي 
على البر الآسيوي» وصل تعداده إلى ۳۲ ألف جندي» فدخل في مفاوضات مع مبعوث 
السلطان العثماني انتهت بالتوقيع على اتفاقية كوتاهية في ۱٤‏ أیار 1۸۳۳م» اعترف 
بها السلطان العثماني بحكم محمد علي باشا لمصر والجزيرة العربية وكريست» 
ووضعت بلاد الشام وأضنة تحت حكم ابنه إبراهيم باشا. وبذلك تككون الدبلوماسية 
الروسية قد نجحت في إنقاذ الدولة العثمانية من السقوط في اللحظة الأخيرة تحت 
ضربات جيوش إبراهيم باشا'. وكان العامل المحرك لهذا السباسة ٠ر‏ سعي روسية 
إلى زيادة وتعميق نفوذها في الشرق› بعد النحا< - الكبيرة التي حققتها في البلقفان 
وتحقيق أكبر قدر ممكن ما 'لتسهيءت والإمتيازات في منطقة المضصاائق»› وتحجيسم 
النفوذ الفرنسي في بلاد الشام» خصوصا وأن فرنسة كانت تؤيد سياسات محمد علي 
باشاء وكذلك قطع الطريق على انكلترة التي كانت تسعى إلى تعميق نفوذها في بلاد 
الشام عن طريق سياسة التقارب والتعاون التي كانت تتبعها مع الدولة العثمانيةء 
خسنوظا ر أن النوآئر المياسة الإنكفزية انذافة لم تكن تخفي نو اها في اتتخذام 
شمال بلاد الشام كقاعدة للوصول إلى منطقة ما وراء القفقاس الروسية. ۰ 

ولم تنسحب القو ات الروسية من منطقة المضائق إلا بعد أن تمكنت الدبلوماسية 
الروسية من التوقيع على معاهدة دفاعية هجومية مع الدولة العثمانية في ۸ تموز عام 
GIAEY‏ أصبحت تعرف باسم معاهدة هنكاراسكله سي» وأهم مها تضمنته التزام 
روسية والدولة العثمانية بانتهاج سياسة متوافقة وتقديم المساعدة المتبادلة عندما تدعو 


الضرورة إلى ذلك من أجل ضمان الأمن والهدوء والاستقرار التام» وتعهدت روسية 


۰ 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان ۷ ۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


القيصرية» بموجب نص المعاهدة بأن تقدم للدولة العثمانية في صراعها ضد أعدائها 
المساعدات وكافة أشكال الدعم العسكري والسياسيء كما نصت المعاهدة أيضاً على 
بند سرَّي أعفت بموجبه روسية الدولة العثمانية من تقديم المساعدات العسكرية 
لروسية» وعوضا عن ذلك كان عليها إغلاق مضائق البوسفور والدردنيل في وجه 
السفن الحربية الأجنبية بناء على طلب روسيةء وبذلك أصبحت روسية القيصرية 
وبموجب هذه المعاهدة الحامية الرئيسية للدولة العثمانية خلال هذه الفترة". 


في هذه الأثناءء قامت وزارة الخارجية الروسية بإلحاق القناصل الروس وجميع 
العاملين في القنصليات الروسية في بلاد الشام (سورية _ فلسطين _ لبنان) بالقنصلية 
الروسية في الإسكندرية التي كان يديرها القنصل العام الغراف ميدم» وظل الوضع 
كذلك حتى بداية الحرب الثانية في بلاد الشام عام ۸۳۹١م‏ كما سنرى'. 

بعد التوقيع على معاهدة هنكار أسكله سي بثلاثة با غادرت الق ات ارو ةة 
منطقة المضائق عائدة إلى روسيةء وبدأت الدبلوماسية الروسية تسعى إلى تعزد ز 
موقفها وتكريس اتفاقية هنكارأسكله سي. وقد تمكنت آنذاك من التوقيع على ائفاقية 
مونتشنغراتز مع النمسة في ^ أيلول عام ١۸۳م‏ التي تضمنت تعهد الدولتين بالتتسيق 
العمل المشترك لحل المسألة الشرقيةء بالرغم من أن ميترنيخ النمسة لم يعط أهمية 
للمعاهدة بنفس القدر الذي أعطاه القيصر الروسي نيقولاي الأولء وفضتل جعلها عامة 
وسرّية وبديلة عن معاهدة هنكارأسكله سي السالفة الذكر. وقد تضمنت البنود السرية 
في معاهدة مونتشنغراتز منع محمد علي باشا وبشكل مباشر من الامتداد نحو الو لايات 
التابعة للدولة العثمانية. 

حاول محمد علي باشا من جانبه الالتفاف على السياسات الروسية المعادية له في 
بلاد الشام وضربها بالسياسات الأوروبية في المنطقةء واقترح في عام ٤۸۳م‏ على 
النمسة وفرنسة فصل المقاطعات العربية بشكل نهائي عن الدولة العتمائيةء واعلان 


۲۲١ 


الدبلوماسية الروسية قي مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من الفرت التاسع عشر 


الدبلوماسية الروسية كي مصر وبا ل س — 


الاستقلال في مصر وبلاد الشام والحجازء وتشكيل دولة عربية واحدة وإعلان 
الحرب على روسية القيصرية لإلغاء معاهدة هنكارأسكله سيء غير أن الدول الكبرى 


هذه رفضت اقتراحه. 


>« اهتمام الدبلوماسية الروسية في بلاد الشام ودراسة أوضاعها من قبسل ضباط 
هينة أركان الجيش الروسي: 


يعود تاريخ تأسيس هيئة الأركان العامة الروسية إلى عام ۳١۷١م‏ وكانت مهمتها 
الأساسية دراسة مسرح الأعمال العسكريةء وإعداد طرائق تحرك القوات» والخرائط 
والخطط العسكرية. ولم تكن هيئة الأركان آنذاك الهيئة العسكرية العليا في البلادء 
وكانت تقود أيضاً مجموعة من أصناف القوات خلال الحرب» وكان أعضاؤها من 
كبار الضباط الذين كانوا ينضمون إلى القطع العسكرية المحاربة من أجل القيام ببعض 
الأعمال العلمية والعسكرية. 

في عام ٩۱۷۹م»‏ قام القيصر الروسي بافل الأول بإلغاء هيئة الأركان العامةء 
وأقام عوضاً عنها هيئة مستشاري القيصر الأعظم العسكريةء والتي أصبحت تسرف 
باسم هيئة الحاشيةء واستمرت حتى عهد القيصر نيقولاي الأول الذي قام بإلغانها 
وأعاد تأسيس هيئة الأركان العامة قبيل الدخول مع الدولة العثمانية في حرب عام 
۷ _ ۱۸۲۹ءم. فقد اتخذت الحرب في الشرق وعملية التحضير لها أهمية خاصة 
لدى القيصر نفسه» وكان على هيئة الأركان العامة الروسية الجديدة أن تحصل على 
كافة المعلومات المتعلقة بشعوب بلاد الشامء والتحولات التي طرأت عليهاء ومعرففة 
حضارتها وأوضاعها الاقتصاديةء وعادات وتقاليد وطباع سكانهاء الأمر الذي تطلب 
من ضباط هيئة الأركان هذه تعلم اللغة العربية ولغات الشرق الأخرى بشكل جيد. 
وفي سبيل ذلك» بدأت هيئة الأركان بإرسال البعثات الاستكشافية الروسية من الضبلط 
بصورة رحالة» وجغرافيين وكانت مهمتهم الأساسية القيام بأعمال تجسسية» وجمع 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان ۷ ۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩۹‏ محمد حبیب صالح 


كافة المعلومات الهامة والإستراتيجية عن بلاد الشام ومصر. ومنذ ذلك التاريخ تم 
تشكيل تم تطوير ما أصبح يعرف باسم الاستشراق العسكري الروسي. 

قبل بداية ثلاثينات القرن التاسع عشرء كانت مهمة ضباط هيئة الأركان الروسية 
منصبَة بالدرجة الأولى على دراسة بلاد فارس والأراضي العثمانية المتاخمة لحدود 
روسية الجنوبيةء غير أن الهيئة وسعت من نشاطاتها وأبحاثها ودراساتها العسكرية 
والإستراتيجية بعد حرب ۱۸۲۷ 1۸۹م مع الدولة العتمانيةء لتشمل أواسط آسيةء 
وبلاد الشام بأكملها ومصر. 

بدأت عمليات التجسس الروسية في المنطقة بشكل عملي عندما عينت هيئة 
الأركان الروسية العقيد ديوغاميل _ وكان نفسه عضو في هيئة الأركان ‏ في كانون 
الأول عام ۱۸۳۲م تفا للجنرال مورافيوف. أثناء تكليفه بمهمة التوسط بين السلطان 
العثماني» ومحمد علي باشاء وكلفت هيئة الأركان العقيد ديوغاميل أثناء توجهه من 
ميناء أوديسة على شواطئ البحر الأسود الروسية إلى القسطنطينية بجمع معلومات 
كافية عن وضع الحصون والقلاع العتمانيةء والإجراءات التي اتخذتها الدولة العثمانية 
لإعادة بنائها بعد انتهاء الحرب مع روسية في عام ۹١۱۸م.‏ وبالفعل فقد تمكن 
ديوغاميل من جمع معلومات قيمّة جداً عن وضع القوات البرية والبحرية العثمائية 
ساعدت الدبلوماسية الروسية إلى حد كبير في تقدير خطورة الوضع أثناء حرب الشلم 
الأولى» واتخاذ الإجراءات العسكرية الروسية السريعة لإنقاذ القسطنطينية من هجوم 
تقوم به جيوش محمد علي باشا والتي كانت احتمالات نجاحها موکد*“. 

و استغلت الدبلوماسية الروسية البند الأخير في معاهدة هنکار أسکله سي المتضمن: 
1 تكون بلاد الشام مسر ح العمليات العسكرية في حال وقوع حرب جديدة بيسن 
السلطان العثماني ومحمد علي باشا"". 

وطرحت الحكومة القيصرية على هيئة الأركان الروسية العامة مسألة دراسة بلاد 
الشام كمنطقة مرشحة للتحول إلى مسرح للعمليات العسكرية في المستقبل القريب. فى 


YY 


الدبلوماستة الروستهة فى مصر وبلا السام خلال النصف الأول من القرب التاسع عسر 


اوا رو ا 


وقت هدأت فيه ايأوضاع نسبياً في بلاد الشامء وراح محمد علي بات يعمل على 
توطید دعانم حکمه فیھ . 

کت م كان ازو في ابا ۴۴ ار ا بور اوت ا مم 
المهمة. عندها كلف مورافيوف بدوره نائبه العقيد ديو غاميل بمهمة تجسسية في برد 
الشام ومصر» وأمره بالتو جه الى الإإسكندرية عن طريق البرء وكان عليه أن يعرف 
تركيية وتعداد وتسلي جيش محمد علي باشا في بلاد الشامء والاطلاع على الحالة 
النفسية للسكان العرب» ومدى تأييدهم لحكم محمد علي باشا وتقديم دراسة وافية عن 
الجيش في مصر نفسهاء وكان على الجنرال مورافيوف تأمين حماية ديو غاميل وتأمين 
الغطاء و الحصانة الدبلوماسية الك ةله عت الر ور 


خلال جولته في لاد الشام ومصر» تمكن العقيد ديو غاميل من جمع المعلومات 
المطلوبة وأرسلها في تقرير مفصل إلى وزير الدفاع الروسي في سانت بطرس 
بورغ» دون العودة إلى الجنرال مورافيوف. وبعد الإطلاع على هذا التقرير؛ تبين 
لوزارة الدفاع أن مهمته لم تكن في المستوى المطلوب» على الرغم من حب ديو غاميل 
للعمل» وحنكته ومستوى تقافته الكبير. والسبب في ذلك عائد إلى عدم تمكنه من كسب 
تالكا ن» التي تعد شرطاً ضرورياً للحصول على المعلومات التي كلف بجمعها 
خلال تنفيذ مهمته التحصسية. بالإضافة إلى أن هذه المهمة كانت تتطلب جهدا عضليا 
شاقاء وتحملا يفوق الحدود وكسب قلوب أبناء شعب الشرق العربي» الذي لم يعد يثشق 
بالأجانب» ويرتاب من أي سؤال يطرح عليهء أو حتى من أي وجود للاجانب على 
هذه الأرض في تلك اففترة. وفي نهاية عام ۳٣م‏ قطع دیو غامیل مهمته في بلاد 
الشام ومصر واضطر للعودة إلى روسية. 


من جهة أخرى» كانت قوات الإنزال البحرية الروسية قد تركت أثناء انسحابها من 
منطقة 'لمضائق» بعد التوقيع على اتفاقية هنكارأسكله سي بعض المجموعات من 


مجلة دراسات تاريخية _ العددان ٦۷‏ ۔ 1۸ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 
لةه دراتتات واريجيك ت العددان لات وا الو ي رر ت 


الضباط الروس في القسطنطينيةء كلفتهم هيئة الأركان الروسية العامة بالقيام برحلات 
استطلاعية بصفة رحالة وكشافين جغرافيين» والتوغل عبر أنطالية إلى بلاد الشام» 
وجمع المعلومات العسكرية الهامة عن المنطقةء» حيث تم تكليف العقيد لفوف بهذه 
المهمة. وقد تمكن هذا الضابط من دراسة كاملة لسورية وفلسطين وأنطاليةء ومناطق . 
ديار بكر» ثم قدم تقريرأ مفصلا إلى هيئة الأركان العامة الروسيةء التي قامت بدورها 
بدراسته“. وفي عام ۱۸۳۸ء أرسلت هيئة الأركان النقيب دابنيزي في مهمة 
تجسسية أخرى إلى بلاد الشام» قدم بعدها تقريرأ خاصا عن الأوضاع بشكل عام في 
بلاد الشام. غير أن المهمة الأهم والأنجح كانت مهمة العقيد لفوف. وفي أرشيف هيئة 
الأركان العسكرية الروسية العامة لعام ١٤۱۸م»‏ يوجد مختصر التقرير الذي كان 
لفوف قد قدمه عن مشاهداتهء والمعلومات التي حصل عليها خلال مهمته السالفة الذكر 
في بلاد الشام» وعد اقتراحاته المتعلقة بالطريقة التي يمكن فيها للقوات الروسية القيام 
بعمل عسكري لطرد القوات المصرية من بلاد الشام» من أهم ما تضمنه ملخص 
تقريره هذا. وفيما يلي نص هذه المقترحات: "من الممكن القيام بعمليات عسكرية ضد 
سورية من جهة الشمال عن طريق أنطاليةء أو من جهة الشرق عن طريق بغدادء أو 
من جهة الغرب عن طريق إنزال القوات العسكرية الروسية على الشواطى السورية". 
ولخص لفوف كيفية تنفيذ هذه الاحتمالات الثلاثة على الشكل التالي: 


أً- احتمال تنفيذ هجوم على القوات المصرية في بلاد الشام عن طريق أنطاليةء 
لقطع الطريق على هذه القوات لأن أنطالية تشكل المنطقة الهامة التي يمكن 
عن طريقها إمداد القوات المصرية بالمؤن والعتاد اللازم عن طريق البحر 
المتوسطء وفي حال نجاح القوات الروسية بالتعاون مع القوات العثمانية في 
السيطرة على أنطاليةء يمكن للقوات الروسية أن تؤمن طريق الإمدادات 
اللازمة لها بالاعتماد على الأسطول الروسي عن طريق البحر الأبيض 
ا ا ن ا ا و ا ا 


0 
٠٠١‏ مجلة دراسات تاريخية 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


لكثافة تواجد القوات المصرية في المنطقة وسيطرتها على مواقع عسكرية 
استراتيجيةء تمكنها من اعتماد خطة دفاعيةء يمكن أن تحول دون تحقيق نصر 
عسكري روسي عثماني على هذه القوات. 

الهجوم من جهة بغداد» وأعالي نهر الفرات» وذلك بالالتفاف على القوات 
المصرية المتواجدة بكثافة في شمال بلاد الشام» وخصوصاً في منطقة جبال 
طوروس وممراتها. ويمكن الاعتماد من خلال تنفيذ خطة الهجوم عن طريق 
بغداد على القوات المحلية والبدو وذلك بمهاجمة الجيش المصري من الشرق› 
لكن الوضع يتغير وينعكس سلبا على القوات العثمانية التي ستشارك روسية 
في هجومهاء في حال وقوف البدو إلى جانب محمد علي باشا. يضاف إلى 
ذلك إنه لا يوجد هناك أية طريقة لإمداد هذه الققوات بالمؤن اللازمة إلا 
بالاعتماد على السكان المحليينء لذلك فإن الهجوم عن طريق ولأية بغداد 
ممكن في حالة واحدة فقطء بحيث يكون هجوماً محدوداً تشارك فيه بعحض 
القوات العثمانية لتقديم المساعدة للقوات الروسية التي ستهاجم بلاد الشام عن 
طريق جهة أخرى» والتنسيق الكامل مع قيادة الهجوم الرئيسية والاتفاق معها 
على تنفيذ خطة هجومية واحدة. 


الهجوم من جهة البحر: ويتم بإنزال القوات البحرية الروسية الخاصة على 
شواطئ سورية وفلسطين» على أن يسبق الإنزال عمليات قصف تمهيدية 
واسعة النطاق لتدمير التحصينات العسكرية التي أقيمت على هذه الشواطى. 
لكن ومع ذلك» يجب اتخاذ كامل الاحتياطات العسكرية أثناء عملية إنزال 
القوات بسبب وجود تحصينات عسكرية أخرى منيعة في الجبال الغربيية 
القريبة من الشواطئ» حيث تشكل هذه الجبال موقعاً دفاعياً متميزاً ضد أية 
عملية تهدف إلى التوغل نحو الداخل. بالإضافة إلى ذلك كله» فإن الإنزال 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۷ ۔ 1۸ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


البحري يتطلب تأمين المؤن والإمدادات اللازمة للقوات بشكل مستمر عن 
طريق البحرء وتحقيق ذلك يتطلب إعداد وتجهيز أعداد كبيرة من سفن الشحن 
والنقل الروسية. 


كما تضمن تقرير لفوف هذا في الخاتمة تصوراته الخاصة عن إمكانية سيطرة 
القوات الروسية على سوريةء في ظل كافة الاحتمالات المتوقعة. وأهم ما ورد في هذه 
الخاتمة ما يلي: "من الممكن السيطرة على كامل سورية خلال سبعة أو ثمانية أشهر»ء 
في حال موافقة السكان المحليين وتعاونهم مع القوات الروسيةء وفي حال رفضهم 
ومقاومتهم ووقوفهم إلى جانب الجيش المصري» فإن الوضع سيتطلب وجود جيش 
روسي قوي وقادر على مواجهة الجيش المصري والسكان المحليين في آن واحد» 
وهدا يحتاج إلى فترة زمنية طويلةء وتكتيك حذر وسيكلف روسية خسائر ماديسة 
وبشرية هائلة. لذلك فإنه من الأفضل لنا التعاون مع بقية الدول العظمى الأخرى في 
هذه المسألة البالغة التعقيد"*". 


مع تطورات الأحداث في بلاد الشام بشكل سريع خلال عام ۱۸۳۸ وبداية عام 
۹ مء أرسلت هيئة الأركان الروسية مجموعات من بعثات الاستطلاع والتجسس 
إلى بلاد الشام» جمعت معلومات سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية»ء ومعلومات 
أخرى عن كامل الولايات السوريةء في حين تمكنت مجموعات استطلاع خاصة من 
الإطلاع على الحالة النفسية للسكان المحليين وموقفهم من حكم محمد على باشاء ومدى 
إمكانية وقوفهم إلى جانبه أو إلى جانب السلطان العثماني والدول العظمىء وأوضاع 
طرق المواصلات والقلاع والحصون. لكن أهم ما حصلت عليه القيادة العسكرية 
الروسية آنذاكء كان ما يتعلق بوضع القوات العسكرية المصرية في بلاد الشام» 
والطرق الملاحية وفاعلية وتأثير الجمعيات والمؤسسات الدينية في هذه البلاد. 


YY 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


د . الدبلوماسية الروسية أثناء حرب الشام الشانسة :۱۸١١١ ١۹۸۳۹‏ 


قبل البدء بدراسة الدبلوماسية الروسية في هذه الفترةء لا بد من الإشارة إلى أن 
المرحلة الممتدة بين عامي ۱۸۳۲٤‏ ۱۸۳۸م كانت قد شهدت نشاطات دبلوماسية بین 
القاهرة والقسطنطينيةء حاول خلالها محمد علي باشا تثبيت شروط معاهدة كوتاهية 
الهش مع الدولة العثمانية» خصوصا وأنه كان يفهم أكثر من غيره أن هذه المعلهدة لا 
تشكل أكثر من هدنةء يمكن أن تنتهي في أي وقت باستعادة ما أخذه بالقوة من أراض› 
كان السلطان العتماني يعدها ا فاا فن امت راطو ره أدى فشل المساعي 
الدبلوماسية بين محمد علي والسلطان العثماني إلى تغيير في التكتيك المصري في 
تعامله مع الأحداث. وبدأ محمد علي باشا ببناء التحصينات العسكرية القوية في أودية 
طوروس بإشراف مهندسين فرشسين» وتصب فيا ۲5١‏ مدقتا وكلفكه ملايسن 
القروش» كما أمر ابنه إبراهيم بتحصين الثغور البحرية على امتداد شواطى بلاد الشام 
خو ضا أغادة تخضين قلعة غك التهيرة اتتادا لحرت وشيكة الوقو غ مع الدولة 
العثمانيةء دعت إليها جملة من المتغيرات في المواقف الدوليةء لم تكن في محصلتها 
في صالح محمد علي باش" . 


ثورة الأكراد في شرق الأناضول» وأجبر القبائل الجبلية على الخضوع للتجنيد 
الإلزامي» وانتهى من إعادة بناء جيش قوي وبنى أسطولا حربيا قويا بإشراف الكابتن 
اللازم لتسليح هذه الأسطول. وسارعت الدبلوماسية الروسية إلى الإععلان عن 
عزمها على مساعدة السلطان العتماني ضد محمد علي بالتعاون مع الدول العظمسى» 
بعد أن تبين لها من خلال التقارير التي قدمها جواسيسها في الشرق» عجزها عن القيام 
بمفردها بعمل عسكري ضد محمد علي في بلاد الشام» فاتفقت مع انكلترة على ذلك 


Y۸ 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


في حين قام الإنكليز بتسليح الجيش العثماني والأسطول البحري بأحدث الأسلحة 
استعدادا للمعركة القادمة. 

من جانبها قامت الدولة العثمانية بتنفيذ خطة عسكرية اعتمدت على تجنب الاشتباك 
مع القوات المصرية في شمال غرب بلاد الشام وأودية طوروس المحصنة بناء على 
نصيحة تقدمت بها الحكومة الروسيةء وقامت الخطة على أن تلتف القوات العثمانيية 
على الجيوش المصرية عن طريق ديار بكر والنزول باتجاه الفرات ومهاجمة مدينة 
حلب. ونزلت القوات العثمانية بقيادة حافظ باشا على الضفة اليسرى لنهر الفرات 
وتحصنت في بيرجك» ثم عبرت النهر وتحصنت في نزيب. 

وفهم محمد علي باشا من خلال البيانات الحازمة التي بدأت تصدر عن الدول 
العظمى. أنه لم يعد اسص عته التحكم بأمور الشرق بالشكل الذي يريد كما كان عليه 
الوضع عام ۱۸۳۲ ۸۳۳م. فاصدر اوامره إلى ابنه إبراهيد بالاكتقفاء بمهاحمة 
القوات العثمانيةء والسيطرة على المناطق المتاخمة لحدود بلاد الشام حو م تحوء 
روسية إلى تطبيق معاهدة هنكارأسكله سي»ء وظهور الأسطول الروسي مرّة ثانية في 
منطقة المضائق . وفي نزيب تمكنت القوات المصرية من تحطيم الجيش العثمانيء 
واندفعت البقية الباقية منه نحو ملاطية وأنقرة» في حين اندفع إبراهيم باشانحو 
مرعش عملا بنصيحة فرنسة التي طلبت منه أن لا يعبر جبال طوروس. من ناحية 
أخرى» تمكن لالاند قائد الأسطول الفرنسي الذي كان يجوب البحر المتوسط عند 
تييفوس» من إقناع قبودان باشا قائد الأسطول العثماني وهو في طريقه إلى بلاد الشام 
بالإبحار إلى الإسكندرية وتسليم الأسطول لمحمد علي باشا. 

ونحوفت الدول العظمى وخصوصا روسية القيصرية من الانتصار الساحق الذي 
حففه محمد علي باشا على الدولة العتمابية. وفهمت أن مضائق البوسفور والدردنيسل 
أصبحت مهددة مرة أخرى ويمك أن تقع في القبضة الحديدية للشيخ الهرم. والذي 


الدبلوماسية الروسية في مصر ويلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


سيضع بذلك نهاية للتدخل العسكري الروسي. ونشطت الدبلوماسية الروسية في 
أوروبة بشكل كبير للحيلولة دون قيام دولة قوية على حدودها الجنوبيةء يمكن أن 
تشكل مصدر خطر حقيقي على أطماعها التوسعية نحو الجنوب والبلقانء وتعيد فقشح 
صفحات جديدة من تاريخ الصراع المرير الذي عاشته روسية مع الدولة العثمانيةء 
عندما كانت الأخيرة في أوج عظمتها وقوتها. 

من جهة ثانيةء بدأت الدول الأوروبية العظمى الأخرى تتخوف بشكل حقيقي من 
إمكانية انتهاج روسية سياسة مشابهة للسياسة التي اتبعتها عام ۱۸۳۳م» وتعمد إلى 
إنزال القوات العسكرية في منطقة المضائق»ء مطبقة نصوص معاهدة هنكارأسكله سي. 
فسارعت تلك الدول إلى تبادل التأكيدات فيما بينها بالحفاظ على الدولة العتمانيةء حتى 
لو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية ضد محمد علي باشا في بلاد الشام. وكانت هذه 
أيضا إشارة واضحة إلى وقوف هذه الدول في وجه روسية القيصرية»ء إذا فكرت في 
استخدام القوة العسكريةء والنزول ثانية في منطقة المضائق» وضد محمد علي إذا فكر 
بمتابعة هجومه نحو القسطنطينيةء وبإيحاء من ميترنيخ النمسة؛ للحيلولة دون وقوع 
تدخل أحادي الجانب من قبل روسيةء ولإجبار فرنسة على التنسيق مع بقية الدول 
الأوروبية الأخرىء أرسلت خمس دول أوروبية (انكلترة» روسية»ء بروسيةء النمسة» 
فرنسة) مذكرة إلى الباب العالي في ۲۷ تموز عام ۱۸۳۹م» تطلب فيها من السلطان 
العثماني أن لا يتخذ أية تدابير حاسمة أو يجري مفاوضات مع محمد علي باشا دون 
العودة إلى هذه الدول"". 


في هذه الأثناءء كان الأسطولان الفرنسي والإنكليزي يقفان أمام شواطئ الدردنيلء 
ويلحان على ضرورة الدخول إلى القسطنطبنية وذلك للحيلولة دون إنزال قوات 
الأسطول الروسي فبها. وبالفعل فإن تواجد هذين الأسطولين دفع روسية إلى المدول 
عن التفكير بالتدخل وتطبيق معاهدة هنكارأسكله سي» وبعد أن فهمت الحكومة 
الروسية أن تدخلها العسكري سيجرها إلى مواجهة عسكرية مع الدول الأوروبية 


YT. 


الأخرى. خصوصا وأنها كانت قد فهمت جيداً بان الظروف الدولية تختلف إلى حد 
کبیر عن مٹیلاتها عام ۱۸۳۲ ۱۸۳۳م. 

لكن إبراهيم باشا أيضا كان قد توقف هذه المرة على بعد أيام من القسطنطينية. 
وبالتالي قطع الطريق على الدول الأوروبية العظمى من جهة. وروسية القبصرية من 
جهة أخرىء» في إيجاد المبررات اللازمة للتدخل العسكري المباشر في الق طنطينية 
نفسهاء ووضع الدول الأوروبية في موقف محر > للغاية. فسارعت الدبلوماسية 
الإنكليزية بزعامة بالمرستون وزير الخارجية آنذاك» إلى وضع مشروع لحل سلمي 
للمسألة السوريةء طرح على الدول الأوروبية الأخرىء وهذا المشروع يقوم على 
إعطاء محمد علي باشا حق الحكم الوراثي في مصرء بالإضافة إلى جنوب سورية 
(فلسطين) مدى الحياة. غير غير أن محمد علي رفض المشروع الإنكليزي بدعم وتحريض 
فرنسةء فدعت انكلترة الدول الأوروبية العظمى لعقد مؤتمر للبحث في طرانق حل 
المسألة السوريةء بالشكل الذي يخدم مصالحها وتطلعاتها الاستعمارية. 


في ربيع عام ١٠٤۸١م»‏ بدأت المحادثات بين مبعوثي روسية وانكلترة وبروسية 
والنمسة وفرنسة في لندنء في وقت بدأت فيه عملية تحريض واسعة النطاق للسكان 
المحلبين في بلاد الشام للثورة ضد حكم محمد علي باشاء وجرت عملية توزيع السلاح 
على السكان المحليين خصوصا في سواحل لبنانء وانتشرت شائعات تفيد بأن ؛ وة 
القيصرية أرسلت فيلقا عسكريا مولفاً من ٠‏ ألف جندي يعبر أر ض روم لطسرد 
القوات المصرية من بلاد الشام. وفي ١٠حزيران‏ عام ٠٤١‏ م٠‏ وقعت روسية والنمسة 
وبروسية وانكلترة والدولة العثمانية على معاهدة لندن الشهيرةء التي نصت على أن 
تقوم أساطيلها العسكرية باحتلال منطقة المضائق والنزول في الق طنطينية بحجة 
تخوفها من مهاجمة قوات إيراهيم باشا لهاء في وقت كان فيه فيلق من الجيش 
جاه ااج ا فة وفوا ر ی ا جيش ابراهيم باشا في بلاد الشار" 


Y1 


الدبلوماسية الروسية قي مصر ويلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


وكان هم انكلترة الأعظم» تجنب مشاركة روسية العسكرية في المنطقةء فتولت 
بنفسها مسؤولية قيادة عملية عسكرية أنزلت خلالها القوات البحرية الإنكليزية 
والنمساوية بالإضافة إلى قوات الدولة العثمانية على شواطىئ بلاد الشام في بيروت 
وصور وصيدا. عندها فضل محمد علي عدم مواجهة الدول العظمى التي اتفقت حول 
مسألة القضاء على دولته» وأصدر الأوامر إلى ابنه إبراهيم بتجميع قواته في دمشق› 
والانسحاب إلى مصر'. 

بعد القضاء على آمال محمد علي باشا في بلاد الشام» أصبحت المهمة الأساسسية 
للدبلوماسية الإنكليزية في الشرق تحجيم النفوذ الروسي في الدولة العثمانية. فدعت 
انكلترة الدول العظمى إلى عقد اجتماع لها في لندنء وعقد اتفاقية حول المضائق 
شاركت فيه انكلترة وروسية القيصرية والدولة العثمانية ومحمد علي باشاء وجاء 
مضمون الاتفاق موجها ضد روسية القيصريةء حيث حرم على القوات الأجنبية عبور 
منطقة المضائق خلال أوقات السلم» وحصر مسألة السماح لهذه القوات بالعبور خلال 
أوقات الحرب بالسلطان العتماني . وبذلك فقدت روسية إمكانية حل مشكلة الأمن 
على حدودها الجنوبية بمفردهاء وخسرت كافة الإمتيازات التي كانت قد حصلت عليها 
بموجب اتفاقية هنكار أسكله سي» في وقت ازداد فيه النفوذ الإنكليزي في الدولة 
العثمانيةء وفي بلاد الشام إلى حد كبير. 

كان القيصر الروسي نيقو لاي الأول قد وضع في حساباته أثناء موافقته على اتفاقية 
المضائق في لندنء أن انكلترة ستوافق مقابل ذلك على عقد اتفاقية ثنائية مع روسسسية 
وانكلترة حصرا. غير أن الحكومة الإنكليزية ناقشت مضمون أفكار القيصر 
ومقترحاته في لقاءات غير رسمية عديدة مع الجائب الروسيء ورفضت أخيرا هذه 
الاقتراحات» خوفا من ازدياد النفود الروسي في بلاد الشامء واحتلال عاصمة الدولة 
العثمانية. 


FY 


محجلة دراسات تاأريخيه ۔ العدداں ٦۷‏ ۔ ۸٦۔‏ کابوں الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ محمد حبیب صالح 


مجلة دراسات اريخيه - عاد ا ا و ا ل س 


الدبلوماسسية الروسسية ني يلاد الشام خلال السرب الأهليسة اللبنانيسة 
:JAEOn 1461)‏ 


انعكست دبلوماسية سانت بطرس بورغ الفاشلة على دبلوماسيتها في بلاد الشام 
خلال المرحلة اللاحقةء واقتصر النشاط الدبلوماسي الروسي في المنطقة فقط على 
جمع المعلومات الاقتصاديةء والسياسية الهامةء التي جمعت بشكل بطيء عن المنطقة 
خلال فترة الهدوء التي سادتها. لكن المنطقة عرفت مجموعة من الدبلوماسيين الروس 
الناشطين كان أهمهم وأفضلهم القنصل الروسي العام في بيروت وفلسطين قسطنطير 
مان ا 

بدا بازيلي نشاطه الدبلوماسي في بلاد الشام عندما عيّن في عام ۱۸۳۸م قنصلا 
لروسية في يافاء وذلك بعد أن أعادت روسية فتح قنصلياتها في بلاد الشامء قبيل حرب 
الشام الثانية. وطلب من بازيلي التعرف على القنصل الروسي العام فى الاسكد . 
الغراف ميدم والعمل بأمرته. وخلال فترة؛ حبره. د فى باسكدره الوص الى حي 
يقصي بفنح قصليه رو سيه جديدة هي بلاد الشأمء ونفرر نقل مقرها من يافا إلى 
یروت الى كانت تعد فى ذلك الکن امرك التجاري راشاي الشاي وش كرا 
لتواجد القنصليات الأوروبية“". 


في العشرين من تشرين الثاني عام ۱۸۳۹م» وصلي بازيلي إلى بيروت وتسلم 
مهامه كقنصل عام في بیروت وفلسطين» وفي عام ١٤۱۸م‏ قأمت وزارة الحارجيه 
الروسية بتحويل قنصلية بيروت إلى قنصلية مركزية في بلاد الشاء. واصبح بازيلي 
القنصل العام فيها. 

نتج عن عملية انتقال القصليه الروسية إلى بيروت وجعلها قنصلية مركزية افتتاح 
عهد جديد في السياسة الروسية في بلاد الشام» كانت المهمة الأساسية فيه السعي 
لإعادة تنشيط الدبلوماسية الروسيةء بعد الضربة التي وجهت لها من قبل انكلترة» كما 


Y۲ 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


رأينا خلال عام ١1‏ م» وكلفت وزارة الخارجية الروسية. القنصل العام بازيلي 
بإنشاء مراكز للحجاج الروس إلى بيت المقدس» وأوكلت إليه مهمة حمايية هؤلاء 
الحجاج بعد وصولهم إلى شواطئ مدينة يافاء وأمرته بإعداد الأمكنة اللازمة لاستقبالهم 
في إحدى الأماكن التابعة للكنيسة الروسيةء وعلى اعتبار أن مسألة الإشراف على 
الأماكن المقدسة الخاصة بالكنيسة الأر ثوذكسية الشرقيةء والاهتمام بها كانت نقع على 
عاتق روسية القيصريةء فقد تلقى بازيلي أمراً بالإشراف على هذه الأماكن واتباع ما 


يلي: 


-١‏ إعلام سفارة روسية في القسطنطينية فورأً عن كافة التجاوزات والخروق التي 


يمكن أن تحصل أو تقع ضد الروم الأرثوذكس» والأماكن المقدسة التابعة لهم 
في بيت المقدس بشكل خاص» وفي بلاد الشام بشكل عام. 


۲“ إعلام السفارة الروسية في القسطنطينيةء وكذلك القنصل الروسي في 


الإسكندريةء بأو امر السلطان العثماني التي تتناول السكان المسيحيين الروم 
الأرثوذكس ورجال الدين الأرثوذكس. 


۴- إخبار الحكومة القيصرية فور عن كافة الخلافات والمشاكل التي يمكن أن 


-٤‏ دعم وتأیید كافة المطالب العادلة والقانونية للسكان الأرتوذكس لدى الحكومة 


في بلاد الشام. وبذلك تكون حكومة روسية القيصرية قد أخذت على عاتقها 
مسألة حماية الطائفة الأرثوذكسية في بلاد الشام» وجعلت من هذه المسألة 
السبب المباشر لتدخلها في بلاد الشام» بعد أن عجزت عن تنفيذ سياساتهاء كما 
رأينا بسبب معارضة انكلترة والدول الغربية الأخرى لها في حرب الشام 
الثانية. وقد جاءت هذه السياسة من قبل سانت بطرس بورغ» كرد على زيادة 
نفوذ الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية في بلاد الشام» من خلال البعغات 


Af 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


التبشيرية الفرنسية والإنكليزية والأمريكية فيها. بعد عام ١٤۱۸م»‏ حاولت 
القنصليات الروسية في بلاد الشام إثر عودة السيطرة العثمانية عليهاء استغلال 
بعض الخلافات التي وقعت بين المسيحيين والمسلمين بتحريض من الدول 
الأوروبيةء ولجوء جماعات من المسيحيين للاحتماء بالعلم الروسي من أجل 
تعميق سياساتها من جديد في المنطقةء وبررت روسية تدخلها السياسي إلى 
جانب المسيحيين» بأن السلطنة العثمانية كانت السباقة إلى طلب المساعدة من 
القنصليات الأوروبية الأخرى» وبالتالي فمن حقها حماية الطائفة الأرثوذكسية 
داخل الإمبراطورية العثمانية. 


وتحولت سواحل بلاد الشام بشكل عام؛ ولبنان بشكل خاص» إلى ساحة تتنافس فيها 
وتتصارع التيارات المسيحية المختلفة. رجال الكهنوت الخائف من نوايا التبشير 
البروتستانية الإنكليزية» والبروتستانية التي أخذت تبحث لنفسها عن مكان وسط إحدى 
الطوائف التي يمكن أن تتقبل آفكارها. 


في هذه المرحلة» أخذ الموارنة يعيدون إلى أنفسهم الفضل في طرد قوات إبراهيم 
باشا من بلاد الشام» وراحوا يتزينون بالسلاح الموزع عليهم من قبل الحلفاءء في وقت 
لطخت فيه المفارز العسكرية العثمانية المنطقة بكل أنواع المساوئ والممارسات 
القبيحة على عادتها المألوفة. وبدأت دسائس المبشرينء الذين كانوا قد حلوا في بيروت 
وأخذوا يبثون بذور الفرقة والخلاف بين الكنائس المسيحية على أرض لبنانء ومناطق 
بلاد الشام الأخرىء واجتذاب الناشئة إلى مدارسهم. لكن الوضع اتخذ منحى آخر بعد 
خرو ج القوات الإنكليزية من الشواطئ السورية بعد عام ١٤۸٠ء‏ وبقاء سرية إنزال 
في بيروت» خرج منها ثلاثون ضابطاً في كل الاتجاهات لإعداد دراسة وافية عن بلاد 
الشام وتقديمها إلى حكومتهم في لندنء وراحوا يبذلون كل جهد للقضاء على النفوذ 
ارسي االقاتم جلى :لاضن الموارنة الححيب ل في وفك تانع فة ما رة 
لعب دورهم» وممارسة ألاعيبهم» في تأجيج التعصب الديني لدى الكائوليك. فأمر 


Yo 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


أطريرك الماروني بحرق المبشرين البروتستانتيين والكتب الصادرة عنههم باللغفة 


العربيه ي هه ت( 


ساعدت المجاعه الي سها لبنان عام ١٤۱۸م‏ الفرنسيين على تكريس نفوذهمم 
لدى المسيحيين الموارنةء الأصدقاء تيبب لفرنسةء من خلال توزيع الغذاء المجاني 
الذي قدمته فرنسة لهم وزادت من حقد الموارنه عنى الولة العثمانيةء والإنكليز علسى 
حد سواء. في حين أخذ الدروز في هذه المرحلة يسعون من خلال تأييدهم للدولة 
العثمانيةء إلى إعادة السيطرة على المسيحيينء من خلال النظام الإقطاعيء وفرصر 
الضرائب عليهم» مستغلين وجود كميات كبيرة من السلاح في أيديهم» كانت الدول 
المتحالفة قد وزعتها عليهم لمقاومة جيش إبراهيم باشا أثناء حرب الشام الثانية 
وأخذوا ببحثون عن سند خارجي يعتمدون عليه في الوصول إلى تحقيق هدفهم 


هذا(“ . 


في هذه الأثناء كانت انكلترة قد انتهت من إنشاء مركز ديني بروتستانتي في بيت 
المقدسء فأخذ الدروز يكشفون عن ميل نحو المبشرين البروتستانتيين» وأعربوا عن 
استعدادهم لمساعدة المبشرين البروتستانتيين في الجبال اللبنانيةء الأمر الذي أذى إلى 
حدوث بعض الاحتكاكات بين الموارنة والدروز. لكن الوجه الحقيقي للمسألةء كان 
يعود بالدرجة الأولى إلى التنافس الاستعماري الإنكليزي الفرنسي على لبنان وبلاد 
الشام بأكملها. 

مع ازدياد التنافس الفرنسي الإنكليزي» بدأت الأشتباكات المسنحه بي نره 
والموارنة في بلدة دير القمرء وتحرك موارنة الشمال نحو بلدة الشويفات التي يمضه 
الدروزء بالإضافة إلى الأرثوذكس الذين قرروا عدم الاشتراك في الحرب بأي شكل 
من الأشكال» فأقسم الموارنة في فورة تعصبهم الديني الأعمىء على إباحة كنيسه سيده 
الشويفات» مجبرين بذلك الأرثوذكس إلى الدخول في هذه الحرب الهوجاء. 


r>“ 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹٩۹‏ فة خبيب طالخ 
مجااة دراسات ارتيه - عاد ا ا و ي ل ت 


أخذت الحرب الطائفية في جبل لبنان اتجاهاً أكثر تفاقما وخطورةء عندما كان القائد 
الدرزي شبلي العريان المعروف باسم سيف الدين يتجه نحو زحلةء بعد أن انضمست 
إليه مجموعات من المقاتلين في منطقة وادي التيم» راسما طريقه في وادي البقاع» 
بجثث المسيحيين المقطعة الرؤوس. فسارع القنصل الروسي العام في بيروت بازيلي 
إلى إرسال تقرير إلى وزارة الخارجية الروسية في سانت بطرس بورغ» يخبرها فيه 
بالأسباب الحقيقية لهذه الحرب والجهات الخارجية التي تقف وراءها ثم قام بوضع 
خطة سياسية لإنهاء هذا الخلاف ومصالحة الطائفتين» وقد تضمن تقريره الأسباب 
التالية: 


-١‏ تآمر السلطات العثمانية التي عادت تتحكم من جديد في بلاد الشام» وتسترها 
على الكنيسة المارونية» ورضاها التام على اقتتال القوى المعارضة لها في 
بلاد الشام طالما أن ذلك سيؤدي في النهاية إلى إضعاف هذه القوى وزيادة 
الهيمنة العثمانية على المنطقة. 


۲- الشائعات المغرضة التي بثها المبشرون الفرنسيون وسط الطائفة المارونية 
والكهنة. ومحاولات فرنسة الاعتماد على الموارنة في الحفاظ على نفوذهم في 
۳- تأييد فرنسة والنمسة الكبير للموارنةء وتقديم كافة أشكال الدعم اللازمة 


-٤‏ تأييد انكلترة وبعض الجهات الأخرىء للدروز وتقديم المساعدات العسكرية 
والاقتصاديةء ودعم موقفهم لدى الدولة العثمانية"“. 


بعد وصول هذا التقرير إلى سانت بطرس بورغ» كلفت وزارة الخارجية الروسية 
بازيلي بالتدخل والعمل على وقف هذه الحرب. وقد وصلته هذه الأوامر بینما کان 
يتفاوض في دمشق مع السلطات العثمانية من أجل حماية المسيحيينء في حال امتداد 


الدبلوماسية الروسية قي مصر ورلاد الشام حلال النصف الأول من الفرن التاسع عشر 


هذه الحرب إليها. فتوجه وبرفقته مفرزة من الخيالة إلى زحلة» وظهر بشكل مفاجئ 
في معسكر شبلي العريان وأجبره على عقد اتفاق مصالحةء والتراجع عن مدينة زحلة 
وأصرَ على ضرورة تعيين زعيم مسلم على لبنانء على أن يكون من غير اللبنانيين. 
وفي سبيل ضمان سلامة سكان زحلة من المسيحيين الأرثوذكس وبمسعى من بازيلي 
نفسه» جهز الأمير خنجر حرفوش من بعلبك»ء فصيلة من المتطوعين للدفاع عن زحنة 
في حال الهجوم عليها مرة ثائية“). 

بعد ذلك توجه بازيلي إلى بيروت» واجتمع مع قناصل فرنسة والنمسة وبروسية 
وأنكلترة في ١‏ رين الأزل للحت عن حل للارمة اللاك وبقت يفا إلى الاق 
العثماني في دمشق سليم باشا طانبا منه التحرك على رأس مفرزتين من قواته إلى 
الجبال اللبنانية. إلا أنه رفض ولم تدخل القوات العثمانية هذه الجبالء إلا بعد أن تمكن 
الدروز من السيطرة على المناطق الجنوبية من لبنأن. عندها دخلت القو ات العثمانيية 
بلدة دير القمر واستقبلها المسيحيون كمنقذة لهم» وعينت السلطات العتمانيسة حكم 
مارونیا على الموارنة هو حيدر أبي اللمعء والأمير أحمد أرسلان حاكماً على الدروز 
في الجبل» بعد وصول المساعدات الاقتصادية الجديدة إلى الموارنة من النمسةء التي 
وظفها الكهنوت الماروني لشراء السلاح» وتولت اللجنة السرية في دير القمر تغطية 
هذا الأمر. عادت الحرب الأهلية من جديد إلى الجبال اللبنانية عام ١٤۸٠م‏ فتدخلت 
الدول الأوروبية وتمكنت من إنهائها بالاتفاق مع الدولة العثمانية بعيدأا عن روسي-. 
والدبلو ماسية الروسية في هذه المرحلة. 

خلال هذه المرحلةء أقام بازيلي علاقات طيبة مع زعيم الكنيسة الأرثوذكسية فى 
بيت المقدر . حيث قاما بجمع كافة المخطوطات العربية المتعلقة بالعقيدة الأرثوذكسية. 
في نسر - فت الذي كان فيه بازيلي يتابع مهمته الدبلوماسية» جمع معلومات هامة 
جدا عر لاد والأوضاع الاقتصادية فيها من تجارة وزراعة وصناعةء بالإضافة إلى 
طبيعة الع دت الدينية فيها وحالة القوات العثمانية فيها. وكانت وزارة الخارجية 


Y۸ 


محله دراسات تاریجیه ۔ العددات 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹ محمد حبیب صالح 


الروسية تقسلم منه بشكل منتظم تقارير حول الأوضاع السياسية والاقتصادية وأشياء 
أخرى» وفيما يلي أهم التقارير التي بعتها بازيلي: 

م٠۸١١ تقرير خاص ومختصر عن التجارة الخارجية في بلاد الشام عام‎ -١ 

- إحصاءات تتعلق بالطوائف الدينية في بلاد الشام واتجاهاتها عام ١٤۸٠م‏ 

م٠۸٤١ أفضل التجارب الدينية والروحية في بلاد الشام‎ -٣۳ 


.)“0ر۱۸٤۸ العلاقات التاريخية والسياسية لبلاد الشام تحت الحكم العثماني‎ “٤ 


۷ء البعثة الروحية الروسسية إلى بيست المقسدس ومشكلة مفاتيح بيت لحم المجلسس 

الفلسطيني . لجنة الخارجية الروسية. 

بعد حرب الشام التائيةء والفشل الكبير الذي منيت به a‏ ونجاح 
الدول العظمى وخصوصا انكلترة» في إبعاد روسية القيصرية عن المشاركة الفعالة في 
حل المشاكل السياسية العالقة في الشرق» قررت الحكومة القيصرية تغيير أسلوبها في 
التعامل مع قضايا المنطقةء واعتماد الطريقة التي سلكتها الدول الأوروبية الأخضرىء 
وذلك بالاعتماد من جانبها على البعثات التبشيرية الأرثوذكسيةء وتفعيل دور الكنسية 
الروسية في الأرض المقدسة. 

في عام ۳٤۱۸م‏ أرسلت الكنيسة الروسية المقدسة المطران بارفيري أوسبينسكي 
بشكل سرّي إلى بيت المقدس» تحت ستار أداء فريضة الحج» وكلفته بمهمة سرية 
تتعلق بعمل الكنيسة الأرثوذكسية في بيت المقدس» وبعد وصول بارفيري إلى بيت 
المقدس» عادت الكنيسة الروسية وكلفته بمهمة التوجه إلى دمشق والالتقاء مع بطريرك 
إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس» حيث طلب إليه البطريرك إبلاغ مجلس 
السينود المقدس في سانت بطرس بورغء بضرورة إنشاء المدارس الأرثوذكسية في 
دمشق وبيروت واللاذقية وحمص وإنطاكية وأضنةء على أن يتعهد المسيحيون 


۳4 


الدبلوماسيه الروسيه فى مصر وبلاد السام خلال اليصف الاول من الفرں التاسع عشر 


الأرثوذكس المحليون مسألة إقامة الأبنية اللازمة لذلك» بتمويل من حكومة روسية 
القيصرية. وافقت الحكومة الروسية على اقتراح البطريرك بعدما نقله بارفيري إليهاء 
وسمحت لمندوب بطريركية إنطاكية وسائر المشرق بالتوجه إلى روسية القيصريةء 
زع التبرعات لصالح البطريركية التي اتخذت من دمشق مقرا لها““. 

كانت أولى المشاريع التي نتجت عن التعاون الروسي مع بطريركية إنطاكية 
وسائر المشرق» افتتاح مدرسة للذكور في عام ١٤۸٠م‏ في دمشقء درست فيها اللغات 
ل و هة واا وا اة و ارو وع اللامرة الاي 
الأرثوذكسي» وتمت تغطية نفقاتها من قبل الحكومة الروسيةء والتبرعات التي جمعت 
في روسية. ثم افتتحت مدارس أخرى في وقت لاحق في العديد من مدن بلاد الشام» 
وأصبحت تطبع الأدبيات الأرتوذكسية". 

نى مطلع عام ١٤۱۸م‏ وبعد ثلاثة أعوام قضاها متجولا في بلاد الشام» أرسل 
برفيري تقريراً إلى البطريركية الأرثوذكسية الروسيةء وطلب فيه إرسال بعثة روحية 
روسية دائمة إلى بيت المقدس» تتولى مسألة خدمة المصالح الروسية في بلاد الشام؛ 
والدفاع عن حقوق الحجاج السروس. والإشراف على كافة الكنائس والمعابد 
الأروذكسية في الأرض المقدسة (فلسطين)"“). 

بناء على تقرير بارفيري هذاء أمرت البطريركية الأرثوذكسية الروسية بتشكيل 
البعثة الروحية الروسية إلى بيت المقدس» ووصل أعضاؤها إلى القدس في ١١‏ شباط 
عام ١٤۱۸م»‏ وتكونت من المطران بارفيري نفسه رئيسا وعضوية الراههب 
غوفاروف» والتلمیذين كريلوفت وصیلافيوف. 

بدأت الىعثة الرو حبه الروسية ممارسة نشاطاتها المختلفة في أنحاء بلاد الشام» وقام 
المطراى بارهيري في عام ۸٤۱۸م‏ بنقل اقتراح تقدم به الرحالان الروسيان نورف 
رارف أثناء زيارتهما للأرض المقدسة يقضي بإنشاء مجلس عموم روسية غير 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان ٦۷‏ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۱۹۹٩۹‏ محمد حبیب صالح 


الحكومي لدعم الأرثوذكس والأرثوذكسية في بلاد الشام إلى البطريركية الروسية في 
سانت بطرس بور غ. غير أن وزارة الخارجية الروسية في الأرض المقدسة تخوفت 
من أن يحدث مثل هذا الاقتراح نوع من الخلط والتناقض في الدبلوماسية الروسية في 
الأرض المقدسةء وبالتالي فقد نصح القيصر نيقولاي الأول البطريركيةء ووزارة 
الخارجية بضرورة اعادة دراسة هذه الفكرةء والتأكد من مدى أهميتها وجديتها بشكل 
أكبر قبل الموافقة عليها أو رفضها. وانتهى الأمر أخيرا بتأجيل الفكرة إلى وقت 
(5A) ۷‏ 

حق .. 


في عامي ۱۸١۲‏ ۳١۱۸م‏ أقيمت في دمشق» ثم في بيت المقدس دارين للطباعة 
لإصدار الكتب الدينية الأرتوذكسيةء باللغتين العربية واليونانيةء في حين قام المطران 
بارفيري بإجراء جملة من البحوث الدينية في كنئيسته القريبة ياكاترينا (أو ‏ كانرينا) 
في سيناء» وبدأً عمله بدراسة نصوص الإنجيل المكتوبة باللغة اليونانية في القرن 
الرابعء (نقلت هذه النصوص عام ١٠۸٠م‏ إلى سانت بطرس بورغ لمتابععمة عملية 
دراستهاء وفي عام ۳١۱۹م‏ بيعت من قبل الحكومة الشيوعية للحكومة البريطانية بمبلغ 
قدره ٠٠١‏ ألف جنيه استرليني وما تزال موجودة حتى الآن في المتحف البريطاني)ء 
كما استمرَ بارفيري في متابعة مهمة رئاسة البعثة» والعناية بالحجاج الروس 
والأرثوذكس» وتأمين السكن والحمايةء وكافة الخدمات القنصلية لهد“ . 

في عام ١١۸٠م»‏ أعلمت البعثة الروحية الروسية في بيت المقدس الحكومة 
الروسيةء بأن السلطات العثمانية أعطت مفتاح الكنيسة المقدسة في بيت لحم للكئيسة 
E O O‏ و رق ق 
الأرتوذكس عليهاء وبمتلكوا مفاتيحها. عندها طلبت الحكومة الروسية من الدولة 
العثمانية بشكل رسمي إعادة الحق الأرثوذكسي في امتلاك مفاتيح الكئيسة المذكورة. 
غير أن السلطان العثماني رفض الطلب الروسي» فأرسلت الحكومة الروسية بدورها 
الكنياس مينشيكوف بمهمة رسمية إلى القسطنطينية في محاولة منها لحل هذه المشكلة 


۱٦۵‏ مجلة دراسات تاريخية 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


بالطرق الدبلوماسيةء لكن مينشيكوف فشل في إقناع السلطان العثماني في إعادة امتلاك 
مفاتيح الكنيسة المقدسة. وبناء على ذلك قطعت الحكومة الروسية علاقاتها مع الدولة 
العثمانيةء وتحولت مشكلة ملكية المفاتيح من مجرد مشكلة دينية إلى قضية سياسية 
کبری» وأوعزت الحكومة الروسية إلى القنصل العام في بلاد الشام قسطنطين 
ميخائيلوفتش بازيلي» الذي كان يتخذ من بيروت مقرا له بإنزال العلم الروسي عن 
القنصليةء والتوجه إلى إيطاليةء ومنها إلى روسية. كما تم استدعاء المطران بارفيري 
اوسبينسكي إلى روسيةء وبذلك قطعت روسية في هذه المرحلة علاقاتها مع الشرق 
وبدأت حرب القرم بينها وبين الدولة العثمائية التي استمرت طيلة ثلاث سنوات ٠۸٥۳‏ 
١١۱۸م»‏ وتوسعت خلالها بشكل لم يسبق له مثيل الدعاية الكاثوليكية» وانتشر 
مبشرو الكاثوليكية في كل مكان من بلاد الشام» وظهرت في فلسطين مجموعات 
(أخوات رحمة السيد المسيح مريم) و (أخوات النبي يوسف).....الخ('. 

بعد انتهاء حرب القرم عام ١١۸١م‏ عادت البعثة الروحية الروسية إلى بيت 
المقدس برئاسة المطران بارفيري أوسبينسكي» الذي تمكن خلال السنوات ما بعد عام 
م من متابعة مهمة أبحاثه ودراساته والإشراف على أمور الطائفة 
الأرثوذكسيةء وأرسل إلى روسية مجموعات كبيرة من الكتب والمخطوطات القيَمة 
المكتوبة باللغات العربية واليونانية والأثيوبية والجورجية والسلافية ولغفات أخرىء 
وضعت في أكاديمية العلوم الروسيةء والمكتبة القيصرية للعلوم الإنسانية في سانت 
بطرس بورغ. بالإضافة إلى ذلك؛ فقد تمكن بارفيري من جمع وإرسال مجموعة 
متميزة من الأيقونات القديمةء نقلت إلى مدينة كييف» انتقاها من الكنائس والأديرة 
المنتشرة في أنحاء مدن بلاد الشام. في عام ۷١۱۸م‏ ازداد عدد المبشرين الأرثوذكس 
من الروس ليصل إلى ۸٠١‏ مبشر. وبهدف تسهيل مهماتهم وتنقلاتهم في بلاد الشام 
قامت الحكومة الروسية بإنشاء خط اتصال بحري يصل بين مدينتي أوديسة على البحر 
الأسودء وحيفا في فلسطين. في حين قررت وزارة الخارجية الروسية رفع مستوى 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۷ ۔ 1۸ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹۹‏ محمد حبیب صالح 


التمثيل الدبلوماسي الروسي في فلسطين نظرا لعودة البعثة الروحية إليهاء وقامت 
بافتتاح القنصلية الروسية في بيت المقدس عام ۸١۸٠م.‏ كما تم تأسيس قسم جديد في 
وزارة الخارجية الروسية أصبح يعرف باسم قسم فلسطين»ء وكانت مهمته الأساسية 
البحث عن مصادر تمويل جديدة توظف لزيادة وتوسيع النفوذ السياسي والدينسي 
الروسي في بلاد الشام» وزيادة وتفعيل دور روسية في الأرض المقدسةء والتخفييف 
قدر المستطاع من انعكاسات حرب القرم على هذه المنطقة بشكل عاء('. 


خلال فترة زمنية وجيزة»ء بين نهاية حرب القرم» وعودة البعثة الروحية الروسية 
لم تتجاوز الثمانية أشهر تمكنت الكنائس والأديرة الروسية ورجال الأعمال الروس من 
جمع أكثر من مليون روبل من مختلف أنحاء روسيةء حولت إلى البعنة الروحية 
الروسية في بيت المقدس» عن طريق المجلس الجديد الذي أسس في سانت بطرس 
بورغ» وأصبح يعرف باسم المجلس الفلسطينيء وذلك من أجل شراء الأراضي 
اللازمة لإقامة الأبنية واستقبال البعثات التبشيرية الروسية وبعثات الحجاج إلى 
الأراضي المقدسة. لكن المجلس الفلسطيني واجه مشكلة معقدةء تتمثل في أن القوانين 
الخاصة في الدولة العثمانية لم تكن تسمح للروس بامتلاك الأراضي والعقارات داخل 
الولايات التابعة للدولة العثمانية» فتوجه رئیسه قسطنطین نیکو لايفتش في علم ۹١۸٠م‏ 
إلى الأراضي المقدسة واشترى بالأموال التي جمعت مساحة كبيرة من الأرض في 
بيت المقدس» تمتد من بوابة دمشق حتى ساحة الميدانء والتي تعمرف الآن بالساحة 
الروسية. وتمكن قسطنطين نيكو لايفتش من تسجيلها لصالح البعثة التبشيرية الروسية 
في فلسطين. وفي عام ١٠۸١م»‏ بدأت عملية بناء معبد القديسة الكساندراء ومعبد 
القديسين الثلاثة وبيت مكوّن من طابقين للبعثة التبشيرية الروسية»ء وبيوت أخرى 


للمبشرين الروس. 


خلال سنوات ۱۸٦۳‏ ۵٩۱۸م‏ تولی الأرخيماندريدليونيد (كافيلين) مهمة رئاسة 
N‏ الك د ية الروسيةء وأشرف على بناء كاتدر ائية مقابل بوابة يافا ومکان لإقاممة 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


الرهبان والمتعبدين» وبيوت للدبلوماسيين»ء وأربعة بيوت أخرى في حيفا والرملة ويافا 
والناصرة. وفي عام ٤‏ ١۸٠م‏ وبدعم من القيصر الروسي ألكسندر التانيء» تم إنشاء 
لجنة فلسطين في وزارة الخارجية الروسيةء عوضاً عن المجلسن الفلسطيني» وأوكلست 
إلى هذه اللجنة مهمة الاستمرار في عملية شراء الأراضي» وبناء الكنائس 
والمستشفيات ومنازل للفقراءء بالإضافة إلى مسألة الإشراف على دراسة تاريخ سورية 


,)( 4 


في الا اال وال لمران انر فنا الذي عن را 
جديداً للبعثة التبشيرية الروسية. وفي عهده بدأت تظهر بعض مظاهر الخلط بين البعثة 
التبشيرية الروسية من جهة والبعثة الدبلوماسية الروسية من جهة أخرى» حيث سعت 
الخارجية الروسية إلى تشكيل ضغط سياسي على البعثة التبشيرية فيما يتعلق برعايية 
الحجاج ومساعدة الأرثوذكس العرب واليونانيين. غير أن البعثة التبشيرية استمرت في 
ممارسة نشاطاتها في فلسطينء في وقت تعاظم فيه مرة أخرى اهتمام روسية السياسي 
في فلسطين وبلاد الشام» وقد ارتبطت عملية تزايد النفوذ الروسي هذا بتسليم نيقو لاي 
بافلوفتش أغناطيوف سفيرا لروسية القيصرية في القسطنطينيةء خلال سنوات ٠۸١٤‏ 
١۱۸۷م‏ والمتخصص بالسياسات الإنكليزية في الشرق. وكان أغناطيوف قد 
توصل إلى اعتقاد مفاده أن انكلترة هي العدو الرئيسي لروسية القيصرية في الشرق› 
وأنه يمكن لروسية حل مشاكلها في المنطقة والبلقان عن طريق ضرب الإنكليز في 
مشتعمر انهم الآسيوية*. 

خلال فترة عمله سفيرا لبلاده في القسطنطينيةء قام أغناطيوف بتشكيل شبكة 
تجسس كبيرة» وقدم له مسيحيو الشرق من أرمن ويونان وأرثوذكس معلومات قيّممة 
مقابل تقديم الحماية والأموال اللازمة لهم حتى أن بعض الموظفين من العثمانبين 
كانوا يقدمون له الوثائق السرية اللازمةء التي كان يكلف بالعمل على الحصول عليهاء 
نظرا لأهميتها الكبيرة. لكن نشاطاته كانت في بلاد الشام عموماء وفي فلسطين 


مجلة دراسات تاریخیة ۔ العددان 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹۹‏ مدخت اله 


خصوصاء من خلال تعاونه مع القنصل الروسي في بيت المقدس» أندري نيكو لا يفتش 
كارتسوف. وحققت الدبلوماسية الروسية بتعاونهما نجاحات كبيرة خلال تلك الفترة في 


بقي أن نشير إلى أن أندري نتكولايفتش كارتسوف كان قد عمل في قسم آسية 
التابع لوزارة الخارجية الروسيةء في الوقت الذي كان فيه أغناطيوف مديرأ لهذا القسم. 
وقد لعب كارتسوف دورا كبيرا في توجيه السياسات الروسية المتبعة في فلس طين 
خلال أعوام السبعينات» من القرن التاسع عشر خصوصا عندما تضاربت مصالع 
واهتمامات الروم الأرتوذكس مع مصالح اللاتينء وأدى ذلك إلى تعارض اهتماممهات 
الإمبراطورية الروسية مع فرنسةء وبفضل حنكة كارتسوف انتهت مسالة الخلاف 
حول السيادة على كنيسة مدفن السيد المسيح» بحيث وضع قسم من هذه الكنيسة تحت 
إشراف اليونانء في نفس الوقت الذي كان فيه للكاثوليك الحق في ممارسة عقائدهم 
الدينيةء وصلواتهم في هذه الكنيسة أثناء احتفالاتهم بأعيادهم الدينيةء وذلك بعد 
الحصول على موافقة من اليونان الأرثوذكس. وفي عام ١٠1۸م»‏ بدأت فرنسة 
وروسية بأعادة بناء كنيسة مدفن السبد المسيح» وتولى الإمبراطور الكساندر التانى 
ونابليون الثالث مسألة الإشراف على ذلك وتمكن كارتسوف من بذاء علاقات طيبة مع 
أكثر من طرف وكانت تربط علاقات جيدة مع بطريارك القدس كيريلء والقنصل 
المساعدات والدعم اللازم للمسيحيين العرب» وأشرف على الكنائس الروسية والبيوت 
والمنشآت التابعة لها في القدس والرملة وحيفا. 


€ 
e 
0 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد إلشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


الخوامش 


1- Hod*4 VUACTOPNA CITPAH 4 APYBEXKHOV A30 N „ حه‎ 
PAKM. UMA. AEHWHFPAACKMNM LWiaubEPc. 1991 a. 120-141. 


2- TAM xXE cc. f81. 


۳- أنظر تفاصيل حملة نابليون في أسرار حملة نابليون على مصر ‏ حسني أدهم 
العسلي بسام: نابليون بونابرت» المؤسسة العربية للدراسات والنشر» الطبععمة 
الأولى 4۸۰ 


4- JC. Hurewitz Diplomacy in the Near and Middle East. London 
1956. Vol. I. P. 65. 


5- Ibid. p6 — 67. 


6- Ibid. p.75 — 76 


2 H08A4 UCTOPMA LTPAH 3APYBÊXHON A3ul ۸ Ao onku. 
2. 156. 


8- J.C.Hurewitz. Op.Cit. P.7 — 73. 


.٠۹۱ دريو ادوارد: تاريخ اليونان السياسي» الجزء الأول» باریس ص‎ -٩ 
Q- Hones AcToua CTPAH BAPYBEXHON Aa vu AqpuKku. 
cC. 18 


10- TAM XE cC. 50. 


€ 
ta 
£ 


مجلة دراسات ناریخية ۔ العدداں ۷ ۔ ۸ کانوں التانی ۔ خریراں ۔ ۹۹۹٩۹‏ 


۱ محمد حس صالح 


۹ س 


الرافعي بك عبد الرحمن: عصر محمد علي الجزء الثالثء مطبعة النيضة 
۹ ص .۲۱١‏ 

شبلي أحمد: موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلاميةء مكتبة النهضة 
المصريةء الجزء الخاممس ص 2 e‏ 

.۲۲ ٤ص الرافعي بك عبد الرحمن: المرجع السابق»‎ ١ 

الغنام سليمان بن محمد: قراءة جديدة لسياسة محمد علي التوسعية ٠۸١١‏ _ 


١٠م‏ في الجزيرة العربية والسودان واليونان وسورياء الطبعة الرابعة 
۰ م/ ص ۷۲. 


14 HOBAA MCTUPAA CTPAH Ar KHON Êsuvı wı HP r KM. 
r. 160. 


° يانج جورج: صفحات من تاريخ مصر من عهد المماليك إلى نهاية عهد 
إسماعيل» ترجمة أحمد علي شكري القاهرة ۱۹۹۰/ ص .٠١١‏ 


ıo. K.MaokC. O IHrEnbC CDGUEEHVUE TS A: 


17- Hoan ACZDPu CTPAH 3APYBEXKHOV Adu wı PPK. 
Cc. | 


ی سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي من الناحيتين السياسية 
والتاريخية ترجمة د. ميسر جابر و د. منذر جابر» دار الحداثةء الطبعة الأولى 
۸م/ ص .۱٣۳ ۱١۲‏ 


.ا٠٦٠١‎ ١١٤ المصدر نفسه ص‎ -٩ 


۰ المصدر نفسه ص ٥‏ 


¥ 


الديلوماستة الروسنة فى مصر وتلاد السام خلال التصف الأول من القرب التاسع عسر 


الديلوماستة الروستة فى مصر واد الام جا ج اون ت 


21 HOBAA MCtoPua CIDA 34PYBEKHON Aun vw HePuxK u. 
C. 162 


22- JC Hurcwitz. Op.Cit. p.106. 


23- HOBAA WACTOPUA CTPAH 3APYBE XHOM A3uvu ۸ Hppuku. 
C. 


24- J.C.Hurcwitz. Op.Cit. p. 107 
25- Cueva. AuBAH wv MantcTuHA A ONMCAHMA X POCCMVC - 


KUX IYTE MWECTBEHHUKO®, KODOHCYAbCKUX 0 BOEHHBI X 
O6 30PAK NEPA AOAOBMHb! XIXa. M. HayKa. 1091. 
C. 162. 

26- J.C. Hurcwitz . Op.Cit. p. 105 — 106 

27- CnPuh. AuBAH vı lanceTuHa .... C. 460. 

28- TAM XE C. 174.175. 


29- TuBop A.A. o44 ucrTopua CTPAH 3APYBEXHOND BocTOKA 
M. 196. c. 444. 


30- HOBAA UCTOPUA CTPAH SAPYBEXHOU O34 wu Apouku .c (B4 


31- TAM XE C. {85 


~~ حسین أحمد: موسوعة تاریخ مصر › الجزء الثالكث»› دار الشعب»› ص 1۹ . 
J.C. Hurewitz. Op.Cit. p. 112 - 113.‏ -33 
J.C. Hurewitz. Op.Cit. p. 113.‏ -34 


.۲۷١١ بازيلي: المصدر السابق ص‎ -٥ 


.١"١١ بازيلي: المصدر نفسه ص‎ -٦ 


مجلة دراسات تاريخية ‏ العددان 1۷ ۔ 1۸ کانون الثاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


ا درا ر ب 


۷- ولد بازيلي عام ۹٠۱۸م‏ في مدينة القسطنطينيةء في عائلة يونانية مرتبطة 
بحركة التحرر الوطني اليونانية والألبانية. سنة ١١۱۸م‏ حكم على والده 
ميخائيل فاسيليفيش بالموت شنقا لمساندته الحركة اليونانيةء لكنه تمكن بمساعدة 
السفير الروسي الكونت ستروكانوف من الهروب من الدولة العثمانية 
والوصول إلى ميناء أوديسة. دخل بازيلي سنة ١۱۸۲م‏ معهد العلوم العليا في 
(نجين) حيث أتقن اللغة الروسيةء وارتبط بصداقات قوية مع بعض زملائه من 
طلاب المعهد مثل ن ف غوغول شاعر أوكرانية الكبير فيما بعد» و يع 
غرينبكا الذي أصبح لاحقا أستاذا في الحقوق. وفي عام ۱۸۲۷١‏ التحق بازيلي 
في ليسيه (ريشيليو) في مدينة أوديسة وبعد تخرجه سنة ١۸۴٠م‏ سافر إلى 
اليونان وعمل مترجما لدى قائد الأسطول الروسي في البحر المتوسط 
الأدميرال ريكورد. وفي سنة ۸۳۳٠م‏ انتقل إلى العمل في وزارة الخارجية 
الروسية في سانت بطرس بورغ. وفي عام ۱۸۳۹م عين بازيلي قنصلا في 
بيروت وبقي فيها حتى بداية حرب القرم بين روسية والدولة العثمانيية عام 
Ao‏ م. 

38- Cuwa, AusAn u MANECTMHA... 2. 178. 
39- TAM XE cC. 119. 
.٠٠۲ بازيلي: المصدر السابق» ص‎ -٠ 
."٦۳ المصدر نفسه» ص‎ -١ 


42- (noua. AnoAH wÎlanEcTuHA ... c. 180 


۳~ بازيلي: المصدر السابق» ص ۳۷١‏ . 


44- Cueva. AvusaH w lanectnHA... ac. 142. 


الد بلومانسيه الروسىه قی مصر ورلاد السام خلال الصف الأول میں الفرں الياسع ەدر 


45. CTAAPOY TT . DeveeHcunb Û DP Pucekvt NUT UFCIBEH 
HUKM PUCTM e hocTox 4F NFPuOA C XI no 
8 Bd. GAG. C. 


44- TAM XE cC. 84 
47. TAM XE C.1814 
48- TAM XE CL. 145 
40. TAM XE C. 146 


<0. [loaBoOCAABHbIV ITAnECTUHCKUM CBoPHux. 1882-1092. 
3174 BbIN. @. 


I. CTABPOYTT Dencencenb TF PueckKuE MYTE WECT BEH - 
HUKM... C. 62. 


52- TAM XE C. 6D. 


53- Cueva. AuaaH n (lAnreTuma... C. 187 
54- TAM XE C. {4. 


الدبلوماسية الروسية قي مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


9 


2 


~1۳ 


٤ 


A 


N 


ريجينكوف.|.سماليسكايا: سوريا ولبنان وفلسطين في النصف الأول ممن 
القرن التاسع عشر» مذكرات رحالة - تقارير علمية واقتصاديسة» ترجمة 
يوسف عطا الله بیروت» دار النهار ۱۹۹۳م. 

سالم لطيفة: الحكم المصري في الشام ۱۸۳١‏ ١١1۸م‏ مكتبة مدبولي 
القاهرةء الطبعة الثانية ١۱۹۹م.‏ 

شبلي أحمد: موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية الجزء 
الخامن: ةة الكهضة المضر ية 

صبري محمد: صفحات من تاريخ مصر» تاريخ مصر من محمد علي إلى 
العصر الحديث مكتبة مدبولي القاهرةء الطبعة الأولی ۱۹۹۱م. 

عبير جميل: قصة احتلال محمد علي لليونان ۱۸١١‏ ۱۸۲۷م› الهيئة 
المصرية العامة للمكتبات. 

العسلي بسام: نابليون بونابرت» المؤسسة العربية للدراسات والنشر» الطبعة 
الأولى ۱۹۸۰م. 

عنان ليلى: الحملة الفرنسية بين الأسطورة والحقيقة ‏ القاهرة دار الهلال 
EE‏ 

کی اهو ها تد خم شد كران اقا اه ا ا 
والترجمة ۱۹۳۷م. 

هيرولد كرستوفر: بونابرت في مصر» ترجمة فؤاد أندراوس» القاهرةء الهيئة 
المصرية العامة للکتاب ١٦۹١م.‏ 

يانج جورج: صفحات من تاريخ مصر تاريخ مصر من عهد المماليك إلى 
نهاية عهد إسماعيل ترجمة علي أحمد شكري» مكتبة مدبوليء القاهرة 
۰لم 


محلة دراسات تاريخية ‏ العددان ۷ ۔ ۸ کانون التاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹٩‏ محمد حبیب صالح 


, ب. المصادر والمراجح الأجنبية رالروسية:‎ 
ı. APxuMAHAPMA Autonun (KanYeTuH J. K 100- AETMHM 


CO AHA KOHUMHbI. IIPABOCANABHA4 Pucb. 1494 V6 
(1507). 15/24 mapTa. 


. BEPE2OBCKUM H.W u AP. POCCVVEKWU UMNEPATOPC- 
KUN PAOT. 4646 = 1447. _ BOEHHO- WCTOPUYECKMM 


cnPABouHuK. M. Pucexuu MuP. 4943. c. 196. 


N3 


- TvBoP A.A. Ho®AA ueTorna cToAH 3APVBEXHOFD B0C- 
TOKA. M. 1961. 
- MaKe. K.. ImreAbc.P cav. T. 9. 


s- HOBAA MCTOPU4 CTPAH 3APVBE>KHOV Au vw Hpk. 
USA. AEHUHTPAACKUU YHUBEPCUTET, 1921. 


دي 


ظط 


ادا 


- flontbi TPABOCAABHDI BOFOCAOBEKMU 2HUUKANOTEAV- 
UECKUU CAOBAPb. T I. 


: TIPABDCNABHDIM [lanecTuHekuu c5ormwk. {842.- 1992. 
“u bbin. 


ل 


oO 


- DQCEUUCKAA AuNAOMATUA B TOPTPETAX. 


- PuCCKAA AunAOMATuA VM Poccuiekor WMNEPATODPCKOE 
UPABOCAABHDE IANECTUHCOE O5BWECTBO. EXerOAHUK. 
M. MEZKA. OTH. 1942. 


0 


10- CAPA. AuaaH 1۸ IIANECTUHA B ONUMCAHMAX Pou 
(Lu 
INTE UE CTBEHHUKOS. KOHCUADCEWX U BOEH HhIX 0 
TEPBOW NONDvHbI XIX6. M. HAYKEA. 1991, 


YoY 


الدبلوماسية الروسية في مصر وبلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر 


ıı. CrABPoy TI BevucEHcEeas I1.P Pucckue NYTEwECT - 


ABEHHUKVM HA XPACTMAHCKWV BACTOK 3A NEPUOA 2 
XII no ¥X GE«. M. 419836. 


ج المصادر باللغهة الإنكيرية: 


1- J.C. HUREWITIZ. Diplomacy in the NEAR AND MIDDLE 
EAST. vol.l. London 1956. 


من أوراق النشاط الصميوني في الحراق.. مخلومات 
تنشر لأول مرة 


«ألجمهية الصميونية فح الحراق »1۲١‏ 


رغد صالح الهدلة 
اتحاد ا لمؤرخين الحرب . بخداد 


مجلة دراسات تاریخية ۔ العددان 1۸-7۷ ۔ کانون التاني ۔ حزیران ۔ ۱۹۹۹٩‏ رغد صالح الهدلة 


من أوراق النشاط الصهيوني ني الحراق .. معلومات تنشر لأول مرة 


«الجمعية الصهيونية في العراق ۱۹۲١‏ 


عدت الطائفة اليهودية في العراق من أقدم الطو ائف اليهودية في العسالمء ويرجع 
زمن الوجود اليهودي في العراق إلى عصور دول حضارة بلاد مها بيسن النهرين 
القدبمة. 


وهذا ما ميّز الطائفة اليهودية العراقية عن نظيراتها من الطوائف اليهودية في 
بلدان أخرىء» غير أن أعداد اليهود في تلك العصور التالية لم تكن واضحة ومعلومةء 
بسبب عدم وجود إحصائيات رسمية وموئقة. 

في العصر الحديث كانت بعض الإحصائيات لأعداد اليهود في مناطق متفرقة من 
العراق» تشير إلى. أنه في عام ١۸۲٠م»‏ كان يسكن مدينة الحلة/١٠‏ خمس وعشرون 
أسرة يهودية مقابل عشرة آلاف أسرة مسلمة'ء وفي عام ۸٤۱۸م‏ قدر عدد العوائئل 
اليهودية الساكنة في بغداد ب/ ٠٠٠٠‏ عائلة فقط ثلاثة آلاف. 

أما في العقد الثاني من القرن العشرينء فجاءت الإحصائيات أكثر دقةء حين أعلن 
عن تخمين رسمي عام ۹.):›ء بان عدد اليهود في مدينة الحلة بلغ /٠١٠١/‏ فقط ألف1 
وخمسة وستين شخصاً من بين /٠۷٠٠٠٠/‏ مائة وثلاثة وسبعين آلف شخص يسكنون 
الحلة. 

ولكن رغم تلك التخمينات» فمن الصعب تحديد رقم دقيق لعدد اليهود في العراق. 

وفي عام ١٠۱۹م‏ بلغ المجموع السكاني للعراق /١٠٠,٤١٠١,٠/نسمةء‏ أُما عدد 
السكان اليهود فبلغ /١۸/‏ ثمائنية وخمسين ألفا وذلك حسب تخمينات الإدارة 
البريطانية. 


YoY 


۱۷۵ مجلة دراسات تاريخبة 


من أوراق النشاط الصهيوني قي العراق.. معلومات تنشر لأول مرة "الجمعية الصهيونية قي العراق 1۹۲۱" 
ي 


والذي يبدو واضحاًء أن أدق إحصاء لعدد اليهود في العراق كان في عام ۷٤۱۹م‏ 
عندما أجري إحصاء لسكان العراق» وهو يمثل أول الإحصاءات الرسمية العراقيةء إذ 
بلغ عدد اليهود في ذلك الإحصاء /١٠۸/‏ مائة وثمانية عشر ألفاء من مجموع السكان 
البالغ /٤٠,٥/‏ أربعة ملايين ونصف المليون نسمة. ولكن هناك من يعتقد أن إحصاء 
عام ۷ م لم يكن دقيقا بصورة كاملةء لأن الرقم الذي ذكر عن أعداد اليهود لم يكن 
دقيقاًء وإنما هناك زيادة حقيقية على الرقم المذكور» قدرت ب /۲١/‏ عشرين ألف 
نسمة على الأرقام الرسمية المعلنة. 

إن الزيادة الحاصلة في أعداد اليهود فتحت أمامهم أبوابا واسعة لممارسة نشاطاتهم 
السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثفافية والأدبيةء وتعد فترة الاحتلال البريطاني 
للعراق ما بين  ۱۹١۱١(‏ ۱۹۱۸) من أخصب فترات النشاط اليهودي» خاصة في 
لمجال السياسي الذي طبع بطابع الصهيونيةء وامتد ذلك النشاط حتى ما بعد قيام 
ر اة اة غاد 0د 

ففي عام ۱۹۲۱م» تقدم أحد يهود بغداد» ويدعى "هارون ساسون إلياهوناحوم" 
بطلب إلى المندوب السامي البريطاني ببغدادء لتشكيل جمعية باسم "الجمعية الصهيونية 
فحصل على موافقة بذلك بتاریخ ۱۹۲۱/۳/۰م. 

وعن ذلك يقول "هارون" إنه منح وكالة رسمية عن الجمعية الصهيونية في فلسطين 
لتشكيل جمعية صهيونية في العراق. 


وعن كيفية إرسال تلك الوكالة إلى "هارون" تبين أن وزارة المستعمرات البريطانية 
هي التي قامت بإرسالها عن طريق المندوب السامي في العراق( 


وعلى الرعد من وضوح هدف تشكيل الجمعية في خدمة التوجهات الصهيونيةء إلا 


كان يلقب ب (مو )١‏ أي المعلم. 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-1۷ _ كانون الثاني ۔ حزیران ۔ ٠۹۹٩‏ رغد صالح الهدلة 


أن "هارون" يشير إلى امتيازات شغله لمنصب رئيس الجمعيةء بقوله: إنه عبارة عن 
مختار محلة فخزي بدون راتب» وإن طبيعة وظيفته تنحصر في تدقيق وتحقييق ما 
ينص عليه القانون الخاص بالهجرة e E Eha EEE SE‏ 
هجرة اليهود من بلدانهم إلى فلسطين 8 
بعد مرور أيام قلائل على تأسيس الجمعية المذكورةء أخذ "هارون' يدعو اليهود 
إلى الانضمام إليهاء كاشفاً عن الوجه الحقيقي لمنظمته» مما دعا "هارون" إلى القول: 
إن عملية انتساب اليهود إلى منظمته يعد انتصارا للوحدة التنهيونيةء فسارع 
اليهود إلى الانضمام لتلك الخمعيةء الأمر الذي مكن "هارررر." من تشكيل أول هيئة 
عامة للجمعية من هؤلاء اليهودء ويعد ذلك أول تشكرل تنضيمي رسمي للجمعيةء فكانت 
على النحو التالي: 
هارون ساسون إلياهوناحوم ‏ الرئيس 
. نور شاؤول _ محام ‏ عضو 
* عزرا حداد - مدير المدرسة الوطنية (يهودية) عضو 
- سلمان مراد بزاز ‏ عضو 
هارون شوجبط ‏ مدرس ‏ عضو 
سلمان شینا ‏ محام ‏ عضو 
وفي هذا الصددء نرى أن ما ذكر حول التشكيل الرسمي للجمعية» من قبل بمض 
O‏ 
n‏ ا 


0۹ 


من أوراق النشاط الصهيوني في العراق.. معلومات تنشر لأول مرة "الجمعية الصهيونية في العراق "1۹۲١‏ 


وكبير على دراسة 'حاييم كوهين التي ارتسمت بعدم الدقة»ء واختلاق روايات 
مزعومة. 

إن تشكيل الهيئة المذكورة يعد نقطة انطلاق لعمل الجمعيةء التي تابع مؤسسوها 
وأعضاؤها العمل على ترغيب اليهود بالسفر إلى فلسطين»ء وتحريضهم على الهجرة 
إليهاء وشراء الأراضي فيهاء كما أن رئيس وأعضاء الجمعية» اخذوا يشتركون في 
الق ائد والمجلات الصهيونية الأجنبية باسم "الجمعية الصهيونية العراقية""'. ومنذ 
ذلك الحين أخذت الجمعية تبث الفكرة الصهيونية في العراق باسمها انصريح دون 
تمويه» أو التستر وراء اسم آخر. وفي ذلك يخطئ - السوداني - مرة أخرى» حين 
يقول "إن الجمعية الصهيونية أثناء فترة الترخيص لها لم تعمل باسمها الكامل 
ل اسم لا يشير الشكوك والريب ألا وهو 'الجمعية الأدبيسة 
الإسرائيلة"(*۴ 


إن ما ذكره السوداني يستدعي التوقف بعض الشيء»› ولا سيما قوله: إن الجمعية 
الصهيونية بعد موافقة المندوب السامي عملت باسمها الصريح» وإن تسمية الجمعية 
الأدبية الإسرائيليةء كانت تطلق على جمعية تأسست في عام ۰ = ترأسها ضابط 
يهودي کان في عداد الشرطة البريطانيةء يدعى "سلمان حي" والذي اغتيل في 
171 مما أدى إلى نشوب خلاف بين أعضاء الجمعية حول أسلوب 
إدارتهاء فانفصلت مجموعة اكثر حماسأ للفكرة الصهيونية واتجاهاتهاء وتقدمت بطلب 


)( حاییم کو هین؛ النشاط الصهيوني في العراق؛ مترجم عن العبريةء مرکز الدراسات الفلسطينية بغداد 
4۳ 


دراسته» ص۳۹ (للتفصيل» انظر: هشام فوزي حسني عبد العزيز» النشاط الصهيوني في العسراق 
خلال فترة الانتداب البريطاني» مجلة دراسات تاريخية. تصدرها لجنة كتابة تاريخ العرب» جامعة 
دمشق» السنة العاشرة» العددان ۰۳۲-۳۱ آذار _ حزیران ۱۹۸۹ ص۷٦).‏ 


11۰ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸-٦۷‏ ۔ کانون الثاني ۔ خزیران ۔ ۱۹۹٩‏ رغد صالح الهدلة 
_- ي ي 


إلى المندوب السامي البريطاني» فحصلت على موافقته»ء فتشكلت بذلك الجمعية 
الصهيونية في بلاد ما بين النهرينء واستمرت بالعمل تحت ذلك الإاسم» موضوع 
وبعدء فإن الإعلان الرسمي عن تشكيل أول هيئة للجمعيةء مكن الكثير من اليهود 
من الانضمام إلى الجمعية بعد اجتيازهم الشروط التي وضعتها الجمعية لقبول 
الأعضاء الجدد وهي:٢‏ 
-١‏ یجب ان یکون یهودیا. 
۲- أن يرشح من قبل عضوين اثنين. 
۳- أن يقبل من أربعة أشخاص من الأعضاء القدامى. 
وعليه فإن المنعطف الهام في حياة الجمعية الصهيونيةء كان عند قيام الحكم 
الوطني في العراق عام ١١۹٠ء‏ وتشكل الحكومة العراقيةء حيث لم يتم الاعتراف 
بالجمعية الصهيونية ولم تقبل بوجودهاء بل أعلمت "هارون" نفسه بأن جمعيته لم تشكل 
حسب القانون في العراق _ قانون الأحزاب والجمعيات ‏ ولهذا فإن كل اشتغال بهذا 
العنوان معاقب عليه . وأن الحكومة لا تعترف بأية جمعية قائمة من هذا القبيل ما لم 
يتم تشكيلها وفق قانون تأليف الجمعيات. 
اتخذ تعامل الحكومة مع موضوع الجمعية شكلاً جدياً أكثر حين أخطرت "هارون' 
بأن كل أشغال أو أعمال تقع ضمن هذا العنوان من جانبكم يكون معاقباً عليهاا. 
إلا أن هارون ساسون وجمعيته' لم يتوقفوا عن ممارسة نشاطهم الصهيوني» حتى 
جاء عام ۱۹۲۹م الذي تمكنت فيه الجمعية الصهيونية من افتتاح 'مدرسة الفردوس 
اليهودية" في محلة 'تحت التكية" وسط بغدادء وتعد من أقدم المدارس اليهوديةء وأصبح 
"هارون ساسون" مديرا لها بموجب أمر, الإجازة الصادر من مديرية معارف اة 
بغداد برقم ۸٤٠٥/۷۸/۳‏ في ۱۹۳۰/۳/٠١‏ '. فاستغل "هارون" فترة إدارته للمدرسة 


۲1 


من أوراق النشاط الصهيوني في العراق.. معلومات تنشر لأول مرة "الجمعية الصهيونية في العراق ۱۹۲۱" 


المذكورة بعقد اجتماعات الجمعية الصهيونية في المدرسة بعد أوقات الدوام الرسمي. 


وفي عام ۰ م تم إجراء انتخابات جديدة للجمعية الصهيونية وتشکلت هيئة 
إدارية جديدة أو هيئة الإدارة _ فكانت على الشكل التالي: 


هارون ساسون الياهو _ الرئيس. 

سلمان شينا _ السكرتير. 

ساسون مراد موظف في متصرفية لواء بغداد - عضو. 

داود نوري عضو. 

مير بصري ‏ موظف في مديرية البرق والهاتف ‏ عضو. 

کرجي شینا ‏ موظف ‏ عضو. 

عبد الله شينا ‏ مخمن في ضريبة الدخل في وزارة المالية ‏ عضو. 
حيوان زليخة ‏ سكرتير سابق لوزارة الاقتصاد والمواصلات _ عضو. 


وفي أوائل عام ١۹۳م»‏ ولأجل تفعيل نشاط الجمعية تم تشكيل فرع لها باسم 
جمعية "شيمش" وعين المدعو 'حزقيل أفندي" ‏ الذي كان قاضيا في المحاكم المدنيية 


رئيساً لهاء وكان ذلك بأمر من "هارون ساسون' فأخذت جمعية 'شيمش' بعقد 
اجتماعاتها في منطقة ‏ التوراة ‏ وهي محلة تحت التكية ببغداد. وحاول "هارون" أن 
يفتح مدرسة باسم الفرع المذكورء لتدريس أطفال اليهودء لكنه لم ينجح في ذلك» غير 
أن جمعية "شيمش" استطاعت بعد فترة أن تنشأً لها مكتبة أطلق عليها مكتبة 'شيمش" 
في محلة بني سعيد ببغداد. ووكل 'ناجي يعقوب" الساكن في نفس المحلة ليقوم 
بإدارتهاء فأخذ التلاميذ اليهود في التردد على تلك المكنبة لقراءة الجرائد والكتب 


العبريةء حتى استطاع "هارون" أن يعيين ثلاثة مدرسين يهود هم 'يوسف توربيل و 
"سول شلایدر ۳ و "إسحق ياكو يونفيس"” للقيام بتلك المهمةء وتم وضع أجمور 
تدريس للتلاميذ الراغبين بتعلم اللغة العبرية. تميزت تلك الأجور بكونها زهيدة جداء 
وقسمت إلى فئتين: 

الأولى ٠١/‏ عشرة فلوس» والفئة الثانية ٠١/‏ عشرون فلساء كان القصد ترغيسب 
أكبر عدد ممكن من اليهود لتعلم اللغة العبرية. 


كما أن المدرسين في جمعية /شيمش/ كانوا يقومون بمهمة جمع إعانات مالية باسم 
الجمعية عن طريق التبرعات لإرسالها إلى 'الكيرن كيمت" (جمعية الرأسمال 
اليهودي). 

لقد جاء في دراسة السوداني - المذكورة أن الذي "يدخل الكنيس يجد نفسه أممام 
عدة صناديق بأسماء مختلفةء لكنها في الحقيقة تصب جميعاً في مصب واحد يهدف 
إلى تعزيز النشاط الصهيوني في فلسطين _ ومن أسماء الصناديق المذكورة المترجمة 
إلى العربيةء راحيل أمنا/ تعليم التوراة/ رني ميئر/ ربي شمعون/ بريوحاي/ إعانة 
الغرباء/ ساندي التوراة/ الفدية/ علم داود أورشليم (أي العلم الصهيوني)/ الرأسمال 
القومي اليهودي..."") 


پوصت توربیل بن میرشماش يهودذي عر اقي من مو اليد بغداد: ميته نجار غ افر العسراق الى 


فلسطين بدون جواز سفر سنة ١۹۲٠ء‏ وعاد إلى العراق سنة ١۹۳۳‏ 

سول شلايدر. بولوني الجنسية. درس اللغة العبرية في مدرسة شيمش في بغدادء دخل العراق عن 
طريق سورية عام ۱۹۳۳. 

اسحق ياكوبونفيس. تركي الجنسية. من مواليد أسطنبول. دخل العراق عن طريق إيران سنة 


۹ 


من أوراق النشاط الصهيوني في العراق.. معلومات تنشر لأول مرة "الجمعية الصهيونية في العراق ۱۹۲۱" 
س س ی 


وفي هذا الصدد أقول وتصحيحاً لما ذكره ‏ السوداني ‏ "إن الحكومة قد حذرت 
"هارون" من مغبَّة الاستمرار في جمع الإعانات الماليةء إلا أنه استمر بالتحمريض على 
جمع الإعانات» حتى وضع/ ٠١‏ عشرة صناديق لجمع تلك التبرعات ولكنها توزعت 
في محل وجود أعضاء الجمعية وأماكن RN ES‏ 
نها وضعت جميعها في كنيس واحد لتنفيذ مهمة جمع الإعانات» إلى درجة أن أن أكثر 
البيوتات اليهودية وضعت صناديق جمع الإعانات في بيوتهم وكانت كلها بالاسماء 
العبريةء ولا أعرف كيف استطاع - السوداني أن يجعل اسم 'بريوحاي" اسما 
عرییاً.. 

وهكذا بقي "هارون" صهيونياً متعدد النشاطات إلى أن هاجر من العسراق عام 
..٥‏ بعد أن تم اعتقاله وإطلاق سراحه بكفالةء وبهجرة "هارون" لم يبق للجمعية 
الصهيونية التي أسسها في عام ١۱۹۲م‏ أي نشاط بينمها استمر نشاط الجمعيات . 
الأخرىء» التي سيأتي الحديث عنها في أبحاث لاحقة. 


٤ 


مجلة دراسات تاريخية ۔ العددان 1۸4-71۷ ۔ کانون الثاني ۔ حزیران _۔ ۱۹۹۹ رغد صالح الهدلة 
kk‏ 


الخوامش 


-١‏ يتسحاق أبيشور»ء بحوث تاريخية عن اليهود العراقيين وثقافتسهم» منشورات 
مرکز التراث اليهودي قي بابل» اسر ائيل› ۹A۲‏ (باللغة العبرية)» ص “AY‏ 


2- ABBAS SHIBLAK, The Lure of zion, The case of Iraqi Jews. 
London, Al - S?ei Book, 1985. [ 21. 


.٠° يتسحاق أبيشور» المرجع السابق» ص‎ -٣ 
4- ABBAS SHIBLAK... p. 18. Cg Cii. p i8 
5- ABBAS SHIBLAK... p. 18. 
6- ABBAS SHIBLAK... p. 18. 


۷- كتاب وزارة المعارف العراقية إلى وزارة الداخلية ‏ ذي الرقم س /٠؛‏ في 
٤4‏ . (وثيقة لم تنشر). 

۸- نفس المصدر. 

۹¬ المصدر نفسه. 

١‏ - نفس المصدر. 

۱- دراسته» ص ۳٦‏ . 

-١‏ كتاب شعبة التحقيقات الجنائية المركزية إلى وزارة الداخليةء ذي الرقم ش. 
٨۸‏ في ۱۹۳٤/٠۰/۱۰‏ (وثيقة لم تنشر). 


۳- كتاب مديرية الشرطة العامة (العراق) إلى وزارة الداخليةء ذي الرقم ش. 


4 


(CY 


۲1 


م أورای اليشاط الصهبوني في العراف.. معلوماب تنسر لأول مره "الجمعية الصهيونية في العرافی 1۹۲۱" 
کن ور ا ا ~~ 


.۱۹۳٤/۱۰/۱۰ في‎ ٨۸ 

-١ ٤‏ كتاب وزارة الداخليةء المكتب الخاص إلى متصرفية لواء بغدادء المرقم م خ 
٤‏ في ٠۹۳١/۲/۱۳‏ (وثيقة لم تنشر). 

-٠٥‏ كتاب متصرفية لواء بغدادء إلى هارون ساسون» ذي الرقم ۳٤١۷۸‏ في 
۸ از (وثيقة لم تنشر). 

-١‏ كتاب وزارة المعارف» تقرير مفتش المدارس الأهلية والأجنبية إلى وزارة 
الداخلية ذي الرقم س/١٠٠‏ في .٠۹°١/٠٠١/٠١‏ (وثيقة لم تنشر). 


¥۷ السودانيء؛ دراسته»› ص 04